تغير الجدل داخل الحزب الديمقراطي بشأن إسرائيل خلال السنتين الماضيتين أكثر مما تغير خلال الأعوام الثلاثين السابقة.

ففي عام 2024 تباهى برنامج الحزب بمنح جو بايدن الدولة اليهودية مساعدات عسكرية بقيمة أربعة عشر مليار دولار، وفي أيامنا هذه يبدو أن الموقف المركزي الأرجح بين المتبارين الديمقراطيين على الترشيح الرئاسي لانتخابات 2028 هو احتمال إلغاء المساعدات العسكرية كلية. ويحتمل أن يدعو التقدميون إلى إيقاف أغلب صفقات الأسلحة أيضا.

وبرغم ما يكتنف هذا التحول من حيرة، فإن شيئا جوهريا مفقود فيه. ففي حين أن الديمقراطيين يعيدون التفكير في نهجهم تجاه إسرائيل، نرى أنهم لم يعيدوا التفكير في نهجهم تجاه الفلسطينيين.

ففي الوقت الذي ينظر فيه الحزب إلى انتخابات التجديد النصفي وما بعدها، يجب أن يتجاوز الديمقراطيون محض التعهد بإيقاف دعم جرائم إسرائيل.

إذ يجب عليهم أيضا التوقف عن دعم الاستبدادية الفلسطينية، سواء أمارستها حماس أم محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية وزعيم حركة فتح، مع مناصرة حق الفلسطينيين في اختيار قادتهم.

لكن المؤسف أن كبار الديمقراطيين اليوم كثيرا ما يتجاهلون هذا الحق. ففي خطبة له بجامعة تل أبيب هذا الصيف أقر فيه الضغط الأمريكي من أجل إقامة دولة فلسطينية، نصح الطامح الرئاسي المحتمل رام إيمانويل البلاد العربية بأن «تتحرى النضج في علاقتها بالقيادة الفلسطينية» وأن «تؤسس سلطة حكم قادرة على قبول الرباط اليهودي التاريخي بهذه الأرض».

وأشار إلى أن «القيادة الفلسطينية لم ترق قط إلى مستوى مطامح الشعب الفلسطيني المشروعة في السيادة وتقرير المصير»، ثم لم يفه بكلمة عن حق الشعب الفلسطيني في اختيار قادته.

وبهذا الإغفال جاءت نصيحة إيمانويل متعالية ومنفصلة عن الواقع في آن واحد. فما من قائد فلسطيني واحد بقادر قانونيا على إلزام شعبه برؤية للسلام ـ سواء أكانت الدولتين، أم دولة واحدة تحقق المساواة للجميع، أم شيئا بين هذا وذاك ـ في غياب تفويض من الفلسطينيين أنفسهم.

يستوجب هذا التفويض السماح للفلسطينيين بالاقتراع. ولقد وعد عباس ـ بضغط من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ـ بإجراء انتخابات لبرلمان السلطة الفلسطينية في نوفمبر، وانتخابات لرئاستها في مطلع العام القادم.

وما لم تلتزم واشنطن بالدعم الكامل لهذا المسعى، فقد تضع إسرائيل العراقيل في طريقه، وحينئذ يتذرع عباس بهذه العراقيل لإلغاء الانتخابات.

لقد دأب الرؤساء الأمريكيون، من كلا الحزبين، على مدى الأعوام العشرين الماضية على تمكين عباس في ميوله. ففي عام 2006 الذي شهد آخر مرة أجرى فيها الفلسطينيون انتخابات لبرلمان السلطة الفلسطينية شملت الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، فازت حماس بأغلبية المقاعد.

واستجابت إدارة بوش لذلك بأن طالبت حماس بإقرار سلسلة شروط وضعها وسطاء دوليون وقبلها المنافسون من أعضاء حركة فتح ضمن اتفاقات أوسلو وتضمنت نبذ العنف والاعتراف بإسرائيل.

وخلال مفاوضات توسطت فيها المملكة العربية السعودية، رفضت حماس الاعتراف بإسرائيل لكنها وافقت على «احترام» تلك الالتزامات. ولم تكتف واشنطن بهذا. فحاولت الولايات المتحدة حسبما تردد أن تطيح بنتائج الانتخابات بالقوة.

ووضعت خطة تدعو الحلفاء في المنطقة إلى إمداد مقاتلي فتح بالسلاح راجية من ذلك الإطاحة بحماس من معقلها في غزة. (وهو ما تنكره إدارة بوش). وانقلب السحر على الساحر وسيطرت حركة حماس على القطاع.

وإذ ذاك أعلن عباس حالة الطوارئ. وأتاح له هذا تعليق البرلمان، ثم الاستيلاء في نهاية المطاف على القضاء، وبات يحكم حكما استبداديا منذ ذلك الحين، فلم يجعل من السلطة الفلسطينية وحدها مرتعا له، وإنما زاد عليها منظمة التحرير الفلسطينية التي احتوت تاريخيا جميع الفرق الفلسطينية.

يرى عمر رحمن ـ الزميل بمجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية ـ أن هذه الاستبدادية «كبلت الفلسطينيين بقيادة ضعيفة وشديدة القمعية، تنعم بدعم خارجي» لكنها «لا تمثل ناخبيها».

وبوضوح، أثبت حكم الرئيس عباس ملاءمته للولايات المتحدة وإسرائيل، لأن من شأن أي زعيم فلسطيني منتخب أن يكون على الأرجح أقل تعاونا مع الجيش الإسرائيلي في ظل استمرار احتلال الأرض الفلسطينية. فحينما ألمح الرئيس عباس في عام 2021 إلى إجراء انتخابات، لم تعلن إدارة بوش إقرارها للفكرة.

وقال متحدث باسم الخارجية آنذاك إن إجراء الانتخابات «أمر متروك للشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية أن يقرراه»، بما يعني ضمنيا أن إجراء الانتخابات من صلاحيات الرئيس عباس. وزعم الرئيس عباس إن إسرائيل تعوق المساعي الرامية إلى إتاحة الاقتراع للفلسطينيين في القدس الشرقية واتخذ من ذلك ذريعة لإلغاء الانتخابات.

لا بد أن يتعلم الديمقراطيون من خطأ الرئيس بايدن ويدعموا الانتخابات الفلسطينية الآن. لكن الانتخابات سوف تكون فارغة من المعنى إذا استمر المرشح الأوفر حظا في السجن.

فوفقا لاستطلاع رأي أجراه المركز الفلسطيني للدراسات السياسية والمسحية في أغسطس، تتضاءل شعبية الرئيس عباس إلى شعبية مروان البرغوثي ناشط فتح العتيد الذي سيحصل في حال إجراء انتخابات حرة على أكثر من مثلي أصوات زعيم حماس الحالي خليل الحية وقرابة أربعة أمثال أصوات عباس.

والبرغوثي في السجن منذ أكثر من عقدين. بوصفه زعيما في الضفة الغربية، بات كثير من الإسرائيليين يرونه مدبرا أساسيا للانتفاضة الثانية التي قتلت أكثر من ألف إسرائيلي.

وقد اتُهم سنة 2002 بالتخطيط لهجمات أسفرت عن مصرع ستة وعشرين، ثم أدين في نهاية المطاف باغتيال خمسة وبالانتماء إلى منظمة إرهابية.

وقد أنكر البرغوثي شرعية الإجراءات، وتعرض الحكم للانتقاد لاحتوائه «انتهاكات عديدة للقانون الدولي»، وجاءت هذه الانتقادات من الاتحاد البرلماني الدولي، وهو المنظمة العالمية للبرلمانات الوطنية.

وفي العام نفسه الذي شهد دخوله السجن، قال البرغوثي إنه وإن كان له «حق حماية النفس، ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي للبلد، والكفاح من أجل الحرية»، فإنه يسعى أيضا إلى «التعايش السلمي بين إسرائيل وفلسطين بلدين متساويين مستقلين».

وقال نجله عرب البرغوثي لوكالة الأنباء الفرنسية إنه برغم تعذيب أبيه المتكرر على أيدي آسريه الإسرائيليين، فإن أباه لا يزال يؤيد دولتين فلسطينية وإسرائيلية متسالمتين جنبا إلى جنب.

يجب أن يجعل الديمقراطيون إطلاق سراح البرغوثي جزءا أساسيا من أجندتهم في ما قبل انتخابات 2028، ويجب أيضا أن يمضوا إلى أبعد من ذلك ويطالبوا بالسماح للفلسطينيين باختيار من يترشح لانتخاباتهم، حتى لو كان معنى هذا هو السماح لحماس بالمنافسة، سواء منفردة أو في ائتلاف أوسع.

ومن شأن هذا الاحتمال أن يثير غضب داعمي إسرائيل، وألا يحظى بشعبية لدى كثير من الأمريكيين. ولكن أي انتخابات فلسطينية سوف تفقد مصداقيتها إذا كان للولايات المتحدة وغيرها من القوى الخارجية أن تفرض المشاركين.

ولا يمكن أن تسترد منظمة التحرير الفلسطينية الخاضعة لسيطرة فتح مكانتها بوصفها ممثلة للشعب الفلسطيني كله إن بقيت حماس ـ وهي أحد الفريقين الفلسطينيين الكبيرين ـ خارجها.

لن تكون هذه دعوة يسيرة على كثير من الديمقراطيين، فقد ارتكبت حماس أعمالا مريعة في حق مدنيين إسرائيليين، وقمعت بقسوة المعارضة في غزة، ولم تعترف بإسرائيل.

ولا يجب أن يبرر الديمقراطيون جرائم حماس. لكن يجب في نهاية المطاف أن يعاملوا الإسرائيليين والفلسطينيين معاملة واحدة. ففي كلا المجتمعين قادة سياسيون أشرفوا على انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ورفضوا مفهوم الدولتين.

ويجب أن يكون مبدأ أمريكا هو هذا: لن تملي الولايات المتحدة على الإسرائيليين أو الفلسطينيين كيفية الانتخاب. وسوف تفرض عقوبات على أي شخص، إسرائيلي أو فلسطيني، ينتهك القانون الدولي.

لقد كتب الناقد والناشط الأمريكي الفلسطيني إدوارد سعيد قبل عقود مقالة بعنوان «إذْن بالسرد» عن التحديات التي واجهها الفلسطينيون من أجل إيصال صوتهم. فعلى الديمقراطيين أن يدعموا حق الفلسطينيين في إيصال صوتهم إلى أهم مقاصده على الإطلاق: وهو صندوق الاقتراع.