خلال الفترة الماضية، أصدر المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إصدارين مهمين؛ يتعلق الأول بمسح دخل وإنفاق الأسرة وهو الذي حاز حيزًا واسعًا من النقاش في الرأي العام ويتعلق الآخر بالفئات المجتمعية، وهو إصدار يتناول بيانات حول أوضاع بعض الفئات المجتمعية كالشباب والمرأة وكبار السن والمشمولين بالحماية الاجتماعية.

إصداران مهمان، وفي القراءة الاجتماعية لا يمكن قراءة كل منهما بمعزل عن الآخر؛ كون أنهما يقدمان تشخيصًا - وإن كان لحظيًا - لحالة المجتمع وبنيته وتركيب فئاته، ومواطن التغير والثبات فيه، والإشارات الأولى لحالة انتقاله سواء ديموغرافيًا أو اقتصاديًا أو حتى في بنية تركيب الأسر المكونة له.

ونلمح هنا إلى ست دلالات على الحالة الاجتماعية يمكن أن نقرأها من سياق الإصدارين معًا:

أولها، أن مقتضى السياسة الاجتماعية يجب أن ينتقل من التعامل مع المجتمع كقضية نمو سكاني إلى ما يُعرف في السياسات الاجتماعية بإدارة (دورة الحياة الاجتماعية)؛ ذلك أن وجود كتلة كبيرة في الهرم السكاني من الأطفال والشباب تجعل ثلاثة ملفات رئيسية هي مركز الاهتمام في السياسة الاجتماعية (جودة التعليم، منظومة التأهيل المهني، القدرة على تكوين الأسرة). هذه الملفات اليوم أن تتصدر الأجندة الاجتماعية مع الاستعداد للتحول المنظور في سياق (10 -15) سنة بظهور أثر النمو المتسارع لفئة كبار السن. مما يعني أن أجندة العقد القادم ربما تتوجه بشكل أكبر إلى ملفات (الرعاية الاجتماعية المستدامة، منظومات التقاعد، والصحة).

المسألة هنا ليست مفاضلة أو تجزئة لأجندة بتقسيم زمني قاطع، بقدر ما هي محاور تركيز مرحلي تتغير طبقًا للحالة الديموغرافية، وتشير إلى ضرورة الاستعداد المبكر لمجتمع تتغير أوزانه العمرية بسرعة، مع الانخفاض المرصود في معدل المواليد الخام من 27.3 لكل ألف عماني في 2021 إلى 20.8 في 2025.

ثانيًا، حالة الأسرة العُمانية مطمئنة من حيث التركيب والامتداد، وهذا مهم للحالة الاجتماعية؛ كون أن الأسرة ما زالت من ناحية عدد أفرادها كبيرة نسبيًا عند متوسط 6.9 فرد، ويرتفع إلى 7.3 فرد في القرى.

لكن ما يجب الانتباه له هو أن وضع الأسرة أصبح مرتبطًا بشكل كبير بقدرة عدد محدود من أفرادها على توليد الدخل؛ حيث تكشف البيانات المرتبطة بالإعالة أن الأسر ذات معدل إعالة يبلغ سبعة فأكثر تمثل 4.5% من الأسر، لكنها في المقابل تحصل على 2.8% فقط من إجمالي الدخل.

هذه نقطة بالغة الأهمية تدفع إلى القول بأهمية إعادة بناء سياسة الأسرة حول مفهوم بناء القوة الاقتصادية للأسر وهو ما يستوجب ألا يقاس وضع الأسرة بالدخل الاسمي فقط، بل بالدخل المتاح بعد الالتزامات، وعدد مولدي الدخل، ونسبة الإعالة، وتكلفة الاحتياجات الأساسية، والأصول التي تمتلكها الأسرة.

فمتوسط الدخل العُماني البالغ نحو 1,839 ريالًا يتضمن نحو 104 ريالات قيمة إيجارية مقدرة للمسكن المملوك، بينما يبلغ الدخل دونها نحو 1,736 ريالًا.

في هذه النقطة نحن نناقش إطار السياسة الاجتماعية وموجهاتها أكثر من محاججة نظام البيانات ومنهجيات الإحصاء والتصنيف.

ثالث الدلالات التي نود الإشارة إليها ترتبط بالشباب، فما تظهره البيانات أن النقطة الحرجة بالنسبة لمرحلة الشباب اليوم هي (الاستقلال الاقتصادي)؛ إذ توحي البيانات بأن هناك كتلة شابة متعلمة بصورة متزايدة، لكن في المقابل لا يزال معدل المشاركة الاقتصادية للشباب العُمانيين بين 18 و29 سنة عند 41.7%، فيما كان 58% منهم خارج النشاط الاقتصادي في 2025، وبلغ معدل الباحثين عن عمل بينهم 25.2%.

وترتفع بين بعض أصحاب المؤهلات العليا، الفجوة إذن هي في قدرة الشباب على الانتقال من المؤهل إلى موقع اقتصادي منتج.

يقود ذلك مباشرة لإفراز الدلالة الرابعة، التي تظهر نتيجة أثر الدلالة السابقة وهي تأخر الانتقال إلى تكوين أسرة، فالبيانات تشير إلى أنه من بين 538 ألف شاب عُماني بين 18 و29 عامًا، لم يسبق الزواج لنحو 429 ألفًا، مع فارق واضح بين الذكور والإناث.

تقودنا هذه النقطة إلى الأثر المنظومي للسياسة الاجتماعية؛ فضعف المشاركة الاقتصادية وارتفاع البحث عن عمل وانخفاض حيازة الشباب للمساكن والأراضي، تكشف عن تراكم مراحل الانتقال إلى الاستقلال بما في ذلك القدرة على تكوين الأسر.

خامسًا، ما يتصل بالمرأة؛ حيث تظهر الأدلة مفارقة مهمة، فمع تطور تكوين رأس المال البشري المتصل بالمرأة، تبقى مشاركتها الاقتصادية محدودة؛ ويدلل على ذلك حين نرى أن النساء يمثلن أغلبية من الشباب الملتحقين بالتعليم العالي في بعض المؤشرات، كما أن عدد الشابات الحاصلات على البكالوريوس فأعلى يفوق الذكور بوضوح في الفئة 18-29 سنة. وفي المقابل بلغ معدل المشاركة الاقتصادية للعُمانيات 32.9% في 2025.

أما النقطة السادسة فهي ترتبط بدخل الأسرة، فحين نحلل الدخل نجد أن الأسرة العُمانية تنفق في المتوسط 1,059 ريالًا شهريًا، فيما ارتفعت حصة الغذاء من 20.6% من الإنفاق في 2018 إلى 22.7% في 2025.

ومع مكونات مجموعة الدخل الأخرى الضاغطة مثل السكن والنقل والاتصالات والتعليم ومتطلبات الحياة الحديثة، يصير التحدي أمام الأسرة في تقلص الهامش المادي للمحافظة على (جودة الحياة) وتوسيع الخيارات المعيشية التي تساعدها على ترقية جودة حياة أفرادها.

تظهر كل هذه المعطيات أن المجتمع يعيش انتقالًا صامتًا، ولعل أحد أبرز أوجهه هو أن فئة كبار السن تعيش مدة أطول، وهذا يعني مع السنوات أن تظل فاعلة اقتصاديًا واجتماعيًا.

التحدي الاجتماعي الرئيس هو في استثمار البنية والتركيب الاجتماعي القوي (راهنًا) بتسريع وتيرة التحول الاقتصادي، التي توسع نطاق الفرص الاقتصادية لأفراد المجتمع، وتوسع نطاق فرص العمل للشباب، وتستثمر في التأهيل الجيد الذي أفرزته السنوات الفائتة في رأس المال البشري.

لقد انتجت منظومات التعليم قوة بشرية لا يمكن الاستهانة بها، والتنوع في سلم المؤهلات الذي ترصده البيانات والذي تتوزع ثماره بين الذكور والإناث حول حصيلة عمل كبير تم في هذا الملف لعقود، غير أن منطق السياسة الاجتماعية ينبغي اليوم أن يراهن على الأثر المنظومي، ويعالج حالات تعثر الانتقال بين التأهيل العلمي وبين المشاركة الاقتصادية، وبين المشاركة الاقتصادية والقدرة على تكوين الأسرة، وبين تكوين الأسرة والمحافظة على جودة حياتها، وبين الانتقال الاقتصادي والصحي السلس في مراحل الهرم السكاني إلى الحفاظ على أعلى مستويات الفاعلية الإنتاجية الاقتصادية والاجتماعية لأبعد حد من العمر واستثمارها وطنيًا بالشكل الأمثل.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان