قد تحيل عبارة «الحياة الثانية» في عنوان هذا المقال إلى رواية «الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس» للروائي المصري طارق إمام، التي يعيد فيها تخييل حياة الشاعر اليوناني السكندري عبر الكتابة. لكن «الحياة الثانية» التي قصدتُها هنا أقرب إلى ما عبّرت عنه الكاتبة الأمريكية أناييس نن في عبارتها البليغة: «نكتب لكي نتذوّق الحياة مرتين: مرة حين نعيشها، ومرة حين نستعيدها». ومحمد عيد العريمي، الذي رحل عن عالمنا قبل يومين، عاش هذه الفكرة على نحو يكاد يكون حرفيًّا، فقد كانت له حياة قبل الحادث الذي تعرّض له عام 1982، وحياة أخرى بعده، ثم جاءت الكتابة لتمنحه فرصة أن يعود إلى حياته الأولى، ويستعيدها مرة ثانية بالكلمات.
كان العريمي يومئذ شابًّا لم يتجاوز ثمانية وعشرين عاما، عاد لتوّه من الولايات المتحدة حاملًا بكالوريوس العلوم في الهندسة الصناعية، وبدأ عمله في شركة تنمية نفط عُمان، متنقلًا بين حقول النفط في الصحراء العمانية، وهو لا يزال في بداية حياته العملية. وبينما هو في طريقه بالسيارة إلى أحد مواقع عمله في حقول النفط فوجئ بجَمَلين يعترضان طريقه، فلم يستطع تفاديهما، لتكون نتيجة الحادث الشنيع إصابته بشلل رباعي، وفقده الإحساس بجذعه وأطرافه، وعدم قدرته على الحركة إلا في حدود ضيقة جدًا. ومما ضاعف قسوة ما حدث أن محمد عيد لم يكن قد مضى على زواجه سوى أسابيع قليلة!
أما الحياة الثانية فقد بدأت وهو على الكرسي المتحرك وقد صار عاجزًا حتى عن حك أنفه، كما سيروي بعد ذلك في سيرته الفاتنة "مذاق الصبر"، حيث وجد نفسه مطالبًا بأن يعيد ترتيب كل شيء تقريبًا: حركته، وعمله، ووقته، وعلاقته بالآخرين، ونظرته إلى المستقبل. أمضى فترة في العلاج والتأهيل خارج عُمان، وتعلّم كيف يتعامل مع جسده الذي لم يعد يستجيب له كما كان، ثم عاد إلى وطنه وإلى عمله في شركة تنمية نفط عُمان، ولكن في مجال آخر هو الترجمة، بعدما أصبح العمل الميداني الذي عرفه في سنواته الأولى بعيد المنال.
بدأ العريمي "تذوق" حياته الثانية، إذا ما استعرنا لغة أناييس نن، من مقالة قصيرة نشرها في مطبوعة تابعة لشركة تنمية نفط عُمان عن تجربته مع الإعاقة، تضمنت شهادة شخصية كتبها عن التحول الكبير الذي طرأ على حياته بعد الحادث، وقد فوجئ بالأثر الذي تركته تلك المقالة في القراء. ففي صباح صدور المجلة اتصلت به موظفة في الشركة لا يعرفها، تحدثت عن إعجابها بالمقال وتأثرها به، ثم أخذ صوتها يتهدج حتى قطعت المكالمة. وفي اليوم التالي جاءه اتصال آخر من مدير مكتب أحد وكلاء الوزارات، أخبره أن الوكيل طلب خمس نسخ من المقال، وأنه - أي مدير المكتب - احتفظ مدفوعًا بفضوله بنسخة سادسة لنفسه، ثم قرأها في المساء على أسرته وتأثر بها هو وزوجته.
كان ذلك الصدى الإيجابي لكتابته أول إشارة لمحمد عيد إلى أن تجربته الشخصية يمكن أن تعني آخرين أيضًا، وأن ما عاشه طوال السنوات التي أعقبت الحادث يمكن أن يخرج من حدوده الخاصة ليصبح نصًّا يقرأه أشخاص لا يعرفهم، ويجدون فيه شيئًا يمسهم. بل إن ذلك الصدى عاد بعد أشهر، حين ذهب إلى إنجلترا لمواصلة التأهيل في مركز متخصص بإصابات العمود الفقري. وهناك اطلع مدير المستشفى على النسخة الإنجليزية من المقال، فطلب توزيعها على أخصائيي العلاج الطبيعي والمهني، وشجعه على أن يتوسع في كتابة تجربته. وهكذا راحت الفكرة التي بدأت بمقالة قصيرة تكبر شيئًا فشيئًا، إلى أن أصبحت بعد سنوات كتاب «مذاق الصبر» الذي كان محمد عيد يظن بعد صدوره أنه سيكون عمله الأول والأخير. ولكن الأصداء الكبيرة التي لاقاها الكتاب، والمقالات الكثيرة التي كتبت عنه، وقرار تدريسه في المنهج الدراسي العماني، كل ذلك شجعه على مواصلة الطريق الذي دخله مصادفة، فتوالت روايات العريمي وكتبه الأدبية بعد ذلك، واتسع معها أفق الكتابة عنده. ففي «حزّ القيد» غادر حدود السيرة إلى مجتمع متخيّل يناقش القيد والخوف والسلطة، ثم عاد في «بين الصحراء والماء» إلى طفولته وذاكرة المكان بين البادية وصور. وفي مجموعته القصصية «قوس قزح» كتب عن الناس وعلاقاتهم وما يثقل حياتهم من فقر وظلم، بينما اتجه في «حكايات يونس حيم» إلى عالم المال والنفوذ، وفي «شهادة من زمن الحرب» غادر المكان العُماني إلى أفغانستان، وجعل الحرب فضاءً للرواية.
وهكذا لم تبق الكتابة عنده أسيرة تجربته الشخصية، فقد خرج من ذاته إلى المجتمع، ومن الذاكرة إلى التخييل، واتسعت موضوعاته وأمكنته وشخصياته، حتى صار واضحًا أن الإعاقة كانت جزءًا من حياته، وليست الموضوع الذي يفسر كل ما يكتبه. ولكن محمد عيد ظل مع ذلك بحاجة دائمًا إلى إقناع النقاد أن ينظروا إلى أعماله بمعزل عن هذه الإعاقة، وقد شكا لسعيد سلطان الهاشمي في حواره المطول معه في كتاب «حادي النجوم» كيف أن بعض النقاد ظلوا يقرؤون نصوصه من خلال حالته الصحية. فالناقد السعودي جمعان الغامدي ربط بين سجن بطل رواية «حز القيد» وإعاقة محمد عيد، «فهذا سجين إعاقة وذاك سجين زنزانة»، مؤكّدًا أن «خير من يكتب في القيد هو من يرزح تحته»، وذهب الناقد العراقي ضياء خضير في الاتجاه نفسه، حين رأى في قراءته لرواية «حز القيد» أن تجربة بطلها «علي الناصر» مع السجن والآلام الجسدية تمثل ما يشبه المعادل لتجربة محمد عيد نفسه مع العوق وما رافقه من ألم جسدي ونفسي، كما رواها في «مذاق الصبر». أما الناقدة العراقية مي الجبوري فرأت أن قصص العريمي القصيرة لا يمكن فهمها بمعزل عن حياته، وأن من المهم قراءتها على ضوء نفسيته والظروف المؤثرة فيها، وفهم النص من خلال صاحبه، وصاحبه من خلال النص. وكان محمد عيد يعترض على هذا النوع من القراءة، لأنه يحول الإعاقة إلى مفتاح جاهز لكل ما كتب. وكان يرى أن أثر التجربة الشخصية قد يظهر في نص أو أكثر، لكنه لا ينبغي أن يصبح قاعدة لتأويل أعماله كلها، خصوصًا إذا كان كاتبٌ مثله ينظر إلى الإبداع نظرة جدية، ويشبّه مشاريع الكتابة ببناء السفن "حيث يُمَدُّ الهيراب أولا، وهو القاعدة التي يقام عليها هيكل السفينة، ثم تُركَّب الأضلع، وبعدها تُصفّ الألواح ثم في النهاية تأتي عملية النقش والزينة" كما باح في "حادي النجوم".
وهنا أعود إلى أناييس نن التي بدأتُ بها هذا المقال. لقد تذوق محمد عيد حياته مرتين حقًّا؛ عاشها مرة في الواقع، ثم عاد فعاش جانبًا منها مرة أخرى وهو يكتبها. لكن الكتابة منحته حياة ثالثة أيضًا: أن يعيش تجارب لم يعشها قط، وأن يدخل السجون والحروب والبيوت والأمكنة بشخصيات من صنع خياله. وهذه لَعَمْري من هِبات الكتابة ومباهجها.