«أضمتني الدنيا فلما جئتها مستسقيًا هطلت عليّ مصائبا»

ما زال يرن في بالي إلى الآن بيت المتنبي منذ استدعته ذاكرتي بعد أن تلقيت صباح الأربعاء الماضي، ٢٣ سبتمبر، خبر رحيل صاحب مذاق الصبر، الروائي محمد عيد العريمي، الروائي الذي تجاوز المصائب الظاهرة والباطنة في حياته وخلّف لنا إبداعًا ومنجزًا حاسمًا، في تجربة كلها نبل وسمو وترفع لا تخطئه العين، لا تستجدي ولا تستعطف، بل تضع علاماتها ودروسها البليغة لنا نحن الأصحاء في هذه الحياة.

مر يومان وما زلت أتساءل ما الذي حرر محمد عيد من إعاقته؟ وكيف استطاع الخروج من حفرة العجز التي كان عليه أن يسقط فيها تلقائيًا بسبب الحادثة الأولى وكل الصدمات التي تلتها؟

يوم ٢٥ يناير ١٩٨٩م، وقع لمحمد عيد حادث غير حياته كلها وأبقاه طريح الفراش والكرسي المتحرك، ورغم أني غير متأكد الآن لكني اعتقدت دومًا أن الحادث كان في بدية، ذلك اليوم اعترضت سيارته ناقتان لم يتمكن محمد من تفاديهما واصطدمت سيارته بإحداها، ما سبب له شللًا مزمنًا أقعده طوال المتبقي من حياته، وكان ذلك في طريق عودته لعمله من إجازة شهر العسل، ولا شك أن الخسارة اللاحقة كانت كبيرة وصادمة لشاب كان آنذاك في شرخ شبابه (ولد ١٩٥٤م).

يذكر محمد عيد في مذاق الصبر مشهدًا خاصًا، في فصل خصصه للكرسي المتحرك. في ذلك المشهد يتذكر محمد تعرفه بأحد زملاء دراسته في أمريكا، كان ذلك الزميل الأمريكي على كرسي متحرك، ولكنه كان مرحًا وحيويًا على الدوام، معتزًا بنفسه ومعتمدًا على ذاته، وذات مرة في المكتبة وقع المقعد عن كرسيه فهرع محمد لمساعدته بعد أن ابتعد الكرسي عنه، كانت تلك الحادثة لافتة، وكان محمد معجبًا بكل تلك الحيوية التي تفيض من ذلك الشاب، ولم يكن يعرف محمد حينها أنه هو نفسه سيصبح أيقونة لنفس المثال في عالمنا العربي.

ذلك الكرسي الذي لزمه والذي تجاوز كونه مجرد وسيلة تنقل وحركة ليصبح جزءًا من جسده وهيئته وشكله وحضوره العام.

بذلك الكرسي المتحرك، وبصعوبة إنجاز أبسط الأشياء بالنسبة لنا، كالإمساك بقلم والكتابة، حيث ذكر محمد في مذاق الصبر أنه كان يربط القلم بيده ليكتب، ولنا أن نتخيل ما في ذلك من صعوبة لكتابة كتاب من ٢٠٠ صفحة كما في مذاق الصبر، وكان ذلك قبل وصول الحواسيب الآلية التي سهلت عليه العمل بكثير، رغم أن الصعوبة تبقى لكنها أقل، فليس التحكم بالأصابع بنفس السهولة التي نختبرها نحن، ولكن محمد تجاوز تلك الصعوبات كلها، وارتفع على الآلام المتلاحقة للجلوس الطويل والقروح الناتجة عن الإقعاد، ليكتب لنا روائعه ونتاجه، والتي كان أبرزها مذاق الصبر، مع تحريره وإشرافه على كتاب عمان الإنسان والمكان الذي يخلد جزءًا من تاريخنا، وبقية كتبه المعروفة ورواياته.

في مذاق الصبر يسافر محمد بنا مع التجربة نفسها، مع خباياها، ولعل مذاق الصبر هو أجمل سيرة ذاتية عربية عن الإعاقة، غنية بالأحداث التي ذكرها، أو التي سكت عنها، كل تلك الخطوات المفقودة، وما تلاها من فقد مؤلم ومضاعف وفاجعي على نفس محمد عيد، لكن محمد حول كل تلك الأحداث والسيرة، وتلك التجربة الشخصية، إلى موضوع كتابة وتأمل ودرس بليغ، وما زلت أذكر إلى اليوم حماسة الشاعر الراحل محمد الحارثي بكتاب مذاق الصبر عام نشره.

كان الدرس الأبلغ الذي تعلمته من محمد عيد وظللت أكرره لنفسي ومن حولي هو نظريته المركزية وفلسفته الشخصية التي يقول فيها أن كل إنسان تقع عليه مصيبة فهو أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يستسلم للمصيبة وينهار وهذا لن يحسن من ظروفه أو حياته الباقية، أو يقاوم ما حدث له وهذا هو الخيار الوحيد الذي سيحسن ظروفه والمتبقي من حياته وعمره؛ وهذا ما ظل محمد عيد يفعله طوال حياته وبشكل يومي: المقاومة، ومن رحم تلك المقاومة وباتخاذ الكلمة أداة استطاع محمد أن يتجاوز الإعاقة ويخلفها وراءه بمراحل.

لم يكن خبر رحيل محمد مفاجئًا، فالرجل قضى الأشهر الأخيرة طريح الفراش في أحد مستشفيات مدينة الشارقة في غيبوبة أو شبه غيبوبة، وكنت أحاول طوال الفترة التي مضت التوصل إلى أخباره عن طريق الأصدقاء المشتركين، وكانت الأخبار أحيانًا تبعث الأمل ولكنها في الأغلب كانت أخبارًا محبطة، ورغم أن رحيله لم يكن مفاجئًا لكنه آلمني بشدة، وجدت نفسي مشتتًا أستعيد سيرة الصبر، أحاول الوصول لها ولكنها بعيدة معلقة في مكتبة لا أستطيع الوصول إليها، وما لدي من آثار إلكترونية لا يكفي لسد هذا الفراغ الذي احتاج إلى سده، وسط أيام لا ترحم هي الأخرى بأحداثها المتفرقة من كل حدب وصوب، ولم أجد كرسيًا متحركًا غير بيت المتنبي الذي لازمني.

برحيل محمد عدت أتذكر ما عشته شخصيًا بينما كنا نسجل كتاب مذاق الصبر في الإذاعة صوتيًا لصالح مشروع الكتب الصوتية لمنصة عين، وكم أشكر سليمان المعمري المشرف على المشروع على تلك الفرصة وذلك الشرف حقًا، ورغم أن ما عشته من مشاعر حينها كان مجرد خيال وتجسيد، لكني لمست الكثير من الجراح والقروح والآلام والفقد، كانت تلك التجربة أعمق من قراءتي الأولى للكتاب، فقد حولت القراءة الصوتية تجربتي لشيء أعمق، استطعت أن أتلمس الكلمات وأشعر بها أكثر، استطعت أن أقترب من حرارة الآلام، وأمكنني الإقتراب نسبيًا مما كان محمد يحاول أن يقوله للعالم، عن الصبر.

رأيت محمد عيد آخر مرة في المستشفى السلطاني يوم ٧ اغسطس ٢٠٢٤م، زرته بمعية الكاتب والروائي سعيد سلطان الهاشمي، في تلك الزيارة أخذت منه موافقة على المشاركة في فيلم أسميته (حلو.. مر) مبني على كتابه الآخر، بين الصحراء والماء، سيرة طفولته التي عاشها في وادي المر، ووافق الرجل بكرمه المعهود، ودلني على عدد من الأسماء التي يمكنها مساعدتنا لإنجاز الفيلم، وظل هذا الفيلم يلح علي، وظللت ألح على المخرج لإنجاز العمل، وظللت أنا مكبلًا بظروفي القاهرة، والزمن لا يمهل أحدًا ولا يضع اعتبارًا لأي ظروف، مهما بلغ طموح الأفكار أو نبلها، وللأسف لم ننجز الفيلم رغم أني سلمت السيناريو للمخرج منذ عامين، لا فيلمنا ذاك رأى النور ولا فكرة المخرج التونسي الطيب الوحيشي الذي كان اتفق مع محمد عيد على إنجاز فيلم عن مذاق الصبر، والآن برحيل محمد تبدو الخسارات مضاعفة بلا نهاية، وما زالت ترن وصية أحد شيابنا رحمه الله يوم قال لي «ولدي يوم تبغى تسوي شي سويه في شبابك ترى بيجيك وقت ما بتقدر تسوي شي»، أليس هذا نوعًا من الإعاقة؟ ألسنا جميعنا معاقين بشكل أو بآخر؟

لم يبق لي من ذلك كله الآن غير الأسى، والحزن، وهذه المرارة الناشبة بالحلق، والتي ضاعفها علمي أن محمد عيد دفن في الشارقة كما علمت، وأنا أحاول التأسي والتعزي بالشعر، أعود بعد المتنبي للمعري: «مغاني اللوى من شخصك اليوم أطلال وفي النوم مغنى من خيالك محلال»؛ فها أنا أكتب وقد رحل محمد عيد العريمي ولم يبق لنا منه غير هذه الكتب والأحلام والخيالات التي تثيرها: «فيا دارها بالحزن إنّ مزارها قريب ولكن دون ذلك أهوالُ.. متى سألت بغداد عني وأهلها فإني عن أهل العواصم سآلُ/ إذا جنّ ليلي جنّ لبي وزائدٌ خفوق فؤادي كلما خفق الآلُ/ وماءُ بلادي كان أنجع مشربًا ولو أن ماء الكرخ صهباء جريال»

وداعًا أيها الصبر الحي الذي عشت بيننا أيقونة حية من لحم ودم، بنيت بنيانًا راسخًا في ذرى الفن والأدب، وسرت شوطًا ضوئيًا خلفت فيه ملايين الأصحاء، وها ما زالت نجومك لامعة حتى بعد رحيلك، علامات لنا ولكل القادمين في طريق الحياة. وداعًا محمد عيد.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني