ريادة الأعمال من الركائز الأساسية للاقتصاديات الراغبة في التحول من الاعتماد على الموارد الطبيعية المهددة بالنضوب، ومنها الموارد النفطية والغاز التي تشكل النسبة الأعلى في إيرادات بعض الدول، ومنها سلطنة عُمان، إلى اقتصاديات تقوم على الابتكار والمعرفة المتجددة والتنوع، ومن ذلك التنوع تأتي مشاريع ريادة الأعمال.

المرصد العالمي لريادة الأعمال (Global Entrepreneur ship Monitor) يعتبر من المصادر التي تُجمع من خلالها البيانات من رواد الأعمال، حيث يعطي صورة شاملة عن بيئة ريادة الأعمال على مستوى العالم بالتعاون مع مؤسسات أكاديمية تقوم على إجراء مسوحات ميدانية لتجميع المعلومات والبيانات لفترة امتدت إلى أكثر من خمسة وعشرين عاما. في هذا المقال نحاول تحليل بعض نتائج التقرير السنوي للمرصد للعام الماضي.

أظهرت النتائج أن نسبة الذين عبروا بسهولة تأسيس المشاريع الريادية في سلطنة عُمان وصلت إلى (53 %). وإن كان التقرير أكثر تركيزه على جوانب تأسيس الأعمال التجارية الجديدة إلا أن التوقف، وعدم ممارسة الأعمال يعتبر جزءا لا يتجزأ من العملية الريادية.

النتائج جاءت متفاوتة بين اقتصادات الدول المشاركة في التقرير من حيث معدلات الاستمرار في مزاولة المشاريع الريادية خلال مدة زمنية من تأسيسها. سجلت أنجولا أعلى نسب عدم الاستمرار في المشاريع بنسبة وصلت إلى (35%) تلتها سلطنة عُمان بنسبة (18%).

كما أن نتائج بعض الدول، ومنها سلطنة عُمان بينت أن معدلات الخروج من المشاريع الريادية يتجاوز معدلات التأسيس. بمعنى آخر، الذين ينسحبون من الأعمال الريادية أعلى من الذين يبدأون أعمالا جديدة.

مثل هذه النتائج قد تعطي حالة من الانكماش في عدد الشركات أو المشاريع الريادية النشطة على المدى القصير. أيضا، أظهرت النتائج على المستوى الوطني أن المشاريع الريادية التي تتوقف، ولا تستمر في مزاولة أنشطتها أعلى من المشاريع التي تتوقف، ولكنها تستمر عن طريق التغيير في إدارة أو ملكية المشاريع.

هذه المؤشرات تدل على عدم استدامة مشاريع ريادة الأعمال خلال مدة العام من تأسيسها. وبالنسبة للعلاقة بين جنس ريادة الأعمال - ذكورا أو إناثا - هناك انخفاض في ملكية الإناث لمشاريع ريادة الأعمال بنسبة تصل إلى النصف بالمقارنة مع جنس الذكور خلال فترات التأسيس، حتى السنوات الأولى من بداية تكوين المشروع.

أيضا، المسح بيّن أن المشاريع الريادية في سلطنة عُمان جاءت أهدافها التأسيسية التي حصلت على نسب أعلى هي: للحفاظ على التقليد العائلي أكثر من الهدف المتعلق بعمل تغيير في عالم الأعمال. أيضا، كانت النسبة الأعلى هو الحصول على معدلات دخل مرتفعة أكثر من الهدف المتمثل في الحصول على المعيشة بسبب شح الوظائف.

فيما يتصل ببيئة الأعمال والتعاقد مع العملاء العالميين، أظهرت النتائج انخفاض المشاريع الريادية الجديدة في سلطنة عُمان التي لديها تعاملات مع عملاء من دول أخرى بين عامي (2024 و2025) بنسبة انخفاض من (32% إلى 18%) بين العامين.

في المقابل، من الجوانب المهمة التي أفرز عنها التقرير هو مؤشر بيئة الأعمال الذي يقيم الجودة الشاملة، ومدى ملاءمة بيئة الأعمال في اقتصاد أو دولة ما. على المستوى الوطني حصلت سلطنة عُمان على مستوى الكفاية في مؤشر بيئة الأعمال حيث تجاوزت اقتصاديات متقدمة، ومنها: اليابان والنرويج والولايات المتحدة وإسبانيا التي لم تحصل على معدل الكفاية المطلوبة في مؤشر بيئة الأعمال.

مشاريع ريادة الأعمال هي التي من خلالها تُقتنص الفرص الاستثمارية في القطاعات الإنتاجية أو الخدمية للحصول على قيمة اقتصادية واجتماعية من تلك الفرص الاستثمارية. هناك من الاقتصاديين، على سبيل المثال، جوزيف شومبيتر يرى بأن ريادة الأعمال تقوم على مفهوم تقديم أعمال أو مبادرات أو منتجات بها طابع ابتكاري تعمل على إزاحة المنتجات القديمة أو تطويرها، حيث أطلق على هذا المفهوم «التدمير الخلاق».

في المقابل ركّز الاقتصادي كريزنر على تعريف مغاير لريادة الأعمال المتمثل في قدرة الشخص الريادي على اكتشاف الفجوات والاختلالات في السوق، ويقوم باستغلالها حيث جاء بمفهوم «اليقظة الريادية».

وما دامت ريادة الأعمال تندرج في فئة الأعمال الحرة، فهي - بلا شك - تكون تحدياتها أكبر من تقلد الوظائف العامة أو الخاصة. تلك التحديات تختلف من نشاط إلى آخر كما أن بعض الخبراء يعتقدون أن مشاريع ريادة الأعمال تعتريها جوانب الفشل أو الإخفاق، وبالتالي، رائد الأعمال قد لا يستطيع الاستمرار في عمله إلا أن كانت لديه مهارات ومعارف تمكنه من التغلب على تلك التحديات.

كما أن هناك اعتقادا سائدا بأن رواد الأعمال يولدون بالفطرة - وليسوا أشخاصا عاديين - وتكون لديهم مهارات يستطيعون تحويل الأفكار إلى مشاريع ناجحة.

هذا الاعتقاد قد يكون صحيحا، ولكن أيضا هناك من يستطيع أن يكون رائد أعمال عن طريق اكتساب المهارات والتعلم المستمر بطريقة محاكاة الناجحين ومعرفة الآليات التي تساعد للوصول إلى تحويل الأفكار الريادية إلى مشاريع ناجحة.

خبير ريادة الأعمال في جامعة هارفرد البروفيسور ديفيد ميكلانيند يرى أنه من الممكن لرائد الأعمال تعلم التقنيات العلمية والعملية التي تؤهله للوصول إلى العمل الريادي الناجح الذي يكون عن طريق الفطرة، وأيضا من الممكن أن يكون عن طريق اكتساب المهارات والقدرات التي يتمتع بها رائد الأعمال.

مشاريع ريادة الأعمال لا تحتاج فقط إلى احتضان الأفكار وتقديم الدعم الإرشادي والتمويل المالي، بل لحماية رواد الأعمال من المنافسة التي تواجههم من العمالة الوافدة المستترة أو الاستثمار الأجنبي غير المنظم.

كما أن ريادة الأعمال تحتاج إلى استدامة القوانين والتشريعات في أنشطة التجارة والصناعة وسياسات التعمين. على سبيل المثال، هناك من الكتّاب من تناول قبل فترة قصيرة، المبادرة الوطنية لتعمين أنشطة المواد الغذائية التي تم تطبيقها في بدايات العام (2001).

تلك المبادرة توالت عليها سيل من التعديلات في سياسات التعمين وفتح المجال بتوظيف العمالة الوافدة في أنشطة المواد الغذائية مع غياب حوكمة فاعلة تعمل على حماية المبادرات الوطنية للتعمين مما أدى في النهاية إلى فشلها، وعدم الوصول للأهداف الوطنية التي تأسست من أجلها.

هناك الكثير من المشاريع الطلابية الناشئة التي بدأت تتوسع في أغلب الجامعات على المستوى الوطني. تلك المشاريع تعتبر مبادرات متميزة تتوافق مع متطلبات المرحلة المقبلة نحو تنويع مسارات الأعمال الحرة.

هذه الشركات الطلابية الناشئة لكي يتمكن رواد الأعمال أو الطلاب من تأسيسها واستدامتها، فإنهم بحاجة إلى اكتساب مهارات وخبرات عملية.

من التجارب المتميزة بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية هو مسار إعداد المحاضرين الذي يتمثل في ابتعاثهم الخارجي في جامعات مرموقة للحصول على درجة الماجستير، وبعد ذلك يُلحق المبتعث بالقطاع الخاص لتطبيق ما تعلمه لمدة زمنية محددة، ثم بعد الانتهاء من التدريب العملي يُدرب على طرق التدريس.

هذا المسار يعتبر من المبادرات الوطنية التي تعطي المبتعث المتطلبات الأكاديمية والخبرة العملية التي يكتسبها من العمل بالقطاع الخاص.

وبالتالي، من المناسب أن تأخذ الشركات الطلابية الناشئة مثل هذه المسارات حيث إن الأعمال الناشئة أو الريادية هي رحلة مستمرة تحتاج إلى تدريب وتأهيل ومتابعة؛ لأن الأفكار الإبداعية وحدها غير كافية لتأسيس الشركات الطلابية.

عليه، فإن نتائج المرصد العالمي لريادة الأعمال فيما يتعلق بالمشاريع الريادية على المستوى الوطني، أغلبها جاءت دون التوقعات، وغالبا أقل من النسب التي حققتها الدول الخليجية.

عليه نتوقع أن هناك حاجة إلى إعادة هيكلة منظومة ريادة الأعمال للعمل على رفع مستوى المشاريع الريادية، واستدامتها والمحافظة على حضورها العالمي. أيضا، المؤشرات التي وردت بالمرصد العالمي تأتي متوافقة مع توجهات مجلس الوزراء في اجتماعه الأخير، نحو استحداث البرنامج الوطني لتعزيز بيئة الأعمال الجاذبة للاستثمار.

المشاريع الريادية تحتاج إلى بيئة عمل تتسم بالديناميكية والتنافسية المحلية والعالمية من أجل أن تستطيع تلك المشاريع، المساهمة بقيمة اقتصادية أفضل في تنويع مصادر الدخل الوطني، وفتح مسارات للمشاريع الريادية للتقليل من الاعتماد على الوظائف في القطاعات العامة الخاصة.

د. حميد بن محمد البوسعيدي خبير بجامعة السلطان قابوس