تشكل المسابقات الخارجية فرصة لفرق طلابية لاختبار ما اكتسبته من معارف ومهارات خارج القاعة الدراسية، إذ تضع الطلبة أمام لجان تحكيم وفرق من جامعات مختلفة، وتختبر قدرتهم على التحليل والعمل الجماعي والعرض والدفاع عن الأفكار تحت ضغط الوقت والأسئلة.
في هذا السياق، اقتربت "عُمان" من تجربتين لطلبة جامعة السلطان قابوس؛ الأولى لفريق كلية الحقوق في مسابقة المحكمة الصورية العربية، والثانية لفريق شارك في مسابقة البرميل الملكي "IBA" المنظمة من الجمعية الأمريكية لجيولوجيي البترول "AAPG"، في تجربتين اختلف مجالهما والتقتا في تحويل المعرفة الأكاديمية إلى ممارسة واختبار قدرات الطلبة أمام منافسين من بيئات جامعية مختلفة.
اختبار حقيقي
ففي مسابقة المحكمة الصورية العربية الـ12، وجد فريق طلبة كلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس نفسه أمام قضية افتراضية بمحكمة العدل الدولية، تدور حول طلب الجمعية العامة للأمم المتحدة رأيًا استشاريًا بشأن الالتزامات المترتبة على الدول والآثار القانونية الناجمة عن جرائم ارتكبت في دولة افتراضية.
وأقيمت المسابقة في نسختها الثانية عشرة لعام 2026 بجامعة الشرقية في سلطنة عُمان خلال الفترة من 5 إلى 7 أبريل، بمشاركة 56 جامعة من 19 دولة عربية. وشاركت من سلطنة عُمان جامعة السلطان قابوس، وجامعة الشرقية، وجامعة صحار، والجامعة العربية المفتوحة، ما وضع الفريق أمام منافسة واسعة مع طلبة من بيئات جامعية وقانونية مختلفة.
وتناولت وقائع القضية عددًا من المسائل المعاصرة والمعقدة في القانون الدولي، من أبرزها استمرار الاحتلال، واستخدام التجويع والحصار كوسيلة من وسائل الحرب، والتهجير القسري والتطهير العرقي والفصل العنصري، واعتراض المساعدات الإنسانية، وحماية الوسطاء والمفاوضين، ومسؤولية الدول، إلى جانب الملاحقات الوطنية لمرتكبي الجرائم الدولية، ومسؤولية الدول الأخرى عن التعامل مع الأراضي المحتلة واستغلال مواردها.
وطُلب من الفرق تحليل هذه المسائل وتحديد الالتزامات القانونية المترتبة على الدولة المعنية والدول الأخرى، استنادًا إلى قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان وقواعد المسؤولية الدولية، ثم بناء الحجج القانونية وصياغتها والدفاع عنها أمام هيئة المحكمة.
وضم فريق جامعة السلطان قابوس منى بنت خليفة الزيدي، وريم بنت فهد العامري، وفاطمة بنت خميس العجمي، وتولى تدريبه الدكتور محمد عبدالسلام بابكر أستاذ مشارك بالقانون الدولي، وبيان بنت علي المهري محاضر بالقانون الجزائي، وحقق الفريق جائزة ثاني أفضل مذكرة في المسابقة.
وأوضحت ريم بنت فهد العامري، إحدى أعضاء الفريق، أن مرحلة الإعداد بدأت بفهم وقائع القضية وتحديد المسائل القانونية، ثم البحث في المصادر الدولية والسوابق القضائية، وبناء الحجج وصياغة المذكرة، وصولًا إلى التدريب على المرافعة الشفوية.
وأشارت إلى أن العمل ظل جماعيًا رغم توزيع الأدوار بين الأعضاء، إذ كانت كل حجة تخضع للنقاش والنقد والمراجعة قبل اعتمادها، فيما تمثلت المرحلة الأصعب في الانتقال من المعرفة القانونية النظرية إلى بناء موقف متكامل يمكن الدفاع عنه.
وأضافت أن ذلك تطلب البحث في عدد كبير من المصادر الدولية واختيار الأكثر ارتباطًا بالقضية، ثم صياغة حجج مترابطة قادرة على مواجهة النقد والأسئلة والحجج المعاكسة.
من جانبها، قالت منى بنت خليفة الزيدي عضوة بالفريق: إن المنافسة منحتهم معيارًا عمليًا لقياس مستواهم خارج الإطار المعتاد داخل الجامعة، وأظهرت أن المعرفة القانونية تحتاج إلى سرعة في التحليل ودقة في الاستدلال والقدرة على التعامل مع الأسئلة غير المتوقعة والمحافظة على ترابط الحجة تحت الضغط.
وبيّنت أن الوقوف أمام هيئة تحكيم والدفاع عن موقف قانوني خلال وقت محدد، مع تلقي أسئلة مباشرة ومقاطعات أثناء المرافعة، أتاح تجربة مختلفة عن الاختبار الجامعي، وجعل الطلبة يتعاملون مع القانون من خلال بناء الحجة ومناقشتها والدفاع عنها.
وأشارت فاطمة بنت خميس العجمي، إحدى أعضاء الفريق، إلى أن المشاركة طورت مهارات البحث القانوني وصياغة المذكرات والتحليل والعمل الجماعي وإدارة الوقت والمرافعة والتحدث أمام الآخرين والعمل تحت الضغط، كما منحتهم ثقة أكبر في التعامل مع مسائل قانونية معقدة خارج إطار المقرر الدراسي.
وأضافت أن جائزة ثاني أفضل مذكرة جاءت بعد مرحلة طويلة من البحث والتحليل والإعداد، وأكدت للفريق قدرة العمل الذي أنجزه على المنافسة وفق معايير تتجاوز التقييم الأكاديمي المعتاد داخل الجامعة.
وحظي الفريق خلال فترة الإعداد بتدريب أكاديمي شمل مراجعة البحث والحجج والمذكرة، وإجراء مرافعات تجريبية، والتدريب على التعامل مع أسئلة هيئة المحكمة وإدارة الوقت والضغط أثناء المرافعة، إلى جانب توفير القاعات والتسهيلات اللازمة للتدريب والاجتماعات، حيث أكد الدكتور محمد عبدالسلام بابكر أستاذ مشارك بالقانون الدولي والمشرف على الفريق، أن التدريب قام على وضع الطلبة أمام المسألة القانونية ودفعهم إلى البحث وبناء الحجة والدفاع عنها، مع مراجعة قوة الاستدلال والمصادر والصياغة، واختبار الحجج من خلال الأسئلة والمرافعات التجريبية.
وأشار إلى أن هذه المشاركات تمنح طالب القانون إلى جانب المعرفة النظرية مهارات البحث والتحليل والاستدلال والمرافعة، مؤكدًا أهمية نقل الخبرة التي اكتسبها الفريق إلى فرق أخرى بما يحقق تراكمًا في تجربة الكلية في مسابقات المحاكم الصورية.
بدورها لفتت بيان بنت علي المهري محاضر بالقانون الجزائي ومدربة الفريق إلى أن القيمة الأهم ظهرت في التحول الذي شهده الطلبة خلال فترة الإعداد، من قراءة القضية بحثًا عن الإجابة إلى البحث والتحليل وبناء الحجة واختبارها ونقدها، ثم الدفاع عنها أمام أسئلة غير متوقعة. وأضافت أن هذه المراحل نقلت الطالب من تلقي المعرفة القانونية إلى ممارستها باستقلال وثقة.
البرميل الملكي
وفي مسابقة البرميل الملكي "IBA" التي تنظمها الجمعية الأمريكية لجيولوجيي البترول "AAPG"، يعمل الطلبة على بيانات حقيقية تحت سطح الأرض ضمن تجربة تحاكي عمليات الاستكشاف في القطاع. وشهدت نسخة 2026 مشاركة 82 جامعة، ومنحت الفرق 10 أسابيع لتحليل البيانات قبل عرض النتائج أمام لجنة من خبراء القطاع، ومرت المنافسة بمرحلة إقليمية موزعة على ست مناطق جغرافية، يتأهل الفائز من كل منها إلى النهائي العالمي.
ومثل فريق جامعة السلطان قابوس منطقة الشرق الأوسط في النهائي العالمي لعام 2026 بعد فوزه بالمنافسة الإقليمية، وحصل في النهائي على جائزة "التميز في الابتكار التقني".
وجاءت مشاركة الفريق من خلال مشروع يحاكي طبيعة العمل الفعلي في شركات النفط والغاز، واستند إلى حالة مبنية على مشكلة حقيقية واجهها أحد حقول الغاز في أستراليا، إذ تولى الأعضاء تحليل أسبابها المحتملة ودراسة السيناريوهات المختلفة لمعالجتها، مع توضيح مبررات كل خيار والنتائج المتوقعة منه.
وضم فريق الجامعة عبدالرحمن بن علي العوائد، وعبدالله بن محمد المحروقي، وسارة بنت ناصر السعدي، ومزنة بنت خليفة القاسمي من قسم علوم الأرض، إلى جانب جاسم بن محمد العرادي من قسم هندسة النفط والكيمياء بكلية الهندسة، فيما أشرف على الفريق الدكتور محمد فرفور من قسم علوم الأرض بجامعة السلطان قابوس.
وقال عبدالرحمن بن علي العوائد عضو الفريق من قسم علوم الأرض: إن الفريق تشكل بعد مقابلات أجراها عدد من الأكاديميين لاختيار الطلبة الذين سيمثلون الجامعة في المسابقة، مشيرًا إلى أن اختلاف التخصصات بين الأعضاء أسهم في تطوير المشروع.
وأوضح أن وجود الجيولوجيين إلى جانب الجيوفيزيائي ومهندس البترول أتاح النظر إلى المشروع من زوايا مختلفة وربط الجوانب الجيولوجية والجيوفيزيائية والهندسية، فيما جرى توزيع الأدوار وفق تخصص كل عضو وخبرته واهتمامه.
وأشار إلى أن أصعب مراحل الإعداد تمثلت في التعامل مع الكم الكبير من المعلومات والبيانات، ثم تحليلها وربطها بصورة منطقية واختيار الأهم منها لتقديمه أمام لجنة التحكيم خلال الوقت المحدد.
وأضاف أن التحدي لم يكن في الوصول إلى المعلومات وحده، وإنما في معرفة ما ينبغي اختياره منها وربطه ببقية أجزاء المشروع وتقديمه بصورة واضحة ومقنعة، موضحًا أن تنوع التخصصات ساعد على تكامل الأدوار داخل الفريق.
أمام المنافسين
وأوضح عبدالرحمن بن علي العوائد أن عرض المشروع أمام فرق من جامعات ودول مختلفة كشف للفريق اختلافًا في مستوى المشروعات وطرق التفكير فيها وآليات تقديمها والدفاع عنها أمام لجنة التحكيم.
وأشار إلى أن تنوع الأفكار وطرق معالجة المشكلات لدى الفرق المشاركة دفع الأعضاء إلى إعادة النظر في مشروعهم من زوايا مختلفة، وإدراك أهمية دعم الفكرة بالبيانات والتحليل وتوضيح أسباب اختيار الحل والأدلة التي يستند إليها والمخاطر والقيود المرتبطة به.
وبيّن أن ملاحظات لجنة التحكيم ركزت على وضوح العلاقة بين أجزاء المشروع وقدرة الفريق على تحويل الكم الكبير من المعلومات والتحليلات إلى عرض مترابط يمكن تقديمه خلال وقت محدود.
ونوّه إلى أن التجربة دفعت الفريق إلى التركيز بدرجة أكبر على اختيار المعلومات التي تخدم الفكرة الرئيسة، بعد أن أدرك أن بعض التفاصيل المهمة أكاديميًا قد لا تكون الأكثر أهمية عند تقديم المشروع إلى لجنة التحكيم. ولفت إلى أن المنافسة كشفت جوانب تحتاج إلى مزيد من التطوير، من بينها اختصار المعلومات وتحسين طريقة عرض النتائج وجعل الرسالة الرئيسة للمشروع أكثر وضوحًا وسرعة في الوصول إلى المحكمين.
وأكد أن المشاركة غيرت طريقة تقديم الفريق للمشروع، إذ كان الاهتمام في البداية منصبًا على صحة المعلومات وشمولها، فيما أظهرت المنافسة أهمية تحقيق التوازن بين عمق المحتوى ووضوحه ومعرفة ما ينبغي عرضه وما يمكن اختصاره.
وبيّن أن وضع المشروع أمام أعمال جرى تطويرها في بيئات أكاديمية مختلفة جعل طريقة التواصل والعرض والدفاع عن القرارات جزءًا أساسيًا من المنافسة إلى جانب التحليل العلمي والفني.
بعد العودة
وامتد أثر المشاركتين إلى ما بعد انتهاء المنافسة؛ ففي تجربة المحكمة الصورية عاد أعضاء الفريق بخبرة عملية في البحث والكتابة القانونية والمرافعة والعمل الجماعي، إلى جانب ثقة أكبر في قدراتهم، فيما أصبحت المشاركة والإنجاز الذي حققوه إضافة يمكن البناء عليها في فرصهم الأكاديمية والمهنية المقبلة.
وفي تجربة البرميل الملكي، أوضح عبدالرحمن العوائد أن المشاركة أضافت إلى الفريق خبرة في تحليل المشكلات والعمل الجماعي وإدارة الوقت وتقديم الأفكار بصورة واضحة أمام لجان التحكيم ومشاركين من خلفيات مختلفة.
وأضاف: إن الاحتكاك بفرق وطلبة من جامعات ودول أخرى أتاح لأعضاء الفريق التعرف على أساليب مختلفة في التفكير والعمل، وعادوا إلى سلطنة عُمان بخبرة أكبر في التعامل مع المشكلات بصورة عملية ومعرفة أوضح بالمهارات التي يحتاجون إلى تطويرها مستقبلًا.