من المسلَّم به أن كلّ فكر، أو كلّ مشروع، لا يبدأ من صفحة بيضاء، بل يرتبط بتراث سابق عليه. وعندما نطرح اليوم مشروع النهوض العربي، فإننا نشعر بضرورة ربطه بتراث ما. لكن أيَّ تراث نختار؟
لقد خاض الفكر العربي المعاصر منازعات طويلة لتحديد هذا الاختيار، ففضّل البعض المعتزلة، والبعض السلفية، وقدّم البعض الفلاسفة، والبعض الفقهاء، والبعض الصوفية. ويرجع ذلك إلى انخراط الباحثين المعاصرين في نزاعات الماضي، فتحوّل ما كان ينبغي أن يمثّل المقدمة إلى جوهر الموضوع، وما كان حافزًا للمشروع إلى لبّه. والسبب في ذلك أن قضايا اليوم لا تتقاطع، في معظمها، مع قضايا الماضي البعيد، وأن الخوض في تلك القضايا قد يلهينا عن القضايا المطروحة أمامنا اليوم.
ماذا لو أخذنا تراث عصر النهضة منطلقًا لطرح قضايانا الحالية، باعتبار أن وضعنا الراهن هو استمرار لذلك العصر، وأننا نواجه القضايا نفسها: السيادة الوطنية، والدولة، والتنظيم الاجتماعي العادل، والعلم، والتقنية، والتنمية، والتعليم، وحقوق المرأة، ووضع الأقليات، واللغة، إلخ؟
تراث عصر النهضة هو التراث القريب، مقارنة بما أدعوه «التراث البعيد»، المرتبط بعصور سابقة على الثورة الكوبرنيكية والثورة الصناعية والثورة الإعلامية. وهذا لا يعني الدعوة إلى عدم الاهتمام بالتراث البعيد، بل ينبغي أن يبقى ذلك التراث موضوعًا لدراسات تاريخية هادئة، لا تُسقط عليه مشاغل الحاضر، وإنما تقرؤه كما هو في سياقاته الخاصة، ولا تدفع الدارس إلى «التخندق» مع تيار دون آخر، فيفقد بذلك الموضوعية الضرورية لكل بحث علمي.
تراث عصر النهضة هو تراث القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهو ينقسم إلى تيارين أساسيين: تيار النهضة الأدبية، وتيار النهضة الدينية، أو ما يُعرف بالإصلاح الديني. ورغم كثرة الكلام عن هذا التراث، فإنه يظل، في الحقيقة، مهمَلًا إلى حد كبير، وذلك لسببين.
أولًا، اعتُبر أقل قيمة من التراث البعيد. ولهذا الحكم ما يبرره إذا قيّمناه في المطلق. فلا شك في أن عصر النهضة لم ينجب مفكّرين ذوي صيت عالمي مثل ابن سينا أو ابن الهيثم أو ابن رشد. لكن إذا أخذنا بعين الاعتبار أن عصر النهضة جاء بعد فترة طويلة من الركود والانحطاط، وأنه واجه وضعًا عالميًا يتسم بتفوق ساحق للحضارة الغربية، فإننا ندرك أن شخصيات مثل عبد القادر الجزائري، وخير الدين التونسي، ورفاعة الطهطاوي، وعبد الرحمن الكواكبي، ونظيرة زين الدين، والطاهر الحداد، وعلال الفاسي، إلخ، قامت بعمل جبّار لاستدراك ما فات، وإخراج العقل العربي الإسلامي من حالة العطالة، ووضعه على سكّة التفكير بحسب مقتضيات العصر الجديد.
وهذا هو ما يهمنا في الموضوع؛ إذ إننا لو أخذنا الشخصيات القديمة لوجدناها، بالفعل، ذات صيت عالمي، إلاّ أنها مرتبطة بمرجعيات فلسفية وعلمية متجاوزة، مثل الفلسفة الأرسطية والأفلاطونية، ولذلك فهي موضوع دراسة تاريخية أساسًا. أما مرجعيات اليوم فهي مختلفة، وقد حاول جيل النهضة فهمها والتفاعل معها، بينما أصبح جيلنا الحاضر أكثر قدرة على فهمها بعد تأسيس الجامعات الحديثة وانتشار الدراسات في الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، لكنه ربما أصبح أقل تفاعلًا معها لدى بعض الشرائح.
أما السبب الثاني، فهو أن المتن النهضوي خضع لتوظيفات أيديولوجية سافرة. لقد كان القرن التاسع عشر قرن انفتاح، اختلفت فيه الآراء والاتجاهات، لكن التقت فيه الأهداف والغايات. فأعرب جمال الدين الأفغاني عن إعجابه بشجاعة شبلي شميل، صاحب الدعوة إلى نظرية النشوء والارتقاء، رغم التناقض في التوجه بينهما. وجادل محمد عبده، وهو في أعلى منصب ديني، منصب الإفتاء، مثقفًا شابًا مهاجرًا من الشام هو فرح أنطون. ودافع عبد القادر الجزائري عن الطريقة الصوفية لابن عربي، وهو يواجه الغزو الاستعماري الفرنسي. ومثل الطهطاوي جسرا بين الاستشراق الأوروبي والعالم العربي بعد سنوات قليلة من حملة بونابرت على مصر، إلخ.
أما القرن العشرون فكان قرن الاصطفاف الأيديولوجي العنيف، وحاول كل تيار فيه أن يعيد تأويل مفكري النهضة ليجعلهم في صفه، فحصل تلاعب كبير بالنصوص والتأويلات. ومن الضروري اليوم انتزاع هؤلاء المفكرين من التوظيف الأيديولوجي، ومحاولة فهم فكرهم من حيث كونه محاولة تجمع بين الصواب والخطأ، وترتبط بظروفها التاريخية.
ومن الضروري، حينئذ، ضبط المتن النهضوي بطريقة علمية موضوعية، وإعادة نشر الأعمال الكاملة لمفكريه بالمعنى العلمي لهذه الكلمة، وتجنب التمجيد المفرط أو النقد العدمي، والاستفادة من تلك البدايات للمضي قدمًا، لا سيما أن إشكاليات عصر النهضة تظل إشكالياتنا إلى اليوم؛ لأننا لم نصل إلى مرحلة الحسم النهائي فيها حتى تصبح من باب المسلّمات المشتركة بين الجميع.
إن إعادة الاعتبار لعصر النهضة لا تعني العودة إليه. وإذا استعرنا من الفلسفة الهرمنوطيقية ثنائية الحد والأفق، قلنا إن ذلك الفكر ليس حدًّا نقف عنده، بل هو يفتح أفقًا نواصل التفكير والتجديد داخله. إنه منطلق، لا مرجع. فلا شك في أن الأجيال الحالية تمتلك من الأدوات المعرفية ما يتيح لها أن تفهم بطريقة أفضل العالم الحديث وتياراته واتجاهاته. وما ينبغي أن نحتفظ به من مفكري عصر النهضة ليس المضامين ذاتها، بل الحدوس التأسيسية التي تظل راهنة، وروح الجرأة والتجديد التي ميّزت أصحابها.
نحتاج إلى جرأة عصر النهضة حين أعطى الأولوية للعلم بالمعنى الحديث، حتى إن رفاعة الطهطاوي نبّه في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» إلى أن كلمة «العلم» لم تعد تعني العلم الديني، بل العلوم الطبيعية والإنسانية. وقد صدرت آنذاك مجلات متخصصة في تبسيط العلوم الحديثة، مثل مجلة «المقتطف» التي استمر صدورها عقودًا طويلة، بينما نرى اليوم افتقار المكتبة العربية إلى مجلات راسخة في تبسيط العلوم، أو اعتمادها على مجلات أجنبية مترجمة، كما نرى قلة الاهتمام بالعلوم الحديثة، مثل الفيزياء والرياضيات والكيمياء والبيولوجيا، خارج الدائرة الضيقة للمتخصصين فيها. وليس المطلوب اليوم أن نرجع إلى مجلة «المقتطف» لكي نفهم العلوم، بل أن نستلهم منها ذلك الإيمان بدور العلم الحديث في الرقي بالمجتمعات.
ونحتاج كذلك إلى جرأة ذلك العصر في موضوع التجديد الديني، كما فعل محمد عبده، مثلًا، في «رسالة التوحيد» التي كتبها على غير السائد في علم الكلام، من دون أن يعني ذلك انغلاقنا في مضامين هذه الرسالة، لأن التفكير في القضايا الدينية قد تطور كثيرًا منذ صدورها. ويبقى المهم المحافظة على مبدأ التجديد الذي يجعل الفكر الديني ملائمًا للعصر وللطموحات والحاجات المشروعة في المجتمع.
ونحتاج أيضًا إلى جرأة ذلك العصر في إصلاح العربية لتكون أسهل تحصيلًا وتداولًا بين الناس، فيتحدث بالعربية ويكتب بها الجميع وفي مختلف الميادين. أما كثرة التعقيد في النحو والإغراب في المفردات، فقد تكون ملائمة لعصور سابقة كان الناس فيها لا يتعلمون، في الغالب، إلاّ لغة واحدة، لكنها لم تعد ملائمة للوضع الحالي، حيث أصبح تعلم اللغات الأجنبية ضرورة للجميع.
بل إني أذهب إلى أبعد من ذلك، فأقول إن عصر النهضة، الذي ينقسم، كما ذكرنا، إلى تيارين رئيسيين، تيار النهضة الأدبية وتيار النهضة الدينية، ينبغي أن يُدرس بمنهجيات واحدة مقتبسة من العلوم الإنسانية والاجتماعية. وهذا التيار الثاني، المعروف بمصطلح «الإصلاح الديني»، ينبغي ألّا يظلّ منغلقًا على نفسه، خاضعًا للترديد والتكرار. وهذا ما دعوت إليه في كتاب أخير عنوانه: «علمنة الإصلاح الديني». وهي عبارة تبدو مفارقة، لكنها تشير إلى ضرورة التمييز بين الدين، بوصفه معطًى ثابتًا في التاريخ، والفكر الديني، بوصفه متغيرًا بتغير الظروف التاريخية. فلن تحصل النهضة بفكر ديني منغلق أو منقطع عن تلك المتغيرات.
وربما يفضّل البعض اليوم تجاوز مصطلحات تبدو في نظرهم قديمة، مثل «النهضة» أو «الإصلاح الديني»، بدعوى أننا دخلنا مرحلة تاريخية جديدة لا تصلح لها مفاهيم القرن التاسع عشر. غير أنني لا أرى مبررًا كافيًا لهذا الاعتراض. صحيح أننا ندخل اليوم عصر الذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية، لكننا لا نستطيع فهم هذه التحولات فهمًا تاريخيًا عميقًا إلا إذا ربطناها بالمسار الذي انطلق منذ الثورة الصناعية الأولى. فما نعيشه اليوم ليس قطيعة بقدر ما هو مرحلة جديدة في مسار طويل من التحولات التقنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
لقد بدأ هذا المسار منذ أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر مع الآلة البخارية، وانتقال المجتمعات الأوروبية تدريجيًا من الإنتاج الحرفي اليدوي إلى الإنتاج الصناعي (المكننة). ثم دخل مرحلة ثانية، منذ أواخر القرن التاسع عشر وخلال القسم الأول من القرن العشرين، مع الكهرباء والنفط والصلب، وظهور الإنتاج الصناعي واسع النطاق والاستهلاك الجماهيري. ومنذ سبعينيات القرن العشرين تقريبًا بدأت مرحلة ثالثة، ارتبطت بالإلكترونيات والحاسوب وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات. ونحن ندخل اليوم مرحلة رابعة، تتسم برقمنة الاقتصاد والمجتمع، وتزايد دور البيانات والخوارزميات، ثم الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات النشاط الإنساني.
وإذا لم نفهم هذا المسار منذ بداياته، تعذّر علينا أن نفهم دلالة مرحلته الراهنة. فالتحولات التقنية لا تظهر فجأة، بل تتراكم حلقاتها بعضها فوق بعض. وما حصل في القرن التاسع عشر، في العالم كله، هو أن الثورة الصناعية ووسائل النقل والاتصال الحديثة بدأت في تقليص المسافات بين المجتمعات، وكانت من المقدمات الكبرى لما نسميه اليوم «العولمة». ومنذ ذلك الحين لم يعد ممكنًا لأي ثقافة، ومنها الثقافة العربية، أن تظلّ مكتفية بذاتها، منغلقة على مرجعياتها الداخلية، وكأنّ بقية العالم لا يؤثر فيها.
ذلك أن تطوّر وسائل إنتاج المعرفة يؤدّي بالضرورة إلى تحوّل المعرفة نفسها، مثلما يؤدّي تطوّر وسائل الإنتاج المادي إلى إعادة تشكيل المجتمع. فحين تتغيّر التكنولوجيا لا تتغير الأدوات فقط، بل تتغيّر أيضًا أنماط العمل، ووسائل التعليم، وأشكال التواصل، والعلاقات الاجتماعية، وتمثّلات الإنسان لذاته وللعالم من حوله.
وقد استُعملت كلمة «النهضة» في القرن التاسع عشر في سياق من التفاؤل التاريخي، للتعبير عن الاعتقاد بإمكان استعادة الفاعلية الحضارية، وعن الثقة بقدرة المجتمعات العربية على التكيف مع الوقائع الجديدة التي فرضها العالم الحديث. وهذا السؤال نفسه لا يزال مطروحًا علينا اليوم، وإن تغيرت التعبيرات والظروف.
يمكن للإنسان أن يستعمل الآلة البخارية أو الكهرباء أو السيارة أو الحاسوب أو الذكاء الاصطناعي بثقافة بقيت في جوهرها خارج منطق الحداثة، فيظلّ مجرّد مستهلك لمنتجات الحضارة. ويمكن، في المقابل، أن يعيد النظر في ثقافته ومؤسساته وأنماط تفكيره بحيث تصبح في مستوى الأدوات الجديدة، فيتحول من مستهلك للحضارة إلى فاعل في إنتاجها.
من هذه الزاوية، لم تتغير الإشكالية الأساسية تغيرًا جذريًا. وما يزال الجدل قائمًا، في صيغ مختلفة، حول مسائل ليست بعيدة جدًا عن تلك التي تناولها رفاعة الطهطاوي أو خير الدين التونسي: كيف نتعامل مع الحضارة الحديثة؟ ماذا نأخذ منها؟ كيف نعيد تنظيم الدولة والتعليم والمجتمع؟ كيف نوفق بين المرجعيات الموروثة ومقتضيات العصر؟ وكيف نتحوّل من التلقّي إلى الإنتاج؟
وعلينا أن نعترف بأن علاقتنا بالحضارة الحديثة لم تُحسم إلى اليوم، وربما كان هذا أحد أعمق أوجه أزمتنا. فنحن نستخدم منتجات الحداثة التقنية بدرجات متفاوتة، لكننا لم نحسم دائمًا موقعنا من المنظومة الفكرية والمؤسساتية التي أنتجتها: من العلم الحديث، ومن العقلانية، ومن تنظيم الدولة، ومن الحريات، ومن البحث العلمي، ومن مكانة الفرد، ومن العلاقة بين المعرفة والسلطة.
فإذا اتفقنا على أنّ كل ثورة تكنولوجية لا تغيّر وسائل الإنتاج فحسب، بل تعيد تشكيل المجتمع بأكمله، فإنّ الثقافة، بوصفها جزءًا من المجتمع، لا يمكنها أن تبقى خارج هذا التحول. إنها مطالبة بدورها بالتكيف والتجدد، لا بمعنى أن تتخلّى عن كل ما ورثته، وإنما بمعنى أن تعيد ترتيب عناصره وتفسيرها في ضوء الشروط الجديدة للحياة.
ويظهر هذا الأمر بوضوح اليوم في النقاش حول الخوارزميات والذكاء الاصطناعي. فالحديث عن «الحوكمة الخوارزمية» قد يوحي أحيانًا بأننا إزاء أنظمة مستقلة تمامًا عن الإنسان، في حين أن الخوارزميات، مهما بلغت درجة استقلالها في المعالجة والتوقع، تبدأ من اختيارات بشرية تتعلق بالبيانات، وأهداف التدريب، وتصميم النماذج، ومعايير التقييم، وطريقة استعمال النتائج.
فالذكاء الاصطناعي لا ينشأ من عدم بل تعتمد أنظمته على بيانات تستخرج منها نماذج قادرة على اكتشاف أنماط وعلاقات، ثم استعمال ما اكتسبته في التنبؤ أو التصنيف أو توليد محتوى جديد. وهي لا تتلقى دائمًا قواعد ثابتة تحدد لها كل حالة على حدة، لكنها تتأثر حتمًا بنوعية الأمثلة والبيانات التي تتعلم منها، وبالكيفية التي اختيرت بها هذه البيانات وصُنفت ونُظمت. ولهذا فإن التكنولوجيا لا تلغي مسألة الاختيار الثقافي، بل تجعلها أكثر إلحاحًا.
وهنا نعود، في الحقيقة، إلى السؤال النهضوي نفسه: ما اختياراتنا نحن؟ وما الذي نريد أن نضعه في قلب عملية التحديث؟
هل نمتلك الجرأة على اقتحام العصر والمشاركة في إنتاج أدواته ومعارفه، أم نكتفي باستعمال منتجاته مع استمرار التوجس من منطقه الفكري؟ هل نشارك في صناعة المعرفة والبيانات والخوارزميات، أم نبقى مجرد مستهلكين لما ينتجه الآخرون؟ هل نكيّف أنظمتنا التعليمية ومؤسساتنا الثقافية مع التحولات الجديدة، أم نضيف أدوات حديثة إلى بنى تعليمية وثقافية ظلت على حالها؟
والسؤال نفسه يُطرح في المجال الديني. هل نميز بين الدين بوصفه مرجعية عقدية وروحية، وبين التدين والفكر الديني بوصفهما ظاهرتين تاريخيتين تتغير أشكالهما باختلاف المجتمعات والأزمنة؟ أم نصر على دمج المستويين، فنعتبر كل ممارسة تاريخية للدين جزءًا من الدين نفسه، ونحوّل بذلك كل مراجعة أو تجديد إلى تهديد للثابت؟
إن تجديد الفكر الديني لا يعني تغيير الدين، وإنما يعني إعادة التفكير في طرق فهمه وتمثله وممارسته في ظل التحولات التي يعرفها المجتمع. وهذا بالضبط أحد الأسئلة التي طرحها الإصلاح الديني في القرن التاسع عشر، وهو ما يجعل هذا التراث أقرب إلينا مما قد يبدو لأول وهلة، لكونه شاهدًا على محاولة الانتقال من ثقافة اعتادت العمل داخل نظام معرفي قديم إلى ثقافة وجدت نفسها مضطرة إلى التعامل مع عالم جديد.
فالتراث هنا لا يمنحنا الحلّ، وإنما يمنحنا سابقة تاريخية يمكن أن تعزّز الثقة بالقدرة على التغيير. إنه يذكرنا بأن مجتمعاتنا سبق أن واجهت صدمة حضارية كبرى، وأن عددًا من مفكريها لم يستجيبوا لها بالانغلاق أو بالرفض المطلق، بل بمحاولة الفهم والترجمة والاقتباس والإصلاح والتجديد.
وهذه الروح هي ما نحتاج إليه اليوم أمام العولمة والثورة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي. فالمطلوب ليس تكرار أجوبة الطهطاوي أو خير الدين أو محمد عبده، وإنما استعادة جرأتهم على طرح الأسئلة التي فرضها عصرهم، ثم امتلاك الجرأة نفسها لطرح الأسئلة التي يفرضها عصرنا.
ولا ينبغي أن ننسى أن كل تحول حضاري كبير يُحدث بالضرورة مرحلة من الاضطراب. فالقديم يفقد بعض وظائفه، والجديد لم يستقر بعد في مؤسساته وقيمه وقواعده. وتنشأ من هذا الانتقال مخاوف ومقاومات وصراعات على المعنى والهوية والسلطة. وهذا ما نراه اليوم أمام أعيننا مع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي.
ومن هذه الزاوية، لا يبدو مفهوم «النهضة» قديمًا، بل يستعيد راهنيته. فما دامت أسئلة الفاعلية الحضارية، والإنتاج العلمي، وإصلاح التعليم، وتجديد الفكر الديني، وتحديث اللغة، وبناء الدولة، والمشاركة في إنتاج المعرفة لم تُحسم بعد، فإن السؤال النهضوي لم ينته بعد.
بهذا المعنى، ليست النهضة اسمًا لمرحلة انتهت في القرن التاسع عشر، بل اسمٌ لإشكالية تاريخية لم تُحسم بعد.
محمد الحدّاد أكاديمي تونسي، متحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون وأستاذ كرسي اليونسكو للأديان من 2004 إلى 2016، له مؤلفات بالعربية والفرنسية وترجمات إلى الإنجليزية والإيطالية، منها: المدخل إلى فكر محمد أركون، مع ذكريات وأحاديث (2026)، علمنة الإصلاح الديني (2025)، ما الجامعة؟ (2025)، مواقف من أجل التنوير 2: من 11 سبتمبر 2011 إلى 7 أكتوبر 2023 (2025)، المدخل إلى دراسة النهضة والإصلاح في العصر العربي الحديث (2024)، الإسلام والعصر الحديث: نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح (2022).