في أحد منشوراته النارية على موقع التواصل الاجتماعي (تروث سوشيال)، طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا السؤال: «متى سيثور الشعب الإيراني ويكافح؟» وتبلغ تصريحات ترامب من الكثرة والاحتدام ألا يعرف المرء ما الذي يمثل السياسات الحقيقية فيها وما الذي لا يزيد عن صخب.

لكن لو أن سياسة أمريكا فعلا تعتمد على أن يثور «الشعب الإيراني» ويكافح، فبوسعي القول من موقعي داخل إيران أن هذه سياسة فاشلة. وهي فاشلة فشلا بائسا. في الوقت الراهن على الأقل.

ما من استطلاع موثوق شامل للبلد كله يمكننا أن نعرف منه رأي الإيرانيين في الحرب في وقت جريانها. ولذلك فإن كلامي يعتمد على الملاحظة لا على استطلاع. وينجم عن حوارات أجريتها مع الكثير من الناس.

برغم أنني باحث اجتماعي، فإنني أعمل عن كثب مع الشركات الإيرانية الناشئة والنظام البيئي الرقمي. وقبل أن تبدأ الحرب، كنت أفهم أن هذه البيئة ليست بحال مركزا لدعم الدولة الإيرانية. بل هي أقرب إلى النقيض: فمن يناصر الدولة الإيرانية لا يلقى عموما غير العبوس، وليس أهون أسباب ذلك هو انقطاعات الإنترنت المتكررة التي أعاقت البنية الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي.

ومع ذلك، حتى في هذا الوسط، يستشعر المرء تنامي المقت للولايات المتحدة وحربها في إيران. وما أتكلم عنه هنا هو بعض أعلى الأصوات، من رجال الأعمال القادرين على الإنفاق، وأصحاب الحسابات الضخمة في مواقع التواصل الاجتماعي ومن لهم من التأثير ما يكفي لتوجيه الحوارات. وهؤلاء هم الناس الذين يقتدي بهم الشباب الإيرانيون، وهم يزدادون جهرا بمعاداة الحرب.

فقد كتب ماجد حسيني نجاد، رائد الأعمال ومؤسس وكالة (علي بابا) الإلكترونية الإيرانية للسفر على موقع إكس في الثاني من سبتمبر: «ليس ببعيد إن شاء الله اليوم الذي يصبح فيه الهجوم على إيران كابوسا مريعا لهم فلن يكون لهم من الشجاعة ما يحملهم على التفكير التفاؤلي». ويمتلئ حسابه في موقع التواصل الاجتماعي بمشاعر مماثلة مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل.

ويشترك معه في مشاعره كثير من الناس في هذه الدوائر. ولا ينعكس هذا بالضرورة في دعم للدولة، لكن بوسع المرء أن يشهد ميلاد كراهية قوية للولايات المتحدة بجانب رغبة متزايدة في إعادة بناء إيران على نحو أفضل. فثمة إحساس واسع النطاق بأن هذه الحرب توضح أمرا ما.

ويزداد هذا الإحساس بفعل الصور والقصص الآتية من الحرب: من قبيل مأساة مدرسة ميناب المريعة، والمجمع الرياضي في مدينة لمرد، والبيوت المدمرة في طهران، وأخيرا جدا العرس في تلك القرية الجنوبية الصغيرة الذي تعرض الناس فيه للقتل والتشويه.

في أغلب الأحيان، لا تلهم هذه الحوادث الناس بالنزول جماعات إلى الشوارع تأييدا للغزاة. وإن كان لها من أثر فهو أنها تبين أن من يشن حربا من بعيد قد يرى فريسته كومة من الجثث البشرية معدومة الوجوه والأسماء والقصص، فتحصى أعداد وفياتهم ضمن التكاليف اللازمة والتافهة لحرب يخوضها رجل واحد ضد إيران. تنزع حكايات وصور المواطنين العاديين من ضحايا المجازر إلى توحيد البلد في مواجهة الغزو الأجنبي.

فمثل هذه الوقائع يعيد إلى الأذهان ذكريات العراق وليبيا وأفغانستان. وإن كانت الغاية منها تشجيع الشعب على «النهوض والكفاح» فهي في ما يبدو تؤدي إلى نتيجة عكسية.

في اللقاءات والحوارات والفعاليات العامة، نرى أن الصورة التي كان يفترض يوما أنها واسعة الانتشار، وهي صورة إيران بوصفها أمة اختطفتها مؤسسة سياسية معينة، هي صورة آخذة في التلاشي. وبدلا منها تظهر فكرة أخرى، وهي أننا أمة في حرب مع خصم إقليمي معاد وداعمه الإمبريالي.

ويبدو أن المزيد والمزيد من الناس منجذبون إلى هذه النتيجة، ومن كان منهم لا يدعم الدولة فإنه يشجعها إذا ما تصدت للمعتدي. وهذا تمييز مهم يبدو أن سذاجة واشنطن تمنعها من إدراكه.

فقد يكره شخص الجمهورية الإسلامية ولكنه يظل يكره الحرب الأمريكية على إيران. وقد يعارض شخص الدولة ويبقى غير راغب في أن يرى بلده يتعرض للقصف حتى يستسلم.

وقد يطالب شخص بالتغيير السياسي لكنه يظل على إيمانه بأن هذا التغيير يجب أن يأتي من الداخل. تتصاعد المشاعر الوطنية والمعادية للإمبريالية، ولو كنت سئلت في فبراير لكنت قلت إن الهوة بين الدولة والشعب قد لا تكون قابلة للتجاوز، لكنني الآن أقول إن فرصة ذلك باتت سانحة.

يبدو أن ما تعول عليه الولايات المتحدة هو انتفاضة شعبية، لكن لو أن النية هي تشجيع الإيرانيين على التمرد على دولتهم، فلعل ما تفعله هذه الحرب هو العكس. وكلما ارتفع عدد المدنيين الإيرانيين القتلى، صعب الحفاظ على الفارق بين الشعب الإيراني والدولة الإيرانية. وكلما اختفى ذلك الفارق، قل احتمال أن يثور الشعب بالنيابة عن قوة أجنبية تهاجمه.

ومن موقعي، لا يبدو أن الناس في طريقهم إلى الثورة. بل لعلهم يتضامنون ويزدادون قربا.

حسين حمدية حاصل على الدكتوراه في الجغرافيا والأنثروبولوجيا من جامعة همبولت في برلين وكلية كينجز في لندن، ويعمل حاليا باحثا اجتماعيا مقيما في طهران.

عن الجارديان البريطانية