لا شك أن رحلة المفكّر العربي المصري رفاعة رافع الطهطاوي إلى باريس في 1826، أعلنت بداية مرحلة جديدة في مجالات عديدة. ومع أنها بداية رمزية إلى حد بعيد، إذ مهدت لها أو سبقتها مبادرات ومساهمات أخرى، فإن رمزيتها تبدو للعيان على أكثر من صعيد. وقد ذهب الطهطاوي إلى العاصمة الفرنسية كأحد خريجي أهم المعاهد العلمية الإسلامية الدينية آنذاك، بناءً على توصية أستاذه الشيخ حسن العطّار، شيخ الأزهر الشريف وأحد أئمته ومن أصحاب الميول الحداثية. وكانت تزكية العطّار استجابة لاستشارة من الوالي الجديد محمد علي باشا عندما أراد إرسال بعثة من التلاميذ لتلقي التدريب في إتقان العلوم الحديثة وشتى فروع المواد الدراسية وفنونها في مدينة الأنوار، فجاء اختيار الطهطاوي كمرشد ديني وإمام للصلاة. وما لبث إمام الصلاة أن ولّى أنظاره صوب ما تعج به العاصمة الفرنسية من لغة وفلسفة وتاريخ وشعر وأدب وهندسة ورياضيات وعلم سياسة وجغرافيا وكل أنواع الفنون والعلوم.
ومع ذلك، لم يغادر الطهطاوي عالمه الديني الأزهري، لكنه أضاف إليه كل ما اطلع عليه وتلقنه ودرسه في فضائه الجديد، ولمدة خمسة أعوام أنتج خلالها وعند نهايتها كتاب رحلته «تخليص الإبريز في تلخيص باريز». وما صبّه وسبكه في هذا الكتاب يؤطّر على نحو لا لبس فيه بداية مسيرة الحداثة العربية، سواء على المستوى النظري البحت أو كوصف لما تجسّد من الحداثة عمليًا. وقد ربط الطهطاوي إمكانية نجاح الانطلاقة العربية الجديدة بمؤسسات وسياسات الدولة في طورها الذي افتتحه ولي أمرها وراعي شؤونها في مصر، والتي كانت لا تزال عثمانية في طاقمها الحاكم ونظمها وتقاليدها وأعرافها. ومن البديهي القول إن الحداثة في تركيبتها المصرية-العثمانية هي التي عاشتها وعاينتها وتأثرت بها معظم الأقطار العربية. وربما كانت سمتها الأساسية ثنائية «الأصالة والحداثة»، والتي استمرت إلى هذا الحد أو ذاك طوال القرن العشرين وما بعده. ولكن ظلّت الأصالة المفتعلة أو غامضة الأسس والمنبت هي التي تطغى وتسود وتتحكم بما يقال أو يتم السكوت عنه وحوله. ولكننا أضحينا جميعنا نجذّف المركب إياه الذي حمل الطهطاوي إلى باريس وعاد به مثقفًا عصريًا يسرد قائمة الكتب التي قرأها، ويتقن رواية تفاصيل حياة مؤلفيها بدقة المقيم والمراقب، ويدلك على أماكن معيشتهم والمؤسسات التي احتضنتهم والمحن والتجارب التي مروا بها وعانوا منها.
ولقد عبرنا وخبرنا الحداثة في ملامحها العربية تحت وطأة الاستعمار، ثم الاستقلال ومرحلة البناء الداخلي كدول ومجتمعات، وحاولنا أثناء كل ذلك جمع الصفوف والتكتل التضامني أو الأشد التحامًا، خاصة بعد ضياع فلسطين، وحققنا بعض النجاحات، لكن خابت آمالنا في معظم الأحيان. ونحن الآن لمّا نزل نحاول أن ننتقل بمجتمعاتنا إلى مرحلة جديدة بعد أن دخلنا مع دول العالم الأخرى القرن الواحد والعشرين وعصره الرقمي بتكنولوجيته المعلوماتية وحواسيبه والإنترنت. هنا بدأت تتبدل معالم الأشياء في إدارة الاقتصاد والحياة السياسية والاجتماعية. نحن الآن نختصر الزمان ونقلص المكان، ونلتقي ونتحاور ونتخذ القرارات بناءً على الاتصال والتواصل الفوريين، واستنادًا إلى بيانات وجداول معلومات تجود بها تقنيات تتطور وتزداد دقة باستمرار، يرفدها ويزيدها رسوخًا الذكاء الاصطناعي في كل الحقول والمستويات، والتي كانت كحقول ومستويات قد أضنت أجيالًا تتلوها أجيال، بدءًا بالطهطاوي ومرورًا بعلال الفاسي ووصولًا إلى محمود درويش. وقد استدعى كل ذلك منا السعي الدؤوب لاستيعاب ما يطرأ من تطورات ويستجد من تغييرات، واستجاب بعضنا بارتجالية خلّاقة، وتجاوب آخرون بتأنٍّ وتعمّق وحنكة، واكتفى البعض الآخر بتجاهل الجديد والتبدلات الاجتماعية والفكرية، معتبرًا إياها بدعة ستنال آجلًا أم عاجلًا عقابها ومصيرها الذي أعدته لها منذ البداية الحكمة الكونية. وها نحن، سواء بثقافتنا الارتجالية أو حنكتنا المتعمّقة أو تجاهلنا المتعمّد، نقف في طابور واحد يزداد طولًا باستمرار، ويوحي لعدد من المراقبين أننا نتساوى ونتماثل في القيافة والانتصاب أو الانحناء والتمايل يمينًا أو يسارًا، أو إطلاق الشكاوى أو الاعتصام بالصمت المدروس. إن طابورنا هذا قد ساوى بيننا بدون سابق تخطيط أو تصميم. إننا نواجه المشكلات إياها، بدءًا من لقمة العيش والكرامة وحرية الوجدان واللسان، وتمتد هذه المساواة من موريتانيا ومرورًا بالقاهرة ووصولًا إلى الربع الخالي. ونحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة الاستقلال وبناء الدولة وإنجاز وتشييد البنية الاقتصادية في معالمها الأحدث والأجدى.
وسواء ارتجلنا أو تعمّقنا أو قذفنا الوعد والوعيد، فإننا قد انتهينا جميعًا إلى ما نحن عليه، ونحتاج إلى بوصلة جديدة تساعد على الإبحار في مركب جديد، وتقودنا إلى بر الأمان، عسى أن نلتقط أنفاسنا ونتجه بأنظارنا صوب وجهة تلوح في امتدادها الشاسع واحة عربية تظللها أشجار دائمة الاخضرار، وتنمو في جنباتها ومنحدراتها وآفاقها كل ما تجود به الطبيعة والعلوم الزاهية وحذاقة الإنسان وذكاؤه وإبداعه وعقله.
ولعل أول ما ننتبه له في إطارنا الأممي أو الدولي هو التبدلات المتسارعة لميزان القوى العالمي. ولا يغيب عنّا أننا نتحرك في منطقة تتفاعل مع النظام الدولي الأوسع على نحو متعاظم، وهو نظام يزداد انغماسًا في شؤوننا انطلاقًا من موقعنا الاستراتيجي وكون أرضنا عقدة التواصل التجارية ومنبع الطاقة ومشتقاتها، ولا يفوتنا انهماك الدولة الصهيونية بتأجيج صراعاتنا، وبالتوازي مع مساعي الآخرين لتحقيق غايات مماثلة. ولا شك أن الصعود المدوّي لعدد من دول آسيا، وفي طليعتها الصين والهند، قد فتح آفاقًا جديدة للتعاون مع هذه القوى والارتكاز إلى مبدأ تعدد مراكز القوى والمعرفة في أبعادها وأطرها المتطوّرة باستمرار. ولا شك أن هذا الصعود الآسيوي يؤمّن لنا حرية أوسع وتحررًا أعمق لشق طريقنا في اتجاه المستقبل على نحو أشدّ اتزانًا وإثمارًا. كما أن هذه الانطلاقة نحو المستقبل هي التي تجذّر أصالتنا، إذ إننا نحن من سيقوم بالمهمة ويتصدّى للتحدي استنادًا إلى قوى ذاتية تحرّكها إرادة حرة وتتدفق بإبداعها الذاتي وخططها التي صاغتها انطلاقًا من تاريخها ومواهبها وتراثها.
إن هذه الركيزة الأساسية المستندة إلى الذات العالمة هي التي ترى في التحولات الكبرى ميدانها المفضل لجعل ما هو مجرد حلم أو أمنية واقعًا عمليًا نابضًا بالحياة. ونلمس بالتالي كيفية الانتقال بجامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية وأسس تشييد صناعاتنا الإبداعية والارتفاع بها إلى عالم جديد، حيث نعلن انتماءنا إلى مبادئه ومفاهيمه وأساليب عمله بدون تردد أو تشنج أو مناوشات صبيانية.
وقد أخذت تتكون بيئات حاضنة بين ظهرانينا، وهي تبدو وكأنها لا تزال في مطلع انبثاقها أو مجرد بذور لا بد من رعايتها، حيث تتحول في مرحلتها الأخيرة إلى نبتة مزهرة خضراء يفيء إلى ظلها بعد حين المسافر القلق والمغامر المنهك. ونبدأ بعد هذه المراحل الإعدادية بارتياد القمم المتتالية واحدة بعد الأخرى، والتي تتيح لنا مد الأنظار بعيدًا لإنتاج معرفة عربية تشرئب من عليائها صوب الرؤية المتكاملة التي تجعلها وجودًا تلقائيًا في امتداد مساحات هذا الكون المعنوي والمادي. ونحن لا نستنفد هنا شروط المعرفة التي تؤهلنا لنكون شركاء ذوي أصالة راسخة وحضور باهر في ردهات الحوارات التي تضج بها أروقة الإنسانية في أصقاعها المترامية، بل نشير إلى بعض الملامح التي تساعدنا على إنماء القناعات الصادقة لمواكبة العصر ومعالمه بعد طول تلكؤ وانتظار. ونحن ننطلق في تعييننا للأصالة عبر التأكيد على سعينا الدؤوب ككتلة تمور بالحياة لمواكبة القوافل التي لا تتوقف عن الذهاب والإياب لتنمية الأسس الحياتية لجماعاتها وأفرادها، وتحرص على إيلاء الاهتمام لكل فرد منها.
ولعل استحضار البعد التاريخي للظواهر وأساليب فهمها وتكوين المفاهيم حولها هو الذي يفتح أمامنا الأبواب الموصدة، ويضع أقدامنا على أرض صلبة للشروع في السير نحو غايتنا. ونعني بالبعد التاريخي إعادة تركيز رؤيتنا للتطورات والتحولات وما يرافقها من أحداث وقرارات، فنعيشها ونتلاءم معها عملًا وفكرًا ومؤسسات، ونتعامل معها باعتبارها مجالًا ينطوي على حركة المجتمع ككل. وهي بالتالي، أي هذه الحركة، ليست مجرد جزئيات تظهر وتختفي بدون أي رابط أو ارتباط فيما بينها. من هنا، فإن التطور في انسيابه المتواصل ليس أمنية تتكوّن في مخيلة قائد أو فرد فذ، بل هو التفاعل الديناميكي لمجموعة العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. وهو لا يتوالى ويتقدم وينعطف كقوة عمياء بغض النظر عن العنصر البشري أو الإرادة الواعية أو الظروف الموضوعية المحيطة به، إنه تفاعل الإنسان مع نطاقه الاجتماعي والسياسي والمادي وفيه، وضمن أطر غالبًا ما تتجسد في مؤسسات ونظم تدفعه إلى الأمام أو تعيق تقدّمه. وهكذا يبدو البعد التاريخي بهذا المعنى بناءً متعدد الأبعاد والأضلاع، حيث تتوزّع تاريخيته بين الماضي والحاضر والمستقبل. إذ إن بعده الأول يرود انبثاقه ويرافق نموّه إلى أن يصل إلى ما استقر عليه حاضره. وهو يفعل كل ذلك استنادًا إلى موقعه في إطاره الراهن. من هنا، فإن الراهنية هي التي تحدد زاوية الرؤية والمعالجة، وعندما نعرّج على الامتداد في الماضي البعيد أو القريب، فإنما نفعل ذلك بارتكازنا إلى لحظتنا التي نحياها وتحيا في داخلنا كعالم عبر من الماضي إلى الحاضر، وهو يتجه صوب المستقبل.
ونجد في هذه المعادلة النظرية مركزية العامل البشري في آفاقه الاجتماعية والفكرية، وضمن الحياة الثقافية وتشعبات فروعها الاقتصادية. وقد أطلق البعض على هذه الحركة الدينامية، وبالتالي المنهجية النظرية التي تصفها، عنوان: التاريخية أو التاريخانية. وهي تعني البعد التاريخي في نطاقيه الفعلي والنظري. ونضيف أيضًا تعبير «الأفق التاريخي» الذي يصف التكامل بين المجالات في الاجتماع البشري. فهي تعاين ظاهرة تستطيع مراقبتها مباشرة أو بأسلوب غير مباشر، يتراوح بين القدرة على رصد ما يجري أمامنا بواسطة ما يتوافر لدينا من بيانات ومعلومات ووقائع وإحصائيات وخبرة وتجربة شخصية، وما بات يجود به عالم الذكاء الاصطناعي من أجل دراسة الحاضر والتوجه إلى التعامل مع تحدياته ومطالبه. وقد نعود إلى وثائق وأرشيفات وآثار الماضي، فنعيد تفسير كل شيء استنادًا إلى معارفنا ومفاهيمنا، ولكن مع الحرص الشديد على إتاحة الفرصة للماضي نفسه للنطق باسمه وبمقتضى هويته ورؤيته هو للأشياء وأساليب التعبير. وهكذا نترك للماضي أن يقول كلمته كما ينطق بها لسانه، فلا نفرض عليه قولًا لا يقوله، ولا نستفزّه ليدلي بما ليس يفقهه أو يجول في باله، ولا يتراءى حتى في خياله. إن احترام الماضي في ماضيه هو أساس من أسس البعد التاريخي. وهكذا نجدنا نبدأ باستقصاء أفق التطور البشري، أي مساره انطلاقًا من حاضره الذي بلغه ماضيه. ونحن بهذا المعنى نفهم التاريخ في مسيرته المتكاملة والمطّردة كأبعاد وآفاق. وهو بهذا المعنى بنية تتكون من عناصر يحكمها ويحبكها انتظام داخلي وخارجي، وتتمتّع بطاقة ودفع ذاتيين للتحرك والتفاعل والانتقال في سياقها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والجغرافي إلى مستوى آخر وأفق جديد.
وهكذا نلاحظ أن التاريخية بأبعادها وآفاقها هي وصف وتشخيص وتدخل مباشر في تطوّر المجتمع بمؤسساته وثقافته واقتصاده وخلق التناغم والتوافق بين هذه المستويات وفق التجاوب مع روح العصر وما تستدعيه الظروف والسياقات. غير أن هذا التوافق مع روح العصر يدل على أننا يجب أن نهتدي بأدوات ومقاييس تنير أمامنا الطريق لكي نتلمّس الخطأ من الصواب والغث من السمين. ولم يعد أمامنا إلا العقل العلمي في هذا السياق بالذات. ولا يعني العقل العلمي أنه عصا سحرية تجد حلًا لكل مشاكلنا بغمضة عين أو رفّة جفن. ولكنه يفتح أعيننا لنبدأ باكتساب القدرة على معاينة الأشياء ومتابعة سلوكياتها وكيفية تشكلها وتركيباتها البسيطة والمعقدة. ولكن تشكل هذه الخطوة الحد الأدنى الذي تستلزمه موهبة امتلاك العقل العلمي. إن المعاينة لا تثمر أو تؤدي إلى الخروج باستنتاج معيّن بدون تزويدها بدليل يهدي سبيلها. فأنت لا تتنبّه عادة إلا لما قررت سلفًا أن تبحث عنه. وينبع هذا القرار من فرضية حول مسألة أو مادة ما أو نتيجة نظرية تفسر لك ظاهرة من الظواهر. ولكن قبل هذا وذاك، أصبح من المتفق عليه أن حركة الكائنات من جماد وحيوان وبشر تحكمها قوانين ثابتة، أو تنظم حركتها وسرعتها وهمودها وولادتها أو نموها إيقاعات منتظمة يمكن اكتشافها إذا اتبعنا أساليب معيّنة قائمة على المراقبة وربط ما نراقبه بعضه ببعض، ووفق معلومات تتعانق فيما بينها لتصل بنا إلى تحديد معقوليتها أو طريقة انبنائها وتفاعل أجزائها. وكان العقل العلمي في البداية مختلطًا بمجالات أخرى، غير أنه أخذ بتحقيق استقلاله التخصصي مع القرن الثامن عشر، وأصبح الآن صاحب مملكة يسودها بنفسه، وهو بذلك خرج نهائيًا عن تشابكاته السابقة مع حقول أخرى. والعقل العلمي يقوم على إجراء التجارب والمعاينة والتوصل إلى استنتاجات بناءً على هذه التجارب وما نتج عنها. غير أن هذا لا يعني أن العقل العلمي يعمل بكفاءة بدون فرضيات نظرية أو نظريات تحققت صحتها، وأصبح بالتالي ممكنًا استخدامها لفهم أو تفسير التجارب التي نجريها أو الظواهر التي نعاينها. والعقل العلمي يستخدم الرياضيات وعلوم الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والطب والهندسة وغيرها، وتصبح المعرفة بهذا المعنى خارج عالم الطلاسم والتعويذات والسحر والتنجيم، وتعلن انتصار العقل كقدرة إنسانية تبحث باستمرار عن الأسباب والدوافع الفعلية، وتلغي كليًا أجواء المؤامرة الدائمة وحكم الشيطانيات.
وإذا كنا نسعى إلى بناء مجتمعاتنا على نحو أشد رسوخًا وثباتًا، وندخل عصر اختصاص المعارف البشرية في حقولها الملتصقة بها، فإن هذا الاختصاص لا يكتمل بدون امتداده إلى حياتنا الاجتماعية. فكما أن للعقل العلمي عالمه الخاص به، فكذلك لا يمكن أن نترك الحقول الأخرى في وضع تداخلها الحالي، بحيث يؤدي عدم انسجام مكوناتها ومبادئ أصولها إلى الفوضى السياسية والقانونية والتشريعية.
إن حياتنا الاجتماعية تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، وسوف تتطلب باستمرار سن قوانين جديدة لتنظيم سيرها وانعطافاتها وتقلباتها. لقد جرت حتى الآن محاولات دؤوبة تمثلت في تبني قوانين مدنية منسّقة في مدونات بادرت إليها دول عربية عديدة، انطلاقًا من المشاريع التي أطلقها رجل القانون المصري عبد الرزاق السنهوري وغيره، وهي قوانين تستند إلى أعراف عالمية الطابع، واشتقها السنهوري من التشريعات التي أثبتت فائدتها وجدارتها في عدة بلدان بغض النظر عن خلفياتها الدينية. والقانون المدني هذا ينظم المعاملات والعلاقات المالية بين الأفراد أو الشركات العامة لتنظيم حياتهم ولتحقيق المساواة والعدالة والإنصاف في التوصل إلى إبرام العقود أو فض المشاكل والإشكاليات.
غير أن هذه القوانين المدنية التي استوحت اجتهادات السنهوري، ومع أنها تمثل بُعدًا من أبعاد ما ندعوه العلمنة، استثنت عمدًا قوانين الأحوال الشخصية، أي الزواج والطلاق والميراث والحضانة، كما أن المساواة بين المواطنين ككل في مجتمع معين، إضافة إلى المساواة بين حقوق المرأة والرجل، لا تكتمل العلمنة بدونها. إن تطبيق العلمنة في مجال الأحوال الشخصية أضحى فرضًا ملحًّا.
إننا أصبحنا في الجزء الثاني من العقد الثالث للقرن الواحد والعشرين، ونجدنا، كمجتمعات عربية، في أمسّ الحاجة إلى رؤية تحتضن البعد التاريخي وآفاقه، وتساهم في تعزيز العقل العلمي بحثًا وإنتاجًا وممارسةً، وتشيع أجواء استحقاقات العلمنة كمطلب اجتماعي يمس تفاصيل حياتنا العامة واليومية.
يوسف الشويري مؤرخ وأكاديمي لبناني، وأستاذ التاريخ وزميل البحوث الفخري في جامعة مانشستر، وأستاذ زائر في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. حصل على الدكتوراه من جامعة كامبريدج، وتركزت أبحاثه على كتابة التاريخ العربي، والقومية، ونشأة الدولة الوطنية، والأصولية الدينية والعلمانية. من أبرز مؤلفاته: «القومية العربية»، و«علم التاريخ العربي الحديث»، و«الأصولية الإسلامية»، و«سرديات العلمانية العربية».