يفترض الحديث عن الفكر العربي الحديث والمعاصر، اليوم، كثيرًا من التواضع والحذر، بحكم كوْنه يكتسي طابعًا إشكاليًا، ويترجم حالات متداخلة من الالتباس، والحيرة، والقلق، وذلك بسبب سطوة العديد من «الأحكام» القطْعية، في الغالب الأعم، من قبيل اعتبار هذا الفكر يتخبط في «أزمة» مُستدامة، وأن أصحابه يواجهون مآزق نظرية مُستعصية، وأن الإنتاج الذي يصرون على نشره «عقيم»، وأنهم «انسحبوا» من معمعة المشاركة في الشأن العام، وتنصَّلوا من المبادئ التحديثية أو التنويرية التي عمل المفكرون والمثقفون العرب على محاولة استنباتها في الفكر والمجتمع والسياسة والتاريخ العربي، منذ أكثر من قرنين. لذلك يبدو من الأليق التزام يقظة خاصة في مواجهة مختلف أشكال التعميم واللايقين والتعقُّد التي يشهدها واقع هذا الفكر، حتى إن العاملين في مختلف حقوله أضحوا يعيشون حالات من التوجُّس، وأشكالًا متفاوتة من التردد جراء الصعوبات التي تعترضهم في فهم التحولات الجارفة للواقع، وبالأخص صعوبات توقُّع المستقبل أو تخيُّله.

لقد اشتغلت أجيال من المفكرين، والمثقفين، والفنانين على أسئلة النهضة والتراث والحداثة، والمعرفة، والتقدم، والآخر، والديمقراطية في الفكر العربي طيلة مرحلتيه النهضوية والتحديثية؛ ودعت نخبة كبيرة منهم إلى الأخذ بمقومات الثقافة العصرية التي تعطي الأولوية للعقل، والتربية على التفكير، والحرية، والعدالة، والمبادرة. وأكدت على الابتكار، والمسؤولية في السلوك قصد إقامة مجتمع سياسي يعتمد على التعاقد بين إرادات أفراد أحرار؛ وألحّوا على التأسيس لنهضة ثقافية، وبناء رأسمال بشري واجتماعي كفيل بإنتاج أخلاقيات مُنتجة للمعرفة ومبادِرة في العمل، تستوجب نقلها بالتربية التي توفرها الأسرة، وبالتعليم الذي تقدمه المدرسة والجامعة، وبرصيد القيم والسلوك في المجتمع، وبقدرة المؤسسات على إنتاج النخب والكفاءات.

غير أن مسألة النهضة باعتبارها تطلعًا مستقبليًا، كما «مفهوم» الحداثة التي تناولتها الكتابات العربية الغزيرة، وبسبب التضخّم الفكري والاحتقان الأيديولوجي والسياسي المُقترن بهما، يتميزان بتداخل بين الخيالي والواقعي، والعقلاني وما يُضاده. فليس ثمة نهضة تأسست دون الاستناد إلى المعرفة العصرية التي تقوم على العقل والتجريب والتقييم، وعلى اكتساب أسباب تملّك الأشياء والطبيعة والمعرفة.

أما المفكرون العرب، ومنذ رفاعة الطهطاوي، مرورًا بخيرالدين التونسي، وعبدالرحمن الكواكبي، ومحمد عبده، وطه حسين، إلى عبدالله العروي، وهشام جعيط، وآخرين كثُر، فقد تفاعلوا مع التراث العربي الإسلامي والفكر العصري بدرجات متفاوتة، وبطرق تختلف باختلاف تكوين وتجربة كل واحد منهم وتموقعه في الفكر والمجتمع. لقد وجدوا أنفسهم أمام الحاجة التاريخية والحيوية للخروج من وضعية الحِجر، والانخراط في معمعة النهضة والتقدم، واجتهدوا، طيلة أكثر من قرنين، لبناء مشاريع نقدية تكشف عن أعطاب «العقل العربي» وتُشرِّح النماذج الذهنية التي تحصر الزمن في تصورات وممارسات تكرارية تعيد إنتاج الماضي. وللتحضير للانتماء إلى زمن العالم، دعا هؤلاء المفكرون، كلٌّ بأسلوبه، إلى التفاعل الإيجابي مع الفكر العصري، قصد التأسيس لبنيات تحتية تقوم على ثقافة الاجتهاد، والمبادرة، والحرية، والاعتراف بالذكاء الجماعي، والاستحقاق، والإبداع.

لقد أنتج المفكرون العرب مشاريع بيَّنت أن رهان الزمن العصري، ومقدمات استنبات فكر الحداثة، يتعين أن يرتكزا على إرادتين: إرادة المعرفة، وإرادة القوة، كما هو شأن العديد من التجارب النهضوية في تاريخ الإنسانية، واعتبار أن للتقنية أدوارًا حاسمة في تغيير أنماط النظر والتنظيم والعيش والتدبير والتواصل. وقدموا اجتهادات لا حصر لها لبلورة فكرة النهضة باعتبارها وعيًا بالتأخر ودعوة إلى تخطيه، كما عمل آخرون على تعميق فكرة الإصلاح من منظور اعتباره وعيًا بالخلل الذي يعتري مجتمعًا ما، وبالفساد الذي يستشري فيه، والتعبئة من أجل تجاوزه.

غير أنه من المفارقات التي عانى وما يزال يعاني منها المفكرون العرب كوْن البنيات الكفيلة باستقبال شروط النهضة والحداثة تتميز، في الكثير من مستوياتها، بطغيان التقليد الذي لا يكف عن التجدُّد في الذهنيات، وفي المؤسسات، وفي التركيبة الاجتماعية، وفي الموقف من المرأة؛ وينتعش بفوضى المدن، وتدني السلوك المدني، والنقص الظاهر في الثقافة العصرية، وفي مختلف مظاهر مقاومة تلقّي المُختلف. وتُعرِّض هذه العوامل مُجتمعةً المجهود الفكري والثقافي العصري لكثير من الالتباس والانتقاص من جدارة الاجتهاد والابتكار؛ بل إننا نجد من يستثمر شعارات النهضة والحداثة، لكنه يقوم بأدوار تُناقض، تمامًا، ما يدعيه، ويغيِّبها، في الواقع، حينما يتطلب السياق استنهاض مقومات التفكير، والتفاهم، والإبداع، وإنتاج مرتكزات التقدم.

ويلاحظ أكثر من باحث ومفكر أن تيارات الفكر العربي كافة تدور انشغالاتها حول النهضة باعتبارها قضية وأفقًا مستقبليًا، مهما كان اختلاف الصيغ واللغات والمرجعيات المستندة إليها؛ وما أُنتج حول موضوعها يتحدث عن «واقع مأمول التحقيق»، لأن التيارات والنزعات جميعها التي تشكَّل منها تتكئ على نموذج سلف، كما لاحظ محمد عابد الجابري: ماضٍ بالنسبة للإسلامي، وحاضر غربي بالنسبة لليبرالي واليساري في وقت من الأوقات، ليجد المرء نفسه، اليوم، أمام فكر حائر ومشوَّش بسبب الاهتزازات التي يشهدها الفكر الإنساني والأوضاع العالمية، وبفعل سطوة مظاهر التراجع والخراب التي تشهدها بعض المجتمعات العربية. وقد جعلت هذه المعطيات الخطاب العربي المعاصر يُعبّر عن وعي شقي دائم بالفارق بين الانحطاط والتقدم، وبين المثال والواقع. يعاني من أوهام، يقفز على الواقع، يلغي المكان والزمان، تطغى عليه آلية قياسية؛ بل ويذهب البعض إلى اعتباره تحوّل إلى «خطاب فاشل»، «مُستلَب»، يعبّر عن انفصام جلي بين الفكر والواقع، وعن تضخُّم وجداني وأيديولوجي، و«يُبدع» في إنتاج «ممارسات كلامية» تغيب عنها المعرفة وتهيمن عليها الأيديولوجيا وآليات التبرير.

لا شك أن أسبابًا عديدة حاسمة ساهمت في حشر المجتمعات العربية في مآزق لا حصر لها؛ فبالإضافة إلى الارتجاجات الهيكلية التي أحدثها الاستعمار التقليدي في كيانات هذه المجتمعات وخرائطها ومرتكزاتها، ثمة عوامل تظافرت لإضعاف عناصر التجديد والتقدم فيها أو التحضير لمستقبل مأمول، وفي طليعتها ما تقوم به الدولة الصهيونية، المؤسَّسة على أيديولوجيا دينية وحربية، لمنع وتدمير كل من يتهيأ من العرب لامتلاك مقومات الاستقلال والقوة؛ وما أحدثته الانقلابات العسكرية من ارتجاجات مؤسسية، واقتصادية، واجتماعية منذ خمسينيات القرن الماضي؛ وما نجم عن هزيمة يونيو 1967 من انكسارات ومراجعات؛ فضلًا عمَّا كان للتطرف الديني، المسنود سياسيًا وماديًا، من أدوار في مفاقمة مصادر الضعف، والزج بالفكر في مجادلات كلامية ماضوية، واستنزاف القدرات في مشاكل مُعطِّلة؛ وأما اقتصاد الريع، واستشراء مختلف أساليب الفساد ومظاهره في الأذهان، والمؤسسات، والمعاملات، فإنه اخترق أكثر المجالات الحيوية التي تحدد السياسات والقرارات؛ حيث نجم عن هذه العوامل مجتمعةً عودة بالبلدان العربية إلى وضعيات ما قبل الدولة في العديد من الأقطار.

ويبدو أن الاهتزازات السياسية والثقافية الكبرى التي تجري في العالم وفي العالم العربي تفرض إضفاء دلالة جديدة على مفهومي النهضة والمستقبل، وإدخال ما يلزم من النسبية على الفهم «المثالي» الذي يمنحه لهما بعض المفكرين والمثقفين. فقد نجد بلدانًا عربية، بفضل عوامل عديدة، ومنها النفط، تمكنت من إنجاز مظاهر «نهضوية» لا غبار عليها في البنيات التحتية، والخدمات الأساسية، والعمارة، وحتى في منصات الذكاء الاصطناعي، وغيرها، ولكنها ما تزال تشهد مظاهر تعثُّر على المستويات الفكرية والاجتماعية، ولا سيما في العلاقة بالمرأة والعدالة والفكر النقدي. كما أن الأحداث التي انطلقت منذ أواخر 2010 في أكثر من ساحة عربية عبَّرت، بزخم كبير، عن النزوع نحو التحول لإرساء قيم المجتمع الديمقراطي؛ غير أن عملية التحرر من ثقل التسلطية كانت تبدو سهلة بالشعارات والتطلعات، لكن، ولأسباب متداخلة، تحولت إلى وبال، وأنتجت تدميرًا لفكرة المستقبل ذاتها في أكثر من ساحة عربية.

ويُبيّن الفكر، كما يُظهر التاريخ، أن مفاهيم المعرفة والحداثة والنهضة والمستقبل في حاجة مستمرة إلى مراجعة وإلى إعادة تحديد، حسب السياقات والتجارب؛ كما هي في حاجة إلى الاجتهاد لإزاحة بعض الأبعاد الرومانسية، بَلْهَ السحرية، التي كثيرًا ما تحضر، بأشكال مختلفة، عند استدعاء الحداثة، أو التعبير عن التوق إلى مشروع نهضوي، أو إلى مجتمع يتطلع إلى الصعود.

لذلك، فإن الحديث عن الزمن أو عن المستقبل يتميز بوصفه حديثًا مُركَّبًا؛ واستدعاؤه في كل مرة يُعبّر، في واقع الأمر، عن قلق في الفكر وحيرة في فهم الذات، والواقع، والمجتمع، والثقافة، والتاريخ؛ وهي مستويات تتعرض لتحولات وتبدُّلات جرَّاء ما تمارسه التكنولوجيات المتجددة، اليوم، من تأثيرات على الحواس، والانتباه، والنظر، والفهم، والعلاقات التذاوتية، وطرق الفعل في التاريخ؛ وما تُنتجه الحياة في المدينة من أنماط تفكير وسلوك خلخلت قيمًا، وغيَّرت أساليب عيش، وأثَّرت في التواصل، والحب، والصحة، والعمل، وفي كل مستويات الحركة والتفاعل مع الآخر.

ومهما يكن نمط النقد التاريخي الذي أنتجه المفكرون العرب، فإن معاينة كبرى تفرض ذاتها على الجميع، تتمثل في كون الحديث عن المستقبل تراجع أو خفت منذ أكثر من عقدين، إلى درجة أن عددًا كبيرًا من المفكرين والباحثين يرون أننا أصبحنا عاجزين عن التفكير في المستقبل، وقلقين من محدودية قدرتنا على توقُّعه، أو جعله مرغوبًا فيه، كما قال بيتر فاغنر في كتابه «إنقاذ التقدم: كيف يمكن جعل المستقبل مرغوبًا فيه مجددًا» (2016). فثمة ثقافات اتكأت على ماضيها لتفتح لذاتها آفاقًا جديدة؛ وبفضل التعقل، والمبادرة، والتربية، والإبداع، صنعت أدوات وشروطًا سمحت للإنسان بالتحرر من التبعية للطبيعة، وبتجاوز أسباب ضعفه؛ بل إن العقل البشري يقوم، مع الاكتشافات العلمية الجديدة في مجال الطب والذكاء الاصطناعي، على استزادة قوى الإنسان وكفاءاته، واجتراح زمنية تتوافق مع تصوراته المتجددة للذات، والواقع، والآخر، والحياة، والموت.

لا جدال في أن الأمر ليس متوقفًا على ما يعرفه المشهد الفكري والثقافي العربي بشكل حصري، باعتبار أن العديد من المؤرخين، وعلماء الاجتماع، والسياسة، والاقتصاد في العالم لاحظوا كيف أن انتصار الرأسمالية، بعد سقوط جدار برلين، نجم عنه انسحاب مصطلح «التقدم» من قاموس السياسيين، والنقابيين، والصحفيين، والكتّاب. فكلمات «التقدم»، و«التقدمي»، و«الحركة التقدمية» غابت تقريبًا، وبشكل مفاجئ، عن الاستعمال والتداول، وكأن الرأسمالية، كنمط إنتاج واستهلاك وحياة، لم تعد مبنية على الاستغلال، أو أنها لم تعد مصدر استلاب واستعباد يتجدد بتجدد أنماط تراكمها. كما تم نسيان مفاهيم «الطبقات الاجتماعية»، و«الصراع الطبقي»، و«الاشتراكية»، وغيرها؛ وذلك بالرغم من تنامي مظاهر التفاوت الاجتماعي، وبروز أنماط جديدة من الاستغلال والانتقاص من عمل الإنسان وقيمته.

وبدأت مصطلحات جديدة تُستعمل على نطاق واسع في حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية، من قبيل «الإقصاء»، و«الفئات المُهمشة»، و«الأحياء الطَّرَفية»، وحلَّت صيغ أخرى محل الصراع، مثل «آليات فض النزاعات»، و«تدبير الاختلافات»، و«الوساطة»، و«احترام حقوق الإنسان»، وغيرها. وبدا أن العقل الليبرالي يُحسن تجديد آليات اشتغال الرأسمالية، وتغيير أنماط تراكمها، وطرق إنتاج خطابها، حيث فرض على الجميع، بدرجات متفاوتة، لغته العنيفة أو الناعمة، وألزم الجميع بمنطقه للزمن، كيفما كانت الاختلافات في فهمه، وتحليله، وتأمُّل مساراته.

ومع ذلك، فإن التقدم كحركة تاريخية لم يتوقف عن التحقق من طرف مجتمعات ودول خرجت، في العقود الأخيرة، من حالة التأخر والتخلف والتحقت بالدول «المتقدمة»؛ بل وتجاوزت نِسب نموها كل التوقعات، وتحولت إلى قوة حاسمة في الاقتصاد العالمي. ولعل الصين تمثل النموذج الأبرز لترجمة التقدم من شعار إلى إنجازات اقتصادية، واجتماعية، وتكنولوجية عظيمة؛ أكثر من ذلك، ومن منطلقات محسوبة لمصالحها، فإن الصين تَعْرض على العالم بدائل غير تلك التي تعودت الدول الرأسمالية أو المتقدمة على فرضها على البلدان الفقيرة في إفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية، لدرجة تبدو معها، بهدوء وإصرار، أنها بصدد صناعة عالم جديد، بخلخلتها للمركزية المالية، والاقتصادية، والتكنولوجية للولايات المتحدة الأمريكية، واستقطاب دول صاعدة، سواء في إطار البريكس، أو في استراتيجية طريق الحرير، أو في غيرها، وذلك لإعادة ترتيب ولادة نظام عالمي متعدد الأقطاب بالفعل.

لهذه الاعتبارات، يبدو أن النخب العربية كافة مطالبة بالتوقف عن حصر النهضة، والحداثة، والتنمية في تجلياتها المظهرية والسطحية التي لا أثر لها في حياة الناس، أو اختزالها في «الإقلاع» الاقتصادي وفي تحصيل «النمو وتراكم الرأسمال». فأغلب المجتمعات العربية في حاجة إلى نهضة فكرية وسياسية فعلية، وإلى تنمية ترتقي بعيش «المواطنين»، يكون لها أثر في الوعي والذوق والتمدن والحياة، ووقع على صعيد التوزيع العادل لخيرات البلاد.

لكن هذا الأفق يستوجب تصورًا للمجتمع يعتمد على نمط سياسي يسترشد بعقل عملي وعصري، ذي حس مُواطني ينخرط في اختيارات اجتماعية تضامنية حقًا. فمصداقية كل سياسة اقتصادية واجتماعية أو ثقافية تستمد عناصرها من عملية تأسيس فعلي لمقومات مادية وثقافية يتمثل انشغالها الأكبر في احترام كرامة الإنسان، وتسمح بتفتحه، وتوفر له شروط التعبير عن إبداعيته وملكاته، وتلبي له أغلب حاجاته الأساسية. والجواب العملي، وليس الشعاراتي، لكل دولة عن هذه الأسئلة هو الذي يقيس إنسانية سياستها، ويبرز الأبعاد الثقافية والحضارية لاختياراتها، أو، على العكس، يفضح ادعاءاتها وشعاراتها.

لقد أمسى من قبيل البديهي القول إن النهضة لا تتحقق بالتكنولوجيا فقط، لأن هذه الأخيرة يمكن اقتناؤها بالمال واستعمالها بالتكوين والتدريب. وتتمثل المشكلة، بالأساس، في تحضير رأسمال بشري قادر على المبادرة والالتزام، وفي إنتاج أشخاص قادرين على الإبداع في الاقتصاد والإنسانيات، وفي الثقافة التي يمكن، اعتمادًا عليها، بناء الإنسان نفسه.

من هنا أهمية الوعي برهانات الثورة الرقمية التي سمحت بتفجير ذكاء ابتكاري استثنائي؛ فسواء كنا متحمسين له أو قلقين من سطوته، ومن مخاطر الإدمان عليه، ومن مظاهر الاستلاب الذي ينتجه، فإنه بصدد خلخلة جميع المرجعيات والتراتبيات، ويساهم، بشكل غير مسبوق، في دمقرطة المعارف وتوفير المعلومة، كيفما كانت طبيعتها، لأكبر عدد ممكن من الناس.

نحن بإزاء «قلق وجودي» بحكم أننا نعاني من أعطاب كبرى، ولا نعرف كيف نخرج منها أو نخفّف من وطأتها علينا. وهي أعطاب تتمثل أسبابها الرئيسة في التسلطية، وفي الإصرار المستدام على إذلال الكائن، وفي ضغوط الدول العظمى ومناوراتها، وفي العدوانية الصهيونية، وفي التطبيع مع الفساد، وفي تردّي الجامعة، وفي استبعاد الثقافة العصرية والفكر النقدي.

ولذلك، فأي حديث عن المستقبل يتعين أن ينطلق من مشروع إصلاحي شامل، قادر على إطلاق حركية النهضة، عمادها مجال سياسي قادر على إنتاج التوافق الضروري من خلال النقاش السياسي والثقافي حول قواعد العقد الاجتماعي والعيش المشترك؛ ويتساوق مع يقظة فكرية وقيمية تحرص على وضع أطر مناسبة للاستثمار في المعرفة لتأهيل الرأسمال البشري المناسب، وعلى تحفيز ممكنات المبادرة، وعلى إعادة بناء أرضية ثقافية لإنجاح شروط استعادة الثقة في المستقبل؛ إذ لا يمكن جعل «التقدم» قاعدة وأفقًا إن لم نعتبر أن الحاضر أكثر أهمية من الماضي، مهما كان ثراء هذا الأخير وغنى متونه ودروسه، وأن نعمل على استثمار فكرة المستقبل وتحويلها إلى تطلُّع دائم.