ترجمة: أحمد شافعي
عندما اجتمع قادة إسرائيل في القدس في السادس والعشرين من سبتمبر سنة 2023 في الذكرى الخمسين لحرب السادس من أكتوبر وصف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هجوم سوريا ومصر المفاجئ بأنه عبرة تستخلص من تجاهل تحذيرات المخابرات وتضليل النفس، وقال: إن مفاد هذه العبرة «ألا نستهين بأي تهديد».
قبل نحو ساعتين من صعود نتنياهو إلى المنصة كانت طائرة مستأجرة تابعة للمخابرات المصرية قد هبطت في مطار بن جوريون على بعد قرابة ثلاثين ميلا. مضت الطائرة حتى توقفت في قسم معزول من المطار يستعمل للمهام الدبلوماسية والأمنية الحساسة. كان عباس كامل ـ رئيس جهاز المخابرات المصري وأحد أكبر مسؤولي الأمن تأثيرا في المنطقة ـ قد وصل إلى إسرائيل في مهمة شديدة الحساسية.
قال مسؤولون إسرائيليون ومصريون وعرب وأمريكيون ممن اطلعوا بعد السابع من أكتوبر على تفاصيل زيارة عباس كامل: إنه قال إن جماعة حماس الموالية لجماعة الإخوان المسلمين والمسيطرة على غزة تحتشد في ما يبدو لتنفيذ ضربة كبيرة، وإن فرصة منع الكارثة تقل. وأوصى بأن تقدم الحكومة الإسرائيلية لحماس تنازلات اقتصادية اجتنابا لنشوب صراع. وكانت رسالته ـ بحسب ما قال مسؤول إسرائيلي سابق اطلع على تفاصيلها بعد ذلك ـ تفيد بأنه: إذا لم تغيروا مساركم فإن غزة سوف تنفجر في وجوهكم.
لم يطلع كامل المسؤولين الإسرائيليين على تاريخٍ أو على معلومات محددة لما تبين لاحقا أنه هجمة متعددة الجوانب على إسرائيل وقعت في غضون أقل من أسبوعين، أي في السابع من أكتوبر، وليس واضحا تمام الوضوح بمن التقى كامل. وقد بقيت الطائرة المصرية على الأرض في إسرائيل لسبع وستين دقيقة بحسب سجل الطيران في هيئة المطارات الإسرائيلية، ثم عادت إلى القاهرة. (وقد أكدت تطبيقات مستقلة لتتبع رحلات الطيران رحلة الطائرة).
وبعد ثلاثة أعوام من الهجوم المفاجئ الأشد تدميرا في تاريخ إسرائيل لا يزال السؤال مفتوحا حول ما فعله المسؤولون الإسرائيليون بتحذير كامل، لكن مسؤولين من سبعة بلاد مختلفة تكلمتُ معهم قالوا: إن زيارة كامل كان يجب أن تدق أجراس إنذار في جميع الصفوف العليا في الحكومة الإسرائيلية؛ فقد حضر نتنياهو ـ وفقا لجدول أعماله المعلن ـ جلسة إحاطة سرية عقب حفل ذكرى حرب أكتوبر، وسرعان ما وافق لاحقا على تقديم تنازلات اقتصادية لحماس. وأكد مسؤولون ممن تحدثت إليهم أن محض حضور رئيس المخابرات المصرية في إسرائيل كان يجب أن يكشف عن مدى جدية الأمر وعجلته. وقال لي مسؤول إسرائيلي سابق: «إن حامل الرسالة كان هو نفسه الرسالة»، وأضاف أنه «يستحيل» أن يلتقي مسئولون إسرائيليون كبار برئيس المخابرات المصرية «ولا يكون بيبي على علم».
في الأيام التالية للهجوم أنكر مكتب نتنياهو تلقيه أي تحذيرات مباشرة أو غير مباشرة من مصر بشأن الوضع في غزة. ولم يستجب المتحدثون باسمي نتنياهو والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لطلباتي المتكررة بالتعليق على زيارة كامل. وخلال حديثه معي في الأسبوع «الماضي» أنكر تساحي هانجبي رئيس مجلس الأمن الوطني الإسرائيلي آنذاك قيام كامل بزيارة أو ورود أي تحذير مصري من أي نوع.
وتبرز زيارة كامل في 2023 ـ التي لم يسبق نشر تفاصيلها ـ ما قالته لي عشرات المصادر عن تلقي الحكومة الإسرائيلية مرارا ما يفيد بنشاط خطير من حماس في الفترة السابقة على السابع من أكتوبر.
فقد حذر مبعوث للأمم المتحدة كان في الشرق الأوسط آنذاك تحذيرا علنيا من صراع كامن قد يتسبب في «عواقب وخيمة» بينما كان يتحرك بعيدا عن العلن تحركات محمومة من أجل تخفيف التوترات بين إسرائيل وحماس. وقد اتصل الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ـ بعد اطلاعه على استنتاجات مخابراتية من مصادر مصرية وفلسطينية ـ بنتنياهو ليحذر من إمكانية وقوع هجمة وشيكة؛ وفقا لما أفاد به مسئولون أمريكيون وعرب يعرفون بأمر الاتصال. وفي وقت سابق من الشهر الحالي نشرت صحيفة ها آرتس الإسرائيلية تقريرا يفيد بالاتصال بين الاثنين، وقد تأكدت من مسؤولين عدة أن الاتصال تم. وأنكر نتنياهو ذلك التقرير، وهدد بمقاضاة هاآرتس، ولم تستجب الإمارات العربية المتحدة لطلبنا التعليق.
وقد أخبرني مسؤولون إسرائيليون وعرب وأمريكيون سابقون وحاليون بأنهم جميعا مروا بهذه الظاهرة في عام 2023: أي غطرسة من جانب نتنياهو ناجمة عن إيمان راسخ بأن لإسرائيل اليد العليا على حماس. وقال لي مسؤول أمريكي سابق رفيع المستوى ومنخرط في المحادثات مع الحكومة الإسرائيلية: إنه «بدا واضحا لأي سبب كان أن الأولوية لديهم للضفة الغربية»، وأضاف أنهم «كانوا واثقين، بل مفرطي الثقة في أن الوضع تحت السيطرة».
أدت هجمة حماس ـ التي وقعت بعد أحد عشر يوما من زيارة كامل ـ إلى وفاة قرابة ألف ومائتي شخص من المدنيين بالأساس، واختطاف مائتين وإحدى وخمسين رهينة واصطحابهم إلى غزة خلال غارات مرتبة على أحياء وقواعد عسكرية وحفل موسيقي في الهواء الطلق. فشنت إسرائيل حملة ثأرية ساحقة قتلت فيها أكثر من ثلاثة وسبعين ألف فلسطيني في غزة أغلبهم من المدنيين بحسب وزارة الصحة الفلسطينية. ولقيت قيادة حماس مصرعها مع آلاف من مقاتليها. وأدت الهجمات على إسرائيل وحرب غزة التي أعقبتها إلى إحدى أشد مآسي القرن الحادي والعشرين تدميرا.
وقد يكون النقص المذهل في استعداد حكومة نتنياهو قبل غزو السابع من أكتوبر هو أهم قضية في الانتخابات الإسرائيلية في الشهر المقبل؛ إذ يواجه نتنياهو ـ الذي شغل موقع رئيس الوزراء لفترة أطول من أي رئيس وزراء آخر في تاريخ إسرائيل ـ أكبر تحد له في مسيرته كلها.
ويطالب كثير من الإسرائيليين -من بينهم خصم نتنياهو الرئيسي وهو رئيس الأركان السابق جادي آيزنكوت- بإجراء الدولة تحقيقا مستقلا في الإخفاقات العسكرية والمخابراتية التي سبقت هجمات السابع من أكتوبر، لكن نتنياهو دأب على رفضه لأي تحقيق مستقل مماثل لما تم من قبل في إخفاقات أمنية سابقة منها حرب السادس من أكتوبر. وسعى رئيس الوزراء بدلا من ذلك إلى تكوين لجنة تحقيق معينة سياسيا، وقال: إنها سوف تحتوي ممثلين للمعارضة. وأثار سعيه ذلك جدلا كبيرا؛ إذ رفض قادة المعارضة المضي قدما في الاقتراح خوفا من احتمال أن يحابي حكومة نتنياهو. وفيما يستمر انتظار التحقيق فإن عشرات المسؤولين السابقين والحاليين من الإسرائيليين والمصريين والعرب والأوروبيين والأمريكيين يتكلمون معي، فتساعد رواياتهم في سرد قصة ما وقع من أخطاء في ذلك الخريف.
***
منذ أن وقعت مصر وإسرائيل اتفاقية كامب ديفيد للسلام سنة 1978 يمكن أن توصف العلاقة بينهما في أفضل الحالات بالسلام البارد، لكن لدى البلدين رغبة مشتركة في كبح تهديد حماس وغيرها من الجماعات المقاتلة في غزة التي تتاخم البلدين. وقد ازدهر تبادل المعلومات المخابراتية بين مصر وإسرائيل وإن تعثرت العلاقات الدبلوماسية بينهما.
وقد أشارت أغلب تقارير الأسابيع السابقة على هجمات السابع من أكتوبر، ومنها تقارير مصرية، إلى تجدد الهجمات التقليدية ـ كالصاروخية مثلا ـ من حماس وفصائل مسلحة أخرى في غزة. كما حذرت من انتقال العنف إلى الضفة الغربية، لكن مصادر مخابراتية داخل غزة نقلت إلى مصر صورة أكثر قتامة أفضت بمصر والإمارات العربية المتحدة إلى تنبيه إسرائيل إلى أن شيئا غير مسبوق يجري التجهيز له. وقال لي مسؤول مصري سابق عن زيارة سبتمبر 2023: «إن ذهاب كامل إلى إسرائيل» قاضيا زهاء ساعة يعني أن هذا هو تقدير السيسي نفسه: عليك أن تذهب إليهم وتخبرهم بنفسك».
لكن تركيز الحكومة الإسرائيلية كان منصبا على غير ذلك؛ فقد كانت إسرائيل في أسر أعمق أزمة داخلية منذ عقود؛ إذ بقيت مستهلكة على مدار شهور بمحاولات نتنياهو إصلاح النظام القضائي، فكان ذلك مواجهة دستورية قوبلت باحتجاج مئات الآلاف، وأحدثت صدوعا عميقة داخل الجيش والمجتمع. وجعل تصاعد العنف الإسرائيلي الفلسطيني في الضفة الغربية من 2023 العام الأكثر دموية منذ عقود بالنسبة للفلسطينيين في الضفة في ظل إسهام غارات عسكرية إسرائيلية، وهجمات فلسطينية، وعنف مستوطنين في مناخ مهيأ للاحتراق. وحشدت إسرائيل قوات وموارد عسكرية في القطاع. وسعى مسؤولون في إدارة بايدن إلى تخفيف التوتر في الضفة الغربية في حين ركز مفاوضون دوليون وإقليميون آخرون على غزة.
فرضت إسرائيل حصارا بريا وبحريا وجويا شاملا على غزة منذ عام 2007 الذي سيطرت فيه حماس على المنطقة، وخضعت معابر غزة ورفح الحدودية مع مصر لقيود مشددة منذ ذلك الحين. وباتت حرية التنقل مستحيلة تقريبا لسكان غزة البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة يعيشون في أرض تبلغ مساحتها مائة وواحدا وأربعين ميلا مربعا. وكانت آخر مرة تحاربت فيها إسرائيل وحماس هي في مايو2021، وقد انتهى ذلك الصراع الذي دام أحد عشر يوما بهدنة توسط فيها كامل تحديدا وآخرون. ولم يبد أن لحماس مصلحة في التخلي عن الهدنة المضطربة، لكن مراقبين دوليين أدركوا بعض إشارات تبين أن الوضع داخل غزة يتغير. وقبل وقت طويل من صيف 2023 قال لي مفاوض دولي في المنطقة: إن مصادر أبلغته بأن «ثمة ما يجري طبخه»، وإن غمضت التفاصيل وتضاربت الإشارات.
بحلول أغسطس كان واضحا أن التوترات في غزة احتدمت؛ وذلك جزئيا لأن قطر جمدت النفط المصري الذي كانت تبعثه إلى غزة منذ عام 2021. وكانت حماس تعيد بيع ذلك الوقود، وتستغل العائد ليساعد في دفع رواتب العاملين في القطاع العام، وتلك آلية أساسية حافظت بها على سيطرتها على القطاع. دعت حماس إلى مظاهرة عند معبر إيريز الحدودي بسبب تأخر المساعدات القطرية، وكذلك بسبب نزاعات عالقة أخرى من قبيل معاملة الأسرى الفلسطينيين، وهذا المعبر هو مدخل المشاة الرئيسي بين إسرائيل وغزة، وله أهمية خاصة لدى العمال من أهل غزة. وقد استجابت إسرائيل للمظاهرة في منتصف سبتمبر بإغلاق المعبر.
قرابة ثمانية عشر ألفا من أهل غزة لديهم تصاريح عمل في إسرائيل. وبعد منع أولئك من الذهاب للعمل «بدأ التصعيد يتسارع» كما قال لي أحد المفاوضين. وفي السادس والعشرين من سبتمبر أفاد موقع «رأي اليوم» العربي نقلا عن مصادر فلسطينية بأن حماس أوصلت إلى الحكومة المصرية أن غزة ستنفجر بسبب إغلاق معبر إيريز، وفي اليوم نفسه اتجهت الطائرة بكامل إلى إسرائيل.
سارع المفاوضون من مصر وقطر والأمم المتحدة محاولين الحفاظ على الهدوء. واستجاب مسؤولو حماس بما وصفه مفاوض دولي بـ«قائمة مشتريات» كثيرة المطالب، فمنها تصاريح العمل في إسرائيل، واستعادة ترتيبات الوقود من أجل رواتب الموظفين مع قطر. وبعد أن انتهت المحادثات في الأيام الأخيرة من سبتمبر وافقت حماس على إعادة الناس من السياج الحدودي، ومحاولة تخفيف التوترات. ووافقت إسرائيل على إعادة فتح معبر إيريز، وإعادة خط الإمدادات الطبية إلى غزة مضيفة أنها سوف تدرس زيادة تصاريح العمل.
وبرغم ذلك بقي الوضع مضطربا؛ ففي السابع والعشرين من سبتمبر، أي قبل عشرة أيام من الهجمة، غادر تور وينسلاند، منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، غزة حاملا تحذيرا صريحا: «الوضع داخل القطاع خطير، وعلينا أن نجتنب صراعا آخر ستكون عواقبه وخيمة على الجميع» بحسب ما كتب وينسلاند على موقع إكس. وبعد يوم بدا أن الترتيبات الجديدة تكتسب صمودا، وشاهد دبلوماسيون أوروبيون زاروا معبر إيريز عمال غزة وهم يتدفقون رجوعا إلى إسرائيل.
لكن مفاوضين أخبروني بأنه تبين لاحقا أن حماس كانت تتحجج بالمحادثات لتكسب وقتا تضع فيه اللمسات الأخيرة على خطط هجمتها. وقد كشفت وثائق حصلت عليها إسرائيل من غزة أن حماس اعتبرت صراع 2021 انتصارا، وبدأت بعده التخطيط لعملية كبيرة تمثل فتحا؛ إذ أوضحت مذكرة تفصيلية من أغسطس 2022 ـ يرجح أن تكون مكتوبة بخط يد يحيى السنوار قائد حماس في غزة آنذاك ـ كثيرا من خطة العمليات التي كانت الجماعة تعتزم تنفيذها في العام التالي. وفي ظل تركيز الوسطاء الدوليين على قضايا من قبيل تصاريح العمل وشحنات الوقود اعتقادا بأنها قد تخفف التوترات واصلت حماس استعداداتها المحمومة لهجمة هائلة. وقد أخبرني محللون عسكريون أمريكيون وإسرائيليون أن إسرائيل أساءت فهم نوايا حماس، واستقرت على أن الجماعة لا ترغب في مواجهة عسكرية.
***
نادرة هي زيارات كامل لإسرائيل. كانت آخر رحلاته في مايو وأغسطس 2021 بعد حرب إسرائيل وحماس في ذلك العام. وبعد رحلة كامل في سبتمبر 2023 واصلت مصر رفع التحذير حتى قبل يومين من الهجمة وفقا لمسؤولين أمريكيين ومصريين وإسرائيليين على دراية مباشرة بتلك الاتصالات. وقال لي مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون: إنه ليس من الواضح ما لو أنه يمكن فهم رسالة كامل باعتبارها تنبؤا بالهجمة غير المسبوقة التي وقعت بعد ذلك. فأغلب التحذيرات التي تلقتها إسرائيل في 2023 لم تحتو على تاريخ للهجمة أو هدف أو أسلوب لها، لكنها اتسمت بالتواتر والإلحاح.
في الوقت نفسه تقريبا تلقى نتنياهو اتصال ابن زايد الذي كان بلده قد طبَّع العلاقات مع إسرائيل قبل ثلاثة أعوام فقط. وخلال الاتصال سعى ابن زايد حسبما تردد إلى أن ينقل تقديره بأن السنوار يخطط لهجمة كبيرة. وشأن كامل حث محمد بن زايد نتنياهو على تقديم تنازلات اقتصادية لغزة، لكن بدا أن نتنياهو لم يتأثر حسبما أخبرني مسئولان عربيان يعرفان بأمر الاتصال.
استشعر مفاوضون أمميون ومسؤولون أمريكيون وجماعات دولية أن توترات غزة محتدمة احتداما استثنائيا، لكنهم أخبروني بأنهم لم يعلموا بأي خطط معينة لهجمة. وفي الثامن والعشرين من سبتمبر أصدرت المخابرات المركزية الأمريكية تقريرا داخليا عن تصعيد محتمل من حماس في غزة، ويتردد أن هذا التقرير معتمد جزئيا على أجهزة مخابرات أجنبية.
وقال لي مسؤولون أمريكيون: إن ذلك التقرير وصف إمكانية شن حماس هجمات صاروخية على إسرائيل لمدة أيام عديدة. وصدر تقرير آخر مؤرخ في الخامس من أكتوبر وقائم على التقرير الأول، لكنه أميل إلى التحليل منه إلى الكشف. ولم يرصد أي منهما تدريبات على هجمة مرتبة متعددة الجوانب كالتي نفذتها حماس بعد يومين.
في الخامس من أكتوبر أكدت رسالة موجهة من مصر إلى إسرائيل المخاوف من أن الوضع غير قابل للاستمرار حسبما قال مسؤولون أمريكيون ومصريون وإسرائيليون. وقال المسؤولون: إن الرسالة لم تحدد تاريخا أو أسلوبا، لكنها أكدت الحالة الطارئة لهجمة محتملة. كما أطلعت مصر عدة دول أخرى ـ منها المملكة العربية السعودية ـ على تقديراتها بحسب مسؤول خليجي رفيع المستوى. كما نقل رئيس المخابرات الأردنية إلى نظرائه الإسرائيليين وفقا لما قال مسؤولون عرب، مخاوفه من أن الوضع بات محتمل الانفجار وبخاصة في الضفة الغربية، وأنه لا بد من معالجته بسرعة. (ولم يستجب متحدثون باسم الحكومة والمخابرات الأردنية لمطالبة بالتعليق).
قال لي مسؤولون في إدارة بايدن: إن مصر والإمارات العربية المتحدة لم تطلعاهم على هذه التحذيرات قبل السابع من أكتوبر. وأعطاني مسؤولون أمريكيون ومصريون وعرب وإسرائيليون جملة من الأسباب لذلك. قال لي عدة أشخاص: إن التحذيرات كانت مبهمة للغاية؛ فلا تستحق إطلاع الولايات المتحدة عليها. وقال لي مسؤولون آخرون ـ منهم مسؤولون في المنطقة ـ: إن حكومة نتنياهو هي التي كان لها أن تطلع واشنطن على النتائج. (واستبعد المسؤولون المصريون الذين تحدثت معهم هذا التفسير، وذهبوا إلى أنه إن كان لدى مصر أو أبو ظبي تحذير عاجل لإسرائيل فقد كان ينبغي أن تعرف به واشنطن منهم). وبعد أشهر عديدة من الهجمة علم مدير المخابرات المركزية وليم بيرنز بشكل شبه عارض بأمر زيارة كامل لإسرائيل واتصال بن زايد، لكنه لم يطلع على تفاصيل دقيقة وفقا لما قاله مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون وعرب.
بعد يومين من الهجمات، وفي ظل صدمة إسرائيل من المأساة وبدئها حملتها العسكرية في غزة، رفض مكتب نتنياهو زعم تلقيه أي اتصال من كامل أو من مصر. ونشر المكتب في موقع إكس أن «رئيس الوزراء لم يكلم ولم يقابل رئيس المخابرات المصرية منذ تشكيل الحكومة، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر»، لكن التمييز بين الاتصال المباشر ووصول المعلومات من خلال مساعدين ومسئولين آخرين سيصبح مركزيا في الجدال المتعلق بما إذا كان بوسع إسرائيل أن تفعل المزيد لاستباق تلك الهجمة. في الحادي عشر من أكتوبر قال مايكل مكول رئيس لجنة العلاقات الخارجية آنذاك لصحفيين بعد جلسة إحاطة سرية للنواب: إن مصر قد حذرت إسرائيل؛ فقد قال «إننا نعلم أن مصر حذرت الإسرائيليين قبل ثلاثة أيام من وقوع ذلك الحدث. لا أريد أن أخوض أكثر مما ينبغي في أمور سرية، لكن ثمة تحذير. وأعتقد أن السؤال هو عن المستوى الذي وصل إليه التحذير». (لم يستجب مكول لمحاولاتي المتكررة لمناقشته في تصريحه).
في الشهور التالية وصف مسؤولون إسرائيليون إخفاقا أكبر في تفسير إشارات واردة من غزة؛ ففي تسجيلات مسربة لجلسات إحاطة للأسر المكلومة والسكان حصلت عليها القناة 12 في إسرائيل وصف حرزي هاليفي، رئيس الجيش الإسرائيلي آنذاك، المؤسسة العسكرية بأنها كانت «تغط في النوم». وفي تسجيل مسرب منفصل قال هاليفي لرؤساء مجلس محلي: إنه كان قبل الهجمات يعتبر غزة «أقل الحدود استحقاقا للاهتمام».
استقال هاليفي من منصبه في مارس 2025، وفي يونيو من ذلك العام استقال رئيس جهاز الأمن الإسرائيلي رونين بار بضغط من إخفاقات مخابراتية متصلة بهجمات السابع من أكتوبر، وتم تغيير هانجبي رئيس مجلس الأمن الإسرائيلي في أكتوبر 2025. وكامل ـ الذي ترك جهاز المخابرات العامة المصري في أكتوبر 2024 ـ يشغل حاليا منصب مستشار للسيسي ومبعوث خاص له.
***
منذ هجمات السابع من أكتوبر لم تطلق إسرائيل فقط حملة ثأرية ساحقة في غزة، لكنها فتحت بعد ذلك جبهات عسكرية ضد حزب الله في لبنان، فضلا عن حرب هذا العام في إيران. ويستحيل أن نعرف ما الذي كان يمكن أن يحدث إذا أخذت تحذيرات كامل وغيره بعين الاعتبار في وقتها، لكن يصعب أن نتصور أن إسرائيل ما كانت لتحسن استعدادها. لكن ما حدث هو أن الهجمات باغتت أجهزة الأمن الإسرائيلية؛ فلم تكن قوات الاحتياط متاحة على الفور بعد الهجوم على مجتمعات الكيبوتزات، فلم يدافع عنها غير السكان المحليين، وهم قوات من المتطوعين المدنيين ذوي التسليح الخفيف، وذلك منذ قرابة السادسة والنصف صباحا حتى وصول قوات ذات شأن من الجيش الإسرائيلي في السادسة والنصف مساء.
قال نتنياهو في فيديو انتخابي الشهر الماضي: إن قوات الأمن الإسرائيلية لم توقظه فورا في صباح السابع من أكتوبر. وقال نتنياهو دونما تقديم أي تفاصيل: إن «التحذيرات في الفترة السابقة على أكتوبر كانت كثيرة للغاية، والمؤشرات كثيرة للغاية على أن هجمة تقترب. لو كانوا أيقظوني لاختلف كل شيء. هذه هي قصة السابع من أكتوبر.. هذه هي القصة».
واليوم لا تزال غزة أطلالا، والعنف مستمرا برغم جهود إدارتي بايدن وترامب لتحقيق وقف لإطلاق النار. وفي تقدير صدر في إبريل للأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي أن 71.4 مليار دولار سوف تلزم خلال العقد القادم لإحياء غزة وإعادة إعمارها؛ فلا تزال الغالبية الكبيرة من سكانها تعيش مشردة في حين أن الإسرائيليين لا يزالون يعيشون تبعات صدمة السابع من أكتوبر. والعائلات المكلومة منذ ذلك اليوم لا تزال تبحث عن إجابات لكيفية استطاعة حماس أن تنفذ هجمة مدمرة على إسرائيل يبدو أنها باغتت الحكومة تمام المباغتة.
فيفيان سلامة من كتاب ذي أطلنطيك، وقد شارك جاك رودريجز فار في كتابة هذا التحقيق.
عن مجلة أطلنطيك الأمريكية.