أرسلتُ قبل ثلاثة عقود قولًا زعمتُ فيه أنه «لم يُدرك أحدٌ من مفكري عصر النهضة العربيّ أي هدف من الأهداف الجوهرية التي نَصَبها غاية لتفكيره أو تأمله أو فعله، وما تحقق جاء على غير ما كانوا ينشدون». طلبَ رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي مركّبًا متماسكًا متكاملًا من التقدم المادي الأوروباوي والتقدم الروحي الإسلامي، فجاء هذا المركّب بعد قرن من الزمان خليطًا هجينًا من الأوضاع والأحوال المتراكبة على غير نظام، ومن القيم المتضادة المتشابكة في حالة فريدة من الفوضى الشاملة. وأراد جمال الدين الأفغاني أن يوحّد «دول الإسلام» لمناهضة الضغط الأوروبي المتعاظم، فانهارت الدولة العظمى التي رضي بالرهان عليها، وتلاشت أشلاؤها، وسارت دولها المبتدعة في حال سبيلها. أما الرؤوس التي رأى أن الخلاص سيأتي بمجرد قطعها، فأثبتت كل الوقائع أن علينا أن نكون على قدر غير يسير من السذاجة لنصدق أن المشكلة في رمتها تكمن في هذا الوجه من النظر والفعل. وهتف محمد عبده بطلب التجديد ونبذ «الجمود على الموجود» واليأس، فاشتد تعلق القوم بالتقليد، ولم يظهر منهم إلا الفعل البائس. ونافح شبلي الشميّل وسلامة موسى عن الداروينية والتفكير العلمي، فلم يعد أحد يذكر الداروينية بخير أو بسوء، وباتت كل الأفكار والمعتقدات -العلمية والخرافية على حدّ سواء- تُساق باسم العلم نفسه.

ودعا قاسم أمين إلى مضاهاة التمدن والتقدم بالمجتمع بـ«تحرير المرأة» وبإنتاج «امرأة جديدة»، فجاءت المرأة بالحجاب، أو بالسفور الذي أراد، وبالروح التي لم يُرِد. وهتف عبد الرحمن الكواكبي بالحرية وبالحرب على الاستبداد، وبأن «العظمة لله»، فظلت الحرية مطلبًا عسيرًا، واستقر الشعار أن «العظمة للبشر»، وأن الديمقراطية «كائن تحت كل الشبهات». ودعا علي عبد الرازق ومحمد أحمد خلف الله وغيرهما إلى دولة غير مختلطة بأسباب السياسة الدينية، فانتهت الأمور إلى «الإسلام السياسي». واشتد عبد القادر المغربي في طلب «الأخلاق» وتأسيسها وإرساء قواعدها، فأصبحت الرذيلة أمرًا عاديًا والفساد أمرًا طبيعيًا لا يطاوله القانون، إن لم يتولّ حمايته.

وحثّ إسماعيل مظهر ودعاة «الفكر الحر» على تحرير العقول من الأوهام والخرافات والأفكار السابقة، وعلى فتح الأذهان والنفوس أمام كل جديد، فتعلقت كل التيارات وكل الأحزاب والمناشط بوثوقية مدمرة. ووظف طه حسين «الشك الديكارتي» في دراسة الأدب القديم، فظل هذا محصورًا في ذلك الأدب، ولم يكد أحد من بعده يشك في شيء، إلا ما بدا من تحايل في مشاريع «إعادة قراءة التراث». واجتزأ كبار المفكرين وصغارهم بهذا المنهج أو ذاك دون تدقيق نظر أو تمحيص أو نقد أو اجتهاد، وعلى وجه العموم بإطلاق يجافي طبيعة الأشياء وقواعد العلم ومتعلقاته. ولم تقف الأمور عند هذه الأحوال إلى حين الفترة التي أخرج فيها طه حسين كتابه (مستقبل الثقافة في مصر، 1938)، أي إلى قرابة الحرب العالمية الثانية، وإنما استأنفت الحراك نفسه من بعد ذلك. وذلك في ظل الهاجس نفسه، هاجس النهضة المعزز بأمر الوحدة والتوحيد. فلا دعوة طه حسين إلى الالتحاق بأهل الشمال لقيت آذانًا صاغية، ولا دعوة السلفيين إلى إحياء التراث وتحكيم الشريعة وإعادة دولة الخلافة والإسلام لقيت نجاحًا، ولا العمل من أجل بناء دولة عربية موحدة أثمر أو أفضى إلى نتيجة، ولا الفقر والأمراض والجهل تم دحرها» (الطريق إلى المستقبل، 1996).

هذه الأزمة-المحنة ما تزال شاهدة، تثير النظر والقول والسؤال.

أول القول هو أن التأسيس على منظور عربي متكامل متضافر شامل أمر بعيد المنال، عسير، مضلّل؛ لأن واقعة العام 1967 الخارقة، وما اقترن بها، عززا قلبًا للواقع وللمفاهيم وللمستقبليات الحالمة التي كانت على مرقى من التحقق، إذ جعلت من آمِرَيْ التوحيد والحرية سرابًا شقيًا، ومن غائية التضافر التقدمي الجمعي مطلبًا ضاربًا في مُتخيّل تغذيه قوى التقليد العدمية الصلبة، وسياساتُ التدخل الغربي الاستعماري الفاعلة، وعوارضُ النزعات «الوطنية» الضاربة في الفردانية العليلة البدائية. أصابت هذه النوازل فاعلية مفهومين تقليديين عظيمين: مفهوم «الأمة» الديني، ومفهوم «العروبة» القومي. فقَدَ هذان المفهومان فاعليتهما، وألقى ذلك بظلاله على العجز العربي الشامل وعلى الاستخذاء الإسلامي -وبخاصة «السني» منه- قبالة المحنة الفلسطينية وجملة الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنموية، وما يلحق بالخير العام.

تنبّه كل المعطيات على أن التفكر النقدي يظل، في حدود مساعينا الضرورية الحاكمة، هو الفعل الرئيس الذي ينبغي التنبيه عليه في أي قصد تقدّمي عربي فاعل، وعندي أن هذا الفكر ينبغي، قبل أي فعل بنائي عام، أن يتوجه إلى مراجعة ثلاث مسائل جوهرية تحكم حكمًا مباشرًا جملة الفضاءات العربية: المسألة الثقافية، والمسألة الدينية، والمسألة السياسية-الاجتماعية.

تثير المسألة الثقافية عندي ثلاث قضايا مركزية على الأقل: الموقف من التراث، والموقف من الحداثة، والاستقلال والأصالة الفكرية.

يشخص التراث في بنى تاريخية عدة: اللغة، والأدب، والعلوم الدينية والفقهية، والفلسفة وعلم الكلام والتصوف، والعلوم الطبيعية، والفنون والصناعات، والمؤسسات المدنية والاجتماعية والقانونية والإدارية، وغير ذلك. لا أُلحق النص الديني المؤسس، أي القرآن بما هو وحي إلهي، بالتراث؛ لأنه في تمثّلاته الإيمانية وفي حدوده الأنطولوجية ليس إنجازًا بشريًا «طبيعيًا». أما مادة (الحديث) فأُلحقها بما هو «إنساني». وأنا أجنح إلى أن أتمثل الصحيح منها بما هو ضرب خاص من «الإلهام» النبوي، وأنه «تاريخي».

وهذه «التاريخية» هي التي تثير اليوم الجدل الحاد والتعاند الأقصى بين من يُدعون بـ«القرآنيين» وبين من يمكن أن ننعتهم من جديد بـ«أصحاب الحديث». وأنا عند هذه المسألة وما يتعلق بها لا يهمني إلا أمر واحد ذو طبيعة «ثقافية»، هو أن المنظور التراثي-«الحديثي»- الذي يستبد بالعقل الديني ويوجه الدليل على نحو يتجاوز في مدى الاستخدام والإطلاق حدود الدليل القرآني، مدعو على نحو جازم إلى التحرر من التداول «السلفي» الغارق في السحر ومفارقة المنطق والواقع، والانحصار في التمثل العقلاني والمنطقي الصريح، وفي ما تنطوي عليه النصوص «المحكمة» من القرآن.

أقلّب النظر من جديد في وجوه التراث وفي جدواه، وتحضر أمامي أطروحات تراثية عدة كنت عرضت لها في زمن سابق: إحياء التراث، واستلهام التراث، وإعادة قراءة التراث. ما زلت أتمثل الأطروحة الأولى بما هي تعزيز للذاكرة التاريخية. لم أتبين الجدوى الواقعية من استلهام التراث الخالص لزمن آخر انقضى. وما زلت أرى أن إعادة قراءة التراث لا تفيد الواقع المباشر في شيء؛ لأن لهذا الواقع شروطه ومنطقه وأحكامه. وأخيرًا استقر القول عندي في الدفاع عن مبدأ «إبداع التراث»، أعني «إبداع تراث جديد»، هو التراث الذي نصنعه اليوم للحاضر، لكننا لا نضمن أن يكون ما نصنعه اليوم قابلًا للتمثل في المستقبل. تظل «التاريخية» هي المبدأ الحاكم في كل الظروف والأحوال.

والحداثة تعني قبل أي فهم آخر ما نعته (مارسيل غوشيه) بنزع غلائل السحر عن العالم، وذلك بتمثّل مبادئ ومناهج العقل والعلم والمشخص. وهي تقترن اقترانًا جوهريًا بالتنوير، الذي حدّه (كانت) بالقول إنه «خروج الإنسان من قصوره الراجع إليه هو ذاته»، أي القصور الذي هو المسؤول عنه، والذي هو عدم قدرة المرء على استخدام عقله دون قيادة الغير له. وهو يتقوّم بثلاثة عناصر متضافرة: العقل، والاستقلال الذاتي، والحرية.

تم استقبال المفهوم في الفضاءات الفكرية العربية الحديثة، لكنه كان استقبالًا حافلًا بسوء الفهم والتقدير، إذ أُجريت في المفهوم عملية اختزال معرفي راديكالي قاصر، انحصر فيها المستخدمون في الدلالة الدينية للمفهوم وتمثلوه في الغالب الأعم بما هو «خروج على الدين»، أو «تحرير للخطاب الديني»، أو «عصرنة الدين». لكن الحقيقة هي أن هذه المعاني «الجدالية» ليست هي ما يدل على المعنى الحقيقي للمفهوم؛ لأن ما يدل عليه على وجه الحقيقة هو أن قواعد التنوير ترتد إلى ثلاث: العقل والحرية والاستقلال الذاتي. وفي حدود التمثل الديني يعني التنوير «تعقّل الإيمان» والتحرر من الوهم والخرافة والهوى، أي تحرير الإيمان من العناصر الميثية والتاريخية المضادة للعقل وللعلم. لذا يلزم معاندي التنوير من الضاربين في «السلفية الدينية»، أو أهل الدين الذين يلهجون بزندقة المخالفين، أن يدركوا أن التنوير ليس، في طبيعته الذاتية الخالصة، مضادًا للدين وللإيمان، وأن الإيمان الغارق في الوهم والهوى والخرافة فقير ضحل مهدد على الدوام، وأن مستقبل العقل العربي منوط بالتزام قواعد التنوير، أي: العقل والحرية والاستقلال الذاتي.والاستقلال الفكري شرط جوهري للتقدم وقاعدة مركزية للكرامة والحرية والإبداع. وهو شرط غائب، على وجه العموم، في الحياة الثقافية والفكرية العربية؛ لأن ما هو شاخص شخوصًا يغشى الأبصار هو أن الفكر العربي المعاصر ما زال يشكو، أولًا، مما كان مالك بن نبي يدعوه «القابلية للاستعمار»، وثانيًا، من العجز الذاتي في الفاعلية الإبداعية. وأظهر ما يكون فيه هذا العجز أمران: فقر في الإبداع العلمي والتقني، والاستقالة الفكرية قبالة الفكر والإبداع الغربيين. بكل تأكيد، ليس ينبغي أن تناط المسؤولية بالقوى الفاعلة نفسها؛ لأن الإبداع ليس خلقًا ذاتيًا بإطلاق، وإنما هو محصّل تضافر شروط ذاتية من وجه وموضوعية من وجه آخر. والموضوعية هي الأخطر والأثقل؛ إذ هي الضامنة لشروط الإبداع: الكفاية الذاتية، والوفرة المادية، والاستعداد الروحي، وإطلاق الحرية في جملة أشكالها. وبكل تأكيد، لا يقتات الإبداع من شروطه الذاتية المباشرة وحدها، أي من الانحصار في مطلق المعطيات المباشرة؛ لأن حضور العالم بأسره قبالة وعي المبدع وتمثّله يظل شرطًا قطعيًا لعملية الإبداع الذاتي. وبكل تأكيد، تشخص الحضارة الغربية الظافرة منذ عقود وقرون بما هي موطن التقدم العلمي والفني والتقني والإداري والثقافي، الذي لا مفر من طلب منجزاته ومضاهاتها، وهي لا تملك إلا أن تسخر من الداعية السلفي المسلم الذي يزعم أن الغرب قمين بأن يقدم للعالم وللمسلمين العلم والتقنية، وأن المسلمين جديرون بأن يزودوا الغرب والعالم بالأفكار والقيم والهَدْي!

والمسألة الدينية في الفضاءات العربية تَعْلَق بجملة المسائل الشاخصة في الاجتماع العربي، وتمتد على محور يشهد تشكلات متفاوتة، آمنة حينًا، متفجرة صراعية حينًا أو أحيانًا أخرى، تلزم السكون والجمود حينًا، وتتقلب في الحركة والنشاط والعُصاب أحيانًا أخرى.

كان «فكر النهضة» يطلب «تجديد الفكر الديني» بإضفاء مقادير من الأنظار الاجتهادية العملية المعززة لمبدأ التقدم العام الذي كانت تطلبه مقاصد النهضة وفِعالها. وكان العلم والنظر الاقتصادي البنائي والاجتهادات الجريئة، لكن «العاقلة»، أعلامًا بارزة في هذه المقاصد. تعلّق رجال «التجديد الديني» بحاكم العقلانية المعززة بالعلوم الوضعية الحديثة.

بيد أن التطورات السياسية الكارثية التي شهدتها نهايات القرن المنصرم -إذ تم دحر تيار الحرية والعدالة والتقدم الاجتماعي والسياسي، وتعزيز فِعال التدخل الغربي الداعم للصهيونية- لم تلبث أن تُحدث فعلًا ارتجاعيًا في التمثلات الدينية للواقع والأشياء، نبتت معه معالم ومظاهر أشكال من التصور والفعل ضارية في مثال كارثي للدين والتدين أجنح إلى نعته بالسلفية العدمية المنحدرة من تراث ابن تيمية والمعززة بالوهابية. تشخص هذه السلفية اليوم بقوة، يسكنها فكر خوارقي سحري، متواطئ مع الاستبداد والتجبر، مخاصم للحرية والعدالة، مستغرق في تراث «حديثي» سحري، «منفتح» على الدولة الصهيونية، مخاصم لحركات التحرر والمقاومة.. تتمثل جملة الأحكام الشرعية «الحدودية» في حدود التكفير والقتل.. ينسب نفسه إلى مذهب (أهل السنة والجماعة)، ويناصب العداء للإسلاميين المعتدلين والليبراليين والعلمانيين وكل مخالفيه. في التمظهّر السلفي العدمي في الأقنية الفضائية الشاهدة «تزدهر» وجوه دعاة وشيوخ ينسبون أنفسهم إلى مذهب (أهل السنة والجماعة).

يتبقى في حدود هذه المراجعة النقدية المبتسرة لديناميات الحراك النقدي في أعطاف مطلب النهضة، ألّا أغفل عن التنبيه على أمر التقدم في حدود المسألة السياسية-الاجتماعية، وعلى أن الشرط الأساسي والجوهري الحاكم للمسألة السياسية-الاجتماعية في المجال العربي يظل هو آمِر الحريات الأساسية في فضاء الديمقراطية. يثير هنا السؤال: الديمقراطية الليبرالية أم الديمقراطية الاجتماعية؟ الجواب عندي: تفتقر المجتمعات العربية إلى الديمقراطية الاجتماعية المؤسسة على العدالة أكثر مما تفتقر إلى الديمقراطية الليبرالية التي تتقوم بمفهوم للحرية طاغٍ مستبد يفتقر إلى العدالة.

وختامًا لهذه المراجعة النقدية المبتسرة لديناميات الحراك «التقدمي» في أعطاف مطلب النهضة والتقدم، يظهر بوضوح أن «الوعي الشقي» هو الذي يستبد بمصائر المسألة السياسية-الاجتماعية والدينية والتاريخية والثقافية والتقدمية.. وأننا ما زلنا نجري خلف شيء يبدو كأنه عصيّ على مداركنا وقوانا.. أو إننا لم ننجح بعد في وضع السؤال!

فهمي جدعان، مفكر وأكاديمي أردني من أصل فلسطيني، متخصص في الفلسفة والفكر العربي والإسلامي. حصل على الدكتوراه من جامعة السوربون، ودرّس الفلسفة في الجامعة الأردنية وجامعة الكويت. تناولت أعماله قضايا النهضة والتقدم والتراث والحداثة، والعلاقة بين الدين والسياسة. من أبرز مؤلفاته «أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث»، و«المحنة»، و«الطريق إلى المستقبل»، و«المقدس والحرية».