مـن يـتـأمّـل فـي مـسـار الـعـلاقـات الأمـريـكـيّـة- الأوروبـيّـة الـيـوم؛ بـل مـنـذ نـيّـفٍ وثـلاثـيـن عـامـًا خـلـت، لـن يـسـتعـصـيَ عـلـيـه أن يـلاحـظ مـا يـنـطوي عـلـيـه ذلـك المـسـارُ مـن مـفـارقـات سـيـاسـيّـة تـكـاد أن تـكـون صـارخـةً مـن هـوْل مـا تـشـيـر إلـيـه مـن تـنـاقـضـات، خـاصّـةً حـيـنـمـا نـضـع هـذا المـسـار السّـيـاسـيّ المـعـاصـر للـعـلاقـات تـلك فـي مـيـزان الـمـقـارنـة مـع مـا كـان قـبـلـه فـي حـقـبـة الحـرب الـبـاردة ونـتـبـيّـن، فـي ذلـك المـيـزان، حـصـيـلـةَ الأربـاح والخـسـائـر لـدى طـرفـي العـلاقـة فـي تـيـنـك الحـقـبـتـيـن.

سـنـكـتـفـي مـن تـلك المـفـارقـات - وهـي عـديـدة - بـاثـنـيْـن نـلـقـي عـلـيـهـمـا ضـوءَ الـتّـبـيـيـن فـي الحـدود الـتي يـسـمـح بـهـا مـقـامُ الـمـقـال؛

يُـطـلـعـنـا عـلى المـفـارقـة الأولـى مـا نـعـايـنـه مـن تـزايُـدِ الـقـرائـن عـلى رسـوخ روابـط الـتّـبـعـيّـة السّـيـاسـيّـة الـتي تـشُـدّ دول أوروبـا إلـى الـولايـات المـتّـحـدة الأمـريـكـيّـة حـتّـى مـع ارتـفـاع الأسـبـاب الـتي قـضـت بـقـيـام تـلك الـتّـبـعـيّـة فـي الـمـاضـي.

تـبـدو حـالُ هـذه الـتّـبـعـيّـة، الـيـوم، وكـأنّ شـيـئـاً لـم يـتـغـيّـر فـي الـعـالـم وتـوازنـاتِ قُـواهُ عـمّـا كـانـت عـلـيـه الحـالُ إبّـان حـقـبـة الحـرب البـاردة بـيـن الـقـطـبـيـن والـمـعـسـكريْـن! وتـبـدو أوروبـا وكـأنّـهـا مـا بـرِحـت تـخـشـى عـلى نـفـسـهـا مـن «الخـطـر الـرّوسـيّ» - نـظـيـر خـشـيـتـهـا مـنـه فـي عـهـده السّـوڤـيـيـتـيّ- فـتُـسـلِّـم زمـامَ أمـنـهـا وقـرارِهـا الاسـتـراتـيـجـيّ إلـى الـولايـات المـتّـحـدة الأمـريـكـيّـة تـديـره وتـتـعـهَّـد أمـرَه نـيـابـةً عـنـهـا!. وهـا نـحـن نـكـاد لا نـرى، الـيـوم، مـظـهـراً - ولـو بـسـيـطـاً- مـن مـظـاهـر الاسـتـقـلالـيّـة فـي الـرّوايـة والـقـرار السّـيـاسـيّـيـن لأوروبـا عـمّـا تـشـاؤُهُ أمـريـكـا وتـقـرِّرُه وتـسـيـر فـيـه مـن سـيـاسـات عـلـيـا اسـتـراتـيـجـيّـة.

يـكـفـي اصـطـفـافُ دول «الاتّـحـاد الأوروبـيّ» وراء السّـيـاسـات الـدّولـيّـة الأمـريـكـيّـة (الإبـادة الـجـمـاعـيّـة الصّـهـيـونـيّـة فـي فـلـسـطـيـن، الـبـرنـامـج الـنّـوويّ الإيـرانـيّ، مـنـظـومـة الـبـريـكـس، مـحـاصـرة روسـيـا...) لـيـقـوم دلـيـلاً فـاقـعـاً عـلى مـسـتـوى تـبـعـيّـتـهـا السّـيـاسيّـة تـلـك.

الارتـبـاط الـتّـبـعـيّ ارتـفـعـت حـتّـى عـن مـعـدَّلـهـا فـي المـراحـل السّـابـقـة، الأمـرُ الـذي يـضـيـف إلـى المـفـارقـة أسـبـاب إعـضـالـهـا وإِعـواصِـهـا عـلى الـفـهـم، نـظيـر ما يـضـيـفـه إلـى تـلك الـمـفـارقـة واقـعٌ اقـتـصـاديّ «جـديـد» يـشـهـد عـلـيـه مـعـسـكـرُ الـغـرب - مـنـذ مـيـلاد الـعـولـمـة - هـو اشـتـدادُ الـتّـنـافُـس والصّـراع بـيـن المـراكـز الـرّأسـمـالـيّـة.

هــكـذا تـكـتـمـل قـسـمـاتُ صـورة الـمـفـارقـة: الـتّـعـايُـش والـتّـجـاوُر بـيـن مـتـجـافـيـيْـن: تـبـعـيّـةٌ عـلى صـعـيـد الإرادة والـقـرار السّـيـاسـيّ، وتـنـازُعٌ عـلى صـعـيـد الـمـصـالـح الاقـتـصـاديّـة وكـأنّ الأمـرَ فـيـهـمـا يـتـعـلّـق بـفـسـطـاطـيْـن مـنـفـصـلـيـن لا بـمـجـالـيْـن يـنـتـمـيـان إلـى بـنـيـةٍ واحـدة!

ويُـظْـهـرنـا عـلى المـفـارقـة الـثّـانـيّـة ذلـك الـتّـضـاؤُل الهـائـل فـي مـكـانـة الـنّـخـب السّـيـاسـيّـة الأوروبـيّـة الحـاكـمـة، خـلال الـثّـلاثـيـن عـامـاً الـمـاضـيـة، وفـي قـيـمـتـهـا ومـسـتـواهـا السّـيـاسـيّ وصـورتـهـا لـدى الجـمـهـور والـرّأي الـعـامّ فـي أوروبـا، فـي سـيـاقٍ عـامٍّ مـن الـتّـراجـع الـمـروِّع فـي مـسـتـوى الحـيـاة السّـيـاسـيّـة والحـزبـيّـة فـيـهـا.

لا مـجـال لأيّ مـقـارنـة بـيـن الـنّـخـب الـحـاكـمـة اليـوم ونـظـيـرتـهـا أمـس: إنْ عـلى صـعـيـد الكـاريـزمـا، أو الـكـفـاءة، أو الاقـتـدار فـي الأداء. انـتـهـى الـزّمـن الـذي كـان يـتـولّـى فـيـه رئـاسـة الجـمـهـوريّـة الـفـرنـسـيّـة رجـالٌ تـاريـخـيّـون مـن طـراز شـارل ديـغـول، وجـورج پـومـبـيـدو، وفـرانـسـوا مـيـتـران، بـل حـتّـى جـاك شـيـراك.

وانـتـهـى زمـن المسـتـشـاريـن الكـبـار فـي ألـمـانـيـا مـن عـيـار كـونـراد إديـنـاور، وڤـيـلـي بـرانـت، وهـلـموت شـمـيـت، وهـلـمـوت كـول، وغـيـرهـارد شـرودر.

وبالـمـثـل انـتـهـى زمـن رؤسـاء الحـكـومـة الكـبـار فـي إيـطـالـيـا مـن طـراز ألـدو مـورو، وجـولـيـو أنـدريـوتـي، وفـرانـشـسـكـو كـوسيـغـا، وبـتـيـنـو كـراكـسـي، ومـاسـيـمـو دالـيـمـا...؛ وقُـل ذلـك فـي مـعـظـم دول أوروبـا مـا خـلا إسـبـانـيـا الـتي اسـتـقـرّ نـظـامُـهـا - بـعـد رحـيـل الجـنـرال فـرانـكـو وقـيـام الـدّيـمـقـراطـيّـة فـيـهـا - عـلى نـوعـيّـة رفـيـعـة مـن رؤسـاء الـوزراء (بـاسـتـثـنـاء الحـقـبـة الـتي تـولّـى فـيـهـا اليـمـيـنـيّ الـمـتـأمـرك خـوسـيـه مـاريـا أثـنـار السّـلـطـة).

نُـخَـبُ هـذه الأيّـام فـي أوروبـا لـيـسـت مـن هـذا الصّـنـف، وأكـثـرُهـا جـاء مـن كـلِّ مـكـانٍ (مـن الـمـال والأعـمـال خـاصّـةً) إلاّ مـن الحـيـاة السّـيـاسـيّـة الـتي كـانـتِ الـقـارّة بـيـئـتَـهـا الأخـصـب فـي كـلّ الـعـالـم ومـضْـربَ الـمـثـل لـهـا!

مـن تـحـصـيـل الحـاصـل أن يـنـتـهـيَ الـمـطـافُ بـنـخـبٍ سـيـاسـيّـة أوروبـيّـة ضـعـيـفـة إلـى سـيـاسـاتٍ ضـعـيـفـةٍ عـلى صـعـيـد روحِ الاستـقـلال تـجـاه الإدارات الأمـريـكـيّـة؛ أعـنـي إلـى الإذعـان إلـى إرادة الـولايـات الـمـتّـحـدة والسّـيْـرِ عـلى مـطـمـارهـا السّـيـاسـيّ.

والأنـكـى أنّ ذلـك كـثـيـراً مـا يـقـع حـتّـى حـيـنـمـا لا تـتـنـاسـب تـلك السّـيـاسـاتُ الأمـريـكـيّـة المُـمْـتَـثَـل لـهـا مـع مـصـالـح دول أوروبـا، فـلا تـؤدّي الـمـجـاراةُ والمـمـالأة إلاّ إلـى عـزلـة تـلك الـنّـخـب عـن جـمـهـورهـا الـذي مـا يـلـبـث قـسـمٌ كـبـيـرٌ مـنـه أن يـنـضـمّ إلـى الشّـارع المـنـتـفـض عـلـيـهـا، أو أن يـرْكـن إلـى حـالٍ مـن العـزوف السّـيـاسـيّ.

ولـيـس يَـخـفـى أنّ هـذا واحـدٌ مـن الأسـبـاب الـتي قَـوِيَ بـهـا جـانـبُ اليـميـنُ الـمـتـطـرّف فـي أغـلـب بـلـدان أوروبـا فـي الـعـقـود الـثّـلاثـة الأخـيـرة؛ إذْ هـو أكـبـر مَـن يـتـغـذّى مـن نـتـائـج أزمـة تـلـك الـنّـخـب وأزمـة سـيـاسـاتـهـا.

لـقـائـل أن يـقـول، مـن بـاب الـتّـعـلـيـق عـلى المـفـارقـة الأولـى، إنّ تـبـعـيّـة أوروبـا لأمـريـكـا سـيـاسـيّـاً تـحـصـيـلُ حـاصـلٍ لأمـرٍ واقـع: الـتّـبـعـيّـة الاقـتـصـاديّـة أو قـل الـتّـبـعـيّـة الـتي يـولِّـدهـا الانـتـمـاءُ المـشـتـرَك إلـى الـنّـظـام الـرّأسـمـالـيّ ويـفـرضـهـا مـوقـعُ الهـيـمـنـة الـذي تـحـتـلـه أمـريـكـا داخـل هـذا الـنّـظـام؛ وهـذا - فـي رأي المـسـتـدْرِك - يـبـدِّد المـفـارقـة ويـرفـع الاسـتـفـهـام عـن هـذه الـنّـازلـة.

والحـقّ أنّ الأمـر مـخـتـلـف؛ إذْ مـا كـلُّ انـتـمـاءٍ إلـى الـرّأسـمـالـيّـة يـرتّـب عـلى صـاحـبـه تـبـعـيّـةً سـيـاسـيّـة بـالضّـرورة بـدلـيـل أنّ الصّـيـن وروسـيـا، مـثـلاً، تـنـتـمـيـان إلـى هـذا الـنّـظـام الـرّأسـمـاليّ مـن غـيـر أن تـعـانـيـا حـالاً مـن الـتّـبـعـيّـة السّـيـاسـيّـة، بـل هـمـا المـثـالان الأجـلـى للـدّوّل الـتي تـمـلـك إرادتـهـا وقـرارهـا السّـيـاسـيّ المـسـتـقـلّ.

بـل لـنـا فـي نـمـاذج الاسـتـقـلال السّـيـاسـيّ للـقـرار عـن واشـنـطـن أمـثـلـةٌ أوروبـيّـة مـعـاصـرة هـي تـلك الـتي أشـرنـا إلـيـهـا سـابـقـاً (الـنّـخـب السّـيـاسـيّـة الحـاكـمـة فـي أوروبـا قـبـل ثـلاثـيـن عـامـاً).

مـن ذا الـذي يـمـكـنـه أن يـنـسـى الـمـواقـف الاسـتـقـلالـيّـة للجـنـرال شـارل ديـغـول عـن السّـيـاسـات الأمـريـكـيّـة والأطـلـسـيّـة، الـتي تـكـرّسـت فـي فـرنسـا إلـى نـهـايـة عـهـد جـاك شيـراك؟ ومـن ذا الـذي يـنـسـى الـتّـفـاهـم الـدّائـم بـيـن ألـمـانـيـا هـيـلـمـوت شـمـيـت وفـرنـسـا فـرانـسـوا مـيـتـران عـلى سـيـاسـة خـاصّـة تـجـاه الاتّـحـاد السّـوڤـيـيـتـيّ مـسـتـقـلّـة عـن أمـريـكـا؟ ومـن يـنـسـى السّـيـاسـات الإسـبـانـيّـة المـؤيّـدة للـحـقـوق العـربـيّـة والفـلسـطـيـنـيّـة الـتـي نـهـجـهـا فـيـلـيـبـي غـونـزالـس وخـوسـيـه لـويـس رودريـغـث ثـبـاتـيـرو؟ وأمـثـلة أخـرى كـثـيـرة يـقـوم بـهـا الـدّلـيـل عـلى أنّ الانـتـمـاء إلـى الـنّـظـام الإنـتـاجـيّ نـفـسِـه لا يُـرتّـب الـتّـبـعـيّـةَ السّـيـاسـيّـة حـكـمـاً.

عـلى أنّـنـا لا نـمـلـك أن نـتـجـاهـل أنّ تـبـدُّلاتٍ كـثـيـرةً حـصـلـت فـي أوروبـا، خـلال الـعـقـود الأخـيـرة، تـفـسّـر ظـاهـرة الـتّـبـدُّل الـذي طـرأ عـلى نـوعـيّـة الـنّـخـب السّـيـاسـيّـة الحـاكـمـة فـيـهـا اليـوم (مـا خـلا فـي إسـبـانـيـا نـسـبـيّـاً)؛ ولـيـس هـنـا مـجـال الخـوض فـيـهـا، ولـكـنّـا نـكـتـفـي بـالإلـمـاح إلـيـهـا مـن طـريـق الـقـول إنّ مـعـضـلـةَ المَـعـاضـل فـي تـكـويـن هـذه الـنّـخـب السّـيـاسـيّـة الأوروبـيّـة أنّـهـا نـخـبٌ مـتـأمـركـة!!!