يقول الطيب صالح في حديث له عن صلاح جاهين: «والناس قد لا تفهم أن الموهبة في بعض الأحيان تتحول إلى عبء ثقيل جدًا. ويتفاوت تعامل المبدعين مع الموهبة. بعض الناس لديهم الصبر والجلد مما يتيح لهم أن يعيشوا حياة سوية، لكن آخرين...».

يرى الطيب «الموهبة» -حسب تعبيره- «تعذب كثيرًا»، وعيبها أن فيها ما يشفي منها. يعرف الموهوب تلك اللذة التي تسري فيه عندما يبدع عمله. لذة قصيرة، لو عرفها الملوك لجالدوا عليها بالسيوف. لكنها لا تدوم. يرتاح المبدع قليلًا، قبل أن يبدأ العذاب مرة أخرى.

في أواخر السبعينيات أجرى عالم كندي في جامعة سايمون فريزر تجارب على الفئران لدراسة علاقتها بالمورفين. قُسّمت الفئران إلى مجموعتين؛ بعضها في أقفاص منفردة وضيقة، وبعضها في مساحة واسعة مع فئران أخرى من الذكور والإناث، يتحركون بحرية وسط مجموعة.

ووفرت التجربة ماءً نقيًا للشرب وماءً مخلوطًا بالمورفين. كانت النتيجة أن الفئران المعزولة استهلكت المورفين أكثر من غيرها. حتى الفئران لم تحتمل العزلة. لا يعني ذلك أن العزلة تؤدي إلى الإدمان بطبيعة الحال. لكنها كانت تجربة لافتة لسؤال: ما الذي يملأ ذلك الفراغ داخلنا عندما نشعر بالوحدة وأننا معزولون؟

بعض الناس قد لا تفهم الموهبة كما يقول الطيب. والموهبة غالبًا لا تأتي وحدها على العشاء. إنها تحضر معها العزلة. ماذا يفعل الموهوب في العزلة؟ شربت الفئران في جامعة فريزر ماء المورفين. ويهرب الموهوب إلى إدمان الإبداع. يجد فيه عالمًا بديلًا عن العالم الذي يعيشه معزولًا. وحينها يكتشف الحقيقة.

يصف إرنست همنجواي الوحدة للكاتب بأنها «ملهمة». ويقول: «أنا مؤمن أن حياة الوحدة هي مصدر للكتابة الأفضل» (خطاب جائزة نوبل: 1954).

الكاتب عند همنجواي يعمل وحده، وعليه كل يوم أن يواجه سؤالًا وامتحانًا يتكرر: هل سيبقى ما أكتبه؟ يعترف همنجواي بالشك في ما تنتجه الموهبة. وربما الشك في جدوى الموهبة. تشرق الشمس كل يوم، فما جدوى شدو العندليب كل صباح؟ هل يعني ذلك التوقف؟

في رسالته لمورلي كالاهان يكون همنجواي أكثر صراحة ووضوحًا، فينصحه: «عليك أن تمسك بالجحيم. عليك أن تتقبل العقوبة. اكتب كثيرًا، وفكر أكثر. أبقِ عينيك وأذنيك مفتوحتين» (ترجمة: ميادة خليل). كتب همنجواي هذه النصيحة في العام 1925. لكنه في 1961 وضع فوهة البندقية في فمه وأطلق النار.

يقول الطيب صالح في حديثه عن صلاح جاهين: «بعض الناس لديهم الصبر والجلد مما يتيح لهم أن يعيشوا حياة سوية. لكن آخرين يتحولون إما إلى مدمني خمر، وإما يتعاطون المخدرات أو يشغلون أنفسهم بالجري وراء النساء. وهناك فئة تضطر للانتحار لأن الموهبة تعذب كثيرًا» (طلحة جبريل: على الدرب مع الطيب صالح).

يكشف همنجواي عن تلك الحالة السيزيفية التي يعيشها الموهوب. فهي جحيم، وهي عقوبة. لكن عليه أن يتمسك بها. لا تنكسر الحلقة. ويعلق المبدع في مورفينه الخاص. ويراها الطيب محاولة إشغال. تقول نورا ناجي في «الكاتبات والوحدة»: «كلما تطهرت بالكتابة من مخاوفي السابقة، سكنتني مخاوف أخرى».

وبعض الناس لديهم جلد، فيظهرون الهدوء والقدرة على حياة العاديين. ربما يستعينون بـ«ونس الوحدة». فنورا ناجي تقول: «الوحدة في نفس الوقت ونس. ليست بالضرورة جافة ولا فارغة». لكن آخرين...

في أمثلة الآخرين الذين لم يتح لهم الصبر حياة سوية يصف الطيب صالح العلاقات النسائية بتعبيره «يشغلون أنفسهم بالجري وراء النساء». إنهم منشغلون بالجري لا بالنساء. كما ينشغلون بالخمر والمخدرات. يبحثون عن شيء يعينهم على الصبر حتى يتمسكوا بالجحيم، وحتى يخففوا من عذاب الجحيم! أن تتمسك بما يؤذيك. لماذا؟ لأنك قبلت العقوبة. هنا تصبح الموهبة أكثر التباسًا وأشد ألمًا.

فهي كمورفين تجربة الفئران. ما يؤذيه، وما يعينه على تحمل الوحدة. الوحدة التي تعينه على الإبداع. لا يصل المبدع إلى الشاطئ الذي أبحر يقصده. شاطئ الأبدية. لكنه لا يكف عن الإبحار وتقصّد الموانئ. يلتقط راحات قصيرة قبل مواصلة المعاناة. لا يستطيع التوقف. وهذا ما قاله همنجواي في رسالته لكالاهان: «لا تكن حمارًا وتقول بأنك لا تستطيع الاستمرار».

ربما لذلك يحب كثيرون إدغار آلان بو، الرجل الذي عاش الجحيم، وعرف العزلة والاكتئاب والإدمان وخسارة الحبيبة، لكن ظل متقبلًا العقوبة، وصنع من العذاب أسطورة. يبدو بو في حياته المضطربة، مثل كثير من أقرانه الذين لم يكن لهم صبر وجلد، صورة نموذجية للفنان المعذب، عاش الفقر والمرض وتحطم الأسرة، ثم مات بشكل غامض لم تغلق أبواب أسئلته منذ منتصف القرن التاسع عشر. إن كان الطيب صالح يمثل «من لديهم الصبر والجلد» فعاش حياة سوية، فإن بو كان الآخرين.

يصف بو حياته في رسالة كتبها عام 1844: «كانت حياتي نزوة، واندفاعًا، وشغفًا، وشوقًا إلى العزلة».

ربما يقول له الطيب صالح: «كلنا كذلك يا عزيزي إيدي. لكن بعضنا كان محظوظًا بالصبر والجلد».