"تصوير: هدى البحرية"
بحث منتدى عُمان للمحتوى المحلي، اليوم، القدرة على إبقاء أكبر قدر ممكن من قيمة كل ريال عُماني داخل سلطنة عُمان، وتوجيهه نحو إيجاد فرص الأعمال، وتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير سلاسل الإمداد المحلية، وبناء القدرات الوطنية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد العُماني. جاء المنتدى تحت رعاية صاحب السمو السيد نمير بن سالم آل سعيد، بمشاركة نخبة من المسؤولين وصناع القرار والخبراء والمتخصصين.
وقال حاتم بن حمد الطائي الأمين العام ورئيس اللجنة العليا للمنتدى: إن المحتوى المحلي يمثل جزءًا أصيلًا من جهود تعزيز التنويع الاقتصادي الهادف إلى تقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيس للإيرادات العامة للدولة، من خلال دعم نمو القطاعات غير النفطية، وعلى رأسها الصناعة واللوجستيات والثروة السمكية وغيرها. وأضاف أن التنويع الاقتصادي يستهدف تعميق الاقتصاد ورفع الإنتاجية، وهي نتائج قابلة للتحقق إذا ما أولينا مبادرات ومشاريع المحتوى المحلي الاهتمام الكافي.
منظومة اقتصادية متكاملة
وأوضح الطائي أن الحديث عن المحتوى المحلي لا يجب أن يُفهم على أنه يستهدف الترويج للمنتجات المصنوعة في عُمان، أو أنه مجرد خدمةٍ يقدمها مواطن أو مؤسسة عُمانية فحسب، لكننا نسعى للتركيز على تطوير منظومة اقتصادية متكاملة، منظومة تضع نصب أعينها هدفًا ساميًا يستند إلى مبدأ أصيل، ألا وهو تعظيم القيمة المتولِّدة من الإنفاق داخل الاقتصاد الوطني، وأن يبقى كل ريال تنفقه المؤسسات أو الأفراد داخل دورته المالية الوطنية، فما تنفقه مؤسسة ينتقل إلى مؤسسة أخرى، ليعود إلى السوق في صورة منتجات أو استثمارات مغايرة، يستفيد منها السوق، وبالتالي اقتصادنا الوطني.
واستعرض الطائي بعض الإحصاءات؛ حيث أشار إلى أن السيولة المالية في المنظومة المصرفية العُمانية بلغت أكثر من 28.6 مليار ريال عُماني، بينما ارتفع حجم الائتمان المصرفي في أول سبعة أشهر من العام الجاري إلى 38.3 مليار ريال، علاوة على أن حجم التحويلات الرأسمالية إلى الخارج يتخطى 3.5 مليار ريال عُماني. وقال: "هذه أرقام مليارية يتعين علينا اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لإبقائها في نطاق الدورة الاقتصادية الوطنية، عبر تحفيز إعادة استثمارها وتوسيع نطاق إنفاقها في السوق المحلية. وبلغة الأرقام كذلك، أود الإشارة إلى أن الواردات السلعية في عُمان تتخطى 17 مليار ريال عُماني، من بينها نحو 5 مليارات ريال مدفوعات لقطاع الخدمات، وهذا يعني أن عدة مليارات تخرج من السوق المحلي لشراء مستلزمات وخدمات وسلع من الخارج، بينما كان حريًا بنا أن نعيد استثمارها داخل الدورة الاقتصادية المحلية".
وأضاف: "عندما يحصل الشباب العُماني على وظائف ودخول مستقرة وعادلة، فإن قدرتهم الشرائية تنمو، ومن ثم نجد انتعاشًا في المتاجر والمطاعم والخدمات والنقل والعقارات وغيرها من القطاعات. وهكذا تتحول الوظيفة من مجرد دخل للفرد إلى محرك لدورة اقتصادية أوسع". وأكد الطائي أن تعزيز المحتوى المحلي مسؤولية مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص والمستهلك.
التنمية الاقتصادية
من جانبه أوضح المعتصم السريري مدير عام مديرية المحتوى المحلي بجهاز الاستثمار العُماني حول أهمية المنتدى في مسيرة التنمية الاقتصادية في سلطنة عُمان، وفي ظل الجهود الوطنية المتواصلة لتحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، ودعم التنويع الاقتصادي، وتعظيم الأثر المتحقق من الاستثمارات الوطنية.
وأضاف أن الجهاز أدرج المحتوى المحلي ضمن مؤشرات الأداء في بطاقات الأداء المؤسسي للشركات؛ ليصبح بذلك جزءًا أصيلًا من دورة الاستثمار والتنمية، بدءًا من التخطيط، مرورًا بالتنفيذ، ووصولًا إلى قياس الأثر.
وأوضح أن جهاز الاستثمار العُماني دشّن في شهر أبريل من عام 2026 منصة "فرص"، التي توفِّر رؤية مسبقة لفرص المشتريات والمناقصات لدى الشركات التابعة، بما يمكّن مؤسسات القطاع الخاص من التخطيط والاستعداد المبكر للمنافسة والتقدم لهذه الفرص. وذكر أن المنصة تتيح للجهاز قراءة توجهات الطلب المستقبلي، وتحليل الفرص المتاحة في سلاسل الإمداد، وتحديد المجالات التي يمكن تطوير قدرات المؤسسات العُمانية فيها أو توطين منتجاتها وخدماتها.
ولفت إلى أنه حتى شهر سبتمبر من عام 2026، جرى طرح 2295 مناقصة مستقبلية من خلال المنصة، بقيمة إجمالية بلغت نحو 2.55 مليار ريال عُماني؛ وهو ما يعكس حجم الفرص التي يمكن للقطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الاستعداد للاستفادة منها.
وأضاف أن جهاز الاستثمار العُماني وشركاته التابعة يمتلك منظومةً متناميةً لدعم الابتكار وريادة الأعمال، تضم عددًا من المسرِّعات والحاضنات والبرامج المتخصصة في قطاعات اقتصادية متنوعة؛ حيث بلغ عدد المسرِّعات والحاضنات أكثر من 6 في مجالات تخصصية، فعّالة وتستقبل بشكل دوري مجموعة من رواد الأعمال والشركات الناشئة المقبلين على العمل في القطاعات المستهدفة.
تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة
وقال السريري: إن تمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة مستمر، حيث ارتفع حجم الإنفاق من 187 مليون ريال عُماني في عام 2022؛ بما يعادل 10.9% من إجمالي الإنفاق على سلاسل التوريد، إلى 279 مليون ريال عُماني في عام 2025، لتزيد حصتها إلى نحو 19.9%.
وذكر أنه في سبيل تعزيز تنافسية المنتج والخدمة المحليين، أصدر الجهاز النسخة الرابعة من القائمة الإلزامية للمنتجات والخدمات المحلية، التي تشمل 384 منتجًا وخدمة يتعين توريدها من السوق المحلي، بالإضافة إلى خدمات العمل الحر.
وكشف السريري أنه منذ إصدار القائمة، بلغ حجم الإنفاق التراكمي على المنتجات والخدمات المشمولة بها نحو 250 مليون ريال عُماني.
الاقتصاد العماني
وقدَّم الدكتور يوسف بن حمد البلوشي مؤسس البوابة الذكية للاستثمار والدراسات الكلمة الرئيسية؛ حيث أبرز ما يواجهه الاقتصاد العُماني من تحديات تتمثل في صرف جزء من الإنفاق إلى الخارج نتيجة زيادة الواردات من السلع والخدمات مقابل تركز الصادرات نسبيًا في النفط والغاز، مؤكدًا ضرورة إعادة توجيه دورة الأنشطة التجارية نحو إنتاج أكبر وقيمة محلية أعلى. وقال إن ضعف دوران الريال العُماني داخل الاقتصاد يَحِد من أثر الإنفاق المحلي ويؤثِّر في قدرة الاقتصاد على توليد فرص عمل مرتفعة العائد للمواطنين، كما يَحِد من توسع القاعدة الإنتاجية ويعزز اعتماد القطاع الخاص على التجارة والاستيراد.
وأضاف البلوشي أن تحقيق نقلة نوعية في مشاريع المحتوى المحلي يتطلب 3 مسارات متوازية، تتمثل في: زيادة صادرات السلع والخدمات وجذب الاستثمارات وتمكين الشركات من الإنتاج والتصنيع والتصدير وتقليص تسرب الإنفاق للخارج عبر تعزيز قدرة الإنتاج المحلي على تلبية الطلب.
مؤشرات قياس الأثر
من جانبه قدم المهندس محمد بن خلفان الشريقي رئيس قسم التحليل والتقييم بالمكتب الوطني للمحتوى المحلي ورقة العمل الرئيسية بعنوان "منهجيات وآليات ومؤشرات قياس الأثر وتعظيم المحتوى المحلي.. نحو منظومة متكاملة ومستدامة"، وقال إن المكتب يحرص على ترجمة الأولويات الوطنية إلى خطة تنفيذية دقيقة تعزِّز سلاسل الإمداد وتمكِّن الكوادر العُمانية، استنادًا إلى قيم الشراكة والاستدامة والتنافسية والابتكار والشفافية لبناء منظومة متكاملة تحقِّق ازدهارًا اقتصاديًا واجتماعيًا مستدامًا في سلطنة عُمان. وذكر أن ركائز تنفيذ استراتيجية المكتب الوطني للمحتوى المحلي تتوزع على توطين السلع والخدمات، وبناء قدرات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وربط البحث والتطوير بالسوق، وتوطين الصناعات ذات الأثر العالي، وتنمية القوى العاملة الوطنية لضمان توظيف مستدام وفعّال.
من جهته، قال خلف بن ناصر المفرجي مدير تطوير المحتوى المحلي بشركة تنمية نفط عُمان: إن مسيرة المحتوى المحلي في الشركة شهدت نموًا مطردًا حتى بلغ الإنفاق على سلسلة التوريد المحلية أكثر من مليار ريال عُماني؛ وذلك يشمل دعم أكثر من 400 مؤسسة صغيرة ومتوسطة بإنفاق يتجاوز 345 مليون ريال عُماني سنويًا.
وتناولت أوراق العمل عددًا من المواضيع في تعزيز المحتوى المحلي حول "استدامة الأثر.. من خلال التكامل والشراكات الاستراتيجية بين القطاعين العام والخاص"، مع أهمية الارتقاء بجهود تعزيز المنتج العُماني ومساعدة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على النمو والتوسع. وتطرقت إلى مستقبل المحتوى المحلي وتمكين الكفاءات.