خلال مشاهدتي لعدد من عروض مهرجان ظفار الدولي للمسرح، وخصوصًا التي تندرج ضمن مسار عروض النخبة، استرجعت طروحات الألماني هانس تيس ليمان في كتابه (مسرح ما بعد الدراما) الصادر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، المتعلقة بتغييب النص الأدبي، وتفتيته، والإقلال من حضوره على الخشبة، واعتباره من أدوات العروض التقليدية.

وفي هذا النوع من المسرح يمضي المشتغلون في المغامرة إلى أقصاها، ويتمّ خلالها تجاوز العروض التي اعتمدت الأسلوب النفسي في التقمص وفق منهج ستانسلافسكي، والتغريب كما في مسرح برشت الذي حافظ على الحكاية، فلم يعد النص في مسرح ما بعد الدراما اللاعب الأساسي، والعمود الفقري الذي يستند إليه العرض، كما هو سائد في المسرح المتعارف عليه، بل صار عنصرًا من عناصر العرض، كأيّ عنصر آخر، ويمكن اعتباره الحلقة الأضعف، فلا حوار، ولا صراع، ولا تسلسل زمنيا للأحداث، ولا ترابط بينها،

وبهذا بالإمكان صنع عرض من المذكرات الشخصية، والصور، والرسائل، فيما ارتفعت كفّة عناصر أخرى، كالأداء الحركي الجماعي الذي جعل العرض أقرب ما يكون إلى عروض راقصة، أو تشبه ما نراه في الألعاب الرياضية، والمسابقات الأولمبية، والباليه، وفي مثل هذه العروض تلعب الإضاءة، والمؤثرات الصوتية، والسينوغرافيا، ومقاطع من الأفلام السينمائية، والأغاني، دورًا ساندًا للأداء الحركي، إلى جانب عناصر أخرى مستحدثة بفعل التطور التكنولوجي كمقاطع الفيديو، والموسيقى، ليكون خطابه متعدّد الوسائط، ويكتفي صنّاع هذه العروض بخلق تأثير على الجمهور، ودهشة، ومتعة بصريّة وسمعيّة، جمالية.

ويأتي ذلك كلّه على حساب مركزية النص، الذي يتراجع تراجعًا كبيرًا، أمام الأداء، وعناصر العرض البصرية والصوتية، وتبعًا لذلك يغيب الواقع، وقضاياه، ويفقد الجمهور مرجعيته الأساسية المتمثلة بالمجتمع؛ لذا يغادر البعض القاعات قبل نهاية مثل هذه العروض! فهو مسرح يوجّه خطابه الجمالي للنخب، وينطلق من الدعوة إلى تخليص المسرح من سطوة الأدب، وهذا المنطلق ينسجم مع طروحات كتاب (أرسطو أو مصاص دماء المسرح الغربي) للفرنسية فلورانس دوبون، الذي ترجمه للعربية الدكتور محمد سيف،

وفي هذا الكتاب تفكّك الكاتبة المسرح الأرسطي من خلال إعادة قراءة كتاب أرسطو (فن الشعر) من خلال عقد مقارنة مع المسرح الإغريقي، وطقوس الأداء الجسدي، لتخرج بنتيجة هي أن المسرح لا علاقة له بالأدب، وأن المسرح هو فن العرض، والأداء الحي، وليس كما ذكر أرسطو قبل 2500 سنة، حين انحاز إلى مسرح ينتصر للأدب على حساب العرض، حين جعل الحبكة علامة مركزية، ولم يعد المسرح طقسًا أدائيًا يركّز على الجسد، كما كان في المسرح الإغريقي.

ودعت الباحثة الفرنسية إلى وضع النص، وطروحات أرسطو الذي أطلقت عليه وصفًا ساخرًا عندما وصفته بـ«مصّاص دماء المسرح الغربي» جانبًا، والعودة إلى جوهر العرض المسرحي القائم على الأداء الحركي وحضور الجسد.

ومع انحيازنا للأدب الذي خلّف لنا أعمالًا خالدة لشكسبير، وإبسن، ويوجين يونسكو، وتشيخوف، وبريخت، ووليامز، وأرثر ميللر، لسنا نقف على النقيض من هذه التوجهات، فالمسرح يخضع لقوانين التطور؛ كونه عنصرًا حيًّا لا يتوقّف عند نقطة معينة، بل هو العنصر الأكثر حيوية وفاعلية في حركة التطور، فهو مرتبط بالواقع الإنساني، ومتغيّراته وتحوّلاته، خصوصًا أن قاعدة عروض ما بعد الدراما اتّسعت اليوم، وهي عروض أصبحت سائدة في الغرب حيث تلقى رواجًا، ولها حضورها في المهرجانات المسرحية الدولية،

وامتدّ زحفها إلى مسارحنا بعد أن دخلته عبر بوّابة مسارح دول المغرب العربي، وصارت تلعب دورًا في التأثير على لجان التحكيم، وبكلّ ثقة، تدخل ساحة المنافسات في مهرجاناتنا المسرحية مع عروض المسرح الدرامي الذي اعتدنا عليه، فتتوّج بالفوز، وتنال ثناء النقاد، ولا غبار على ذلك، فالساحة الفنية مفتوحة للاجتهادات، خصوصًا أن تغيير أشكال العرض ضرورة حتميّة لظهور أشكال جديدة في الأداء مع يقيننا بأن هذا المسرح لا يقف على النقيض من المسرح المتعارف عليه، ولا يدخل في صراع معه، وتضاد، فالأشكال الفنية لا يلغي بعضها بعضًا،

فالشعر الحديث لم يلغِ الشعر الكلاسيكي، ولا مدارس الرسم الحديث تجاوزت الرسم الأكاديمي والواقعي، ومن هذه الزاوية، فمسرح ما بعد الدراما ظاهرة فنية تشكّل حركة في مسار تعدّد أشكال العرض المسرحي، ولكل مدرسة فنية جمهورها، ومتذوقوها، والحكم يبقى مرهونًا للزمن، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، ويبقى شاخصًا على خشبة المسرح.