منذ ابتعاث محمد علي باشا الطلبة المصريين إلى إيطاليا، ثم قراره عام ١٨٢٦م بإرسالهم إلى فرنسا، بإشراف الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي، لتلقي العلوم والمعارف الغربية، من أجل تجديد المؤسسات العسكرية والتعليمية والصحية وفق النموذج الأوروبي الحديث، لم ينتج عالمنا العربي مخترعا ساهم في تغيير وجه العالم مثلما فعل توماس إديسون الذي طور أول مصباح كهربائي عام ١٨٧٩، أو كارل بنز بصنعه السيارة عام ١٨٨٦، أو الأخوان رايت بتصميمهما الطائرة عام ١٩٠٣. وقد يجادل البعض بأننا أمة دعوة ورسالة، وأن إبداعنا المنتظر لا ريب موجود في هذه الأنحاء، غير أننا إذا ما استثنينا الإمام محمد عبده الذي كان معاصرا للطهطاوي، فإننا لا نكاد نجد مفسرا قد تجاوز الطبري في تفسيره بالمأثور، ولا الزمخشري في بيانه، ولا الرازي في منطقه وبرهانه، ولا عالما في الفقه والكلام يتخطى، في التأصيل والتفريع والاستنباط والقياس، ابن بركة أو الغزالي أو ابن تيمية، ولا عالم اجتماع قارب ابن خلدون، ولا عالم أنثروبولوجيا جارى الجاحظ، فضلا عن أن نجد فيلسوفا يضارع الفارابي وابن سينا وابن رشد، كي لا نقول كانط أو هيجل. بل لم يكن جانب كبير من إبداعات مثقفي عصر النهضة مثل مؤلفات قاسم أمين وأحمد أمين وطه حسين سوى امتداد لكتابات المستشرقين الأوربيين، أو رد عليهم كما في كتابات العقاد ومحمود شاكر.
ومما زاد طين الأسى بلة أن العالم العربي قد فقد في العقدين الماضيين، عددا كبيرا من أبرز أدبائه مثل محمود درويش ونجيب محفوظ والطيب صالح، ومفكريه مثل محمد أركون وعبد الوهاب المسيري ومحمد عابد الجابري، حتى غدا المثقف العربي بلا أب ثقافي يعينه في مواجهة تحديات العصر التي تجتاح مجتمعاتنا كالسيل، فيدربه على نقد النظريات التي تعج بها عوالم الإنترنت، وفضاءات مواقع التواصل، ويساعده على تمحيص الأفكار والتصورات التي تتناسل عبر برامج الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ولكيلا نقسو على العالم العربي، وحتى لا يكون كلامنا أقرب إلى جلد الذات، علينا أن نقر بأن ما تعانيه مجتمعاتنا تمر به كثير من المجتمعات الأخرى، فقد كشف مسح نشرته وكالة الشؤون الثقافية عام ٢٠٢٤ أن قرابة ٧٠٪ من المستجيبين أفادوا بانخفاض مقدار قراءتهم مقارنة بالسابق، وقد نبهت الروائية مينائي ميزومورا من خطر ضمور الرواية اليابانية الجادة، وانتشار روايات المراهقين التي تقول عنها: «تكتب جميعها بلغة باهتة لدرجة أنها بالكاد تخفي العقل الرديء الكامن وراءها». ويذهب تقرير «حالة الثقافة» الصادر عن منظمة العمل الثقافي الأوروبي عام ٢٠٢٤ إلى أن الثقافة في أوروبا لم يعد يُعترف بقيمتها في ذاتها، بل بمقدار ما تدرّه من أرباح، وقد أشار الفيلسوف البولندي زيجمونت باومان إلى أن المثقف في الغرب قد فقد دوره القديم بوصفه مشرّعا لقيم المجتمع، وكان المؤرخ الهولندي يوهان هويزينغا قد سبقه إلى القول إن أنسب استعارة لوصف الثقافة الأوروبية هي الباثولوجيا «المَرضيّة»، وأن العصر الأوروبي محموم تعتريه هلاوس جامحة وتشيع فيه تعبيرات خالية من المعنى.
وليس حال الأبوة الثقافية في أوروبا مختلفا عن حال عالمنا العربي؛ إذ لم يظهر فيها، في العقود الأخيرة، فيلسوف بحجم هايدغر أو برتراند رسل أو سارتر الذي وصفه ميلان كونديرا بأنه «آخر شخصية ثقافية عالمية كبرى»، رغم تضخيم بعض العرب شأن الفيلسوف المتصهين يورغن هابرماس الذي هلك العام الفارط.
إذن ليس من قبيل المبالغة الزعم بأن ثمة نظرة تشاؤمية إلى الواقع تجتاح العالم، ولا يقتصر أثر هذه النظرة على الثقافة وحدها، بل يمتد إلى البيئة والمناخ والتجارة والاقتصاد والسلم والأمن العالميين. إن البشرية اليوم تعيش حالة من القلق واللاطمأنينة تشبه مشاعر الفترات التي تسود قبيل الحروب العالمية الكبرى. إننا نعيش تداعيات فشل ما سُمّيَ، على غرار عصر السلام الروماني والبريطاني، عصرَ السلام الأمريكي «Pax Americana». لقد انكشفت الثغرات الكبرى التي تعاني منها الديموقراطية في صورتها الجمهورية؛ إذ أوصلت أمثال دونالد ترامب إلى قيادة أقوى الدول ليدمروها من الداخل، ويسخروها لتخريب العالم، ويتجلى ذلك في حرب ترامب المجنونة ضد إيران، وفي شبه احتلاله لفنزويلا، ومحاصرته لكوبا، وفشله في وقف الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وتواطئه مع إسرائيل لتستمر في جريمة الإبادة ضد الفلسطينيين واللبنانيين.
إن ما يعنينا في المقام الأول، بوصفنا مثقفين في العالم العربي، هو دراسة الأسباب التي أدت إلى ضمور الإبداع في بلداننا، وندرة الاختراع التي يقدمها علماؤنا ومختصونا، رغم التحديث الهائل الذي شهدته هذه البلدان منذ بعثة رفاعة الطهطاوي إلى يومنا هذا. ولا ريب أن الاحتلال الغربي كان له دور هدام في إعاقة التطور التعليمي والعمراني، كما أن وجود إسرائيل في قلب العالم العربي قد أسهم بشكل كبير في تعطيل جوانب عديدة من التنمية المعرفية والإبداعية، وتوجيه المقدرات والثروات إلى بناء الجيوش، والاستعداد لمواجهة العدو المتربص، والمليشيات الإرهابية التي يصطنعها، باسم القومية تارة وباسم الدين تارة أخرى، لتفكيك الدول العربية، وضمان ضعفها أمام تفوقه العسكري المدعوم غربيا.
بيد أن هناك عوامل ثقافية عدة لا يمكننا تجاوزها، وهي متصلة ببنية العقل العربي، في مقدمتها احتكار الدولة إدارة المؤسسات العامة، بما فيها الثقافية والإبداعية، الأمر الذي قد يشعر المفكر بعدم الاستقلال والمبدع بنقص في الحرية؛ إذ إن الإبداع بحاجة إلى فضاء حر ينمو فيه ويزدهر. أما العامل الثاني فيتمثل في اتصال الإبداع بالعدل، والشعور بالمساواة، واطمئنان المرء إلى أن ما ينتجه يعود بالخير عليه وعلى مجتمعه، ولا تستأثر بثماره حفنة من أصحاب المصالح، الذين يحتكرون النفوذ والثروة، ويفتكون ببراعم الإبداع. أما العامل الثالث فيكمن في العقلية الريعية التي تكتفي باستيراد التكنولوجيا بدلا من السعي إلى إنتاجها، وهذه الثقافة ليست حكرا على دول الخليج، بل تمتد إلى جل المجتمعات العربية التي توهمت أن النفط والغاز والأنهار التي تجري من تحتها كفيلة بتحقيق التنمية دون حاجة إلى تحول صناعي وبناء قدرات إنتاجية محلية.
وفي سياق الثقافة والإبداع ثمة عامل بالغ الأهمية، هو صراع الهويات؛ إذ نشب، مع تصاعد حركات التحرر من الهيمنة الغربية، صراع بين دعاة الحداثة والمعاصرة وبين دعاة التقليد والتراث، وما يزال هذا الصراع محتدما بين تيار لا يرى طريقا إلى المستقبل إلا بالسير عبر الشوارع الأوروبية، بالرغم مما في تلك الأزقة من روح استعلائية تنظر بدونية إلى ما سواها، ونزعة تعسفية تروم فصل الفكر العربي عن ماضيه الإسلامي، وتيار مضاد لا يرى سبيلا للنجاة إلا بالعودة إلى حياة السلف في بواكير عهد الإسلام، وهو يسعى إلى تأكيد ذاته من خلال خطاب يمجد الماضي ويدعو إلى محاكاته تحت ضغط الحاضر وويلاته. وقد سال حبر غزير من كلا الطرفين، ولعل أبرز نقاش جرى بين الفريقين هو ما دار بين الإمام محمد عبده (ت ١٩٠٥)، وفرح أنطون (ت ١٩٢٢)، وكانت علمانية الدولة وحدود التأويل أبرز مواضيعه.
لن يجدي تحسر كثير من المثقفين على اللبن المسكوب، ولا تذمراتهم التي لا تنتهي من الوضع المزري الذي وصلت إليه الحالة الثقافية العربية، فالتذمر ما لم تتبعه حركة إصلاحية، لا يفعل شيئا سوى إدامة مكوث الثقافة على عتبة الفناء تحت أنظار كثير ممن يتعاملون مع الثقافة بوصفها ترفا فكريا ومتعة ذهنية لا تفضي إلى غاية. إن أجدى ما يمكن القيام به في هذه اللحظة الدقيقة من تاريخنا الحضاري، هو التنادي إلى حوار يجمع من تبقى من المثقفين المرابطين على ثغر المعرفة والإبداع بالطليعة الشابة من الكتاب والأدباء الذين لم يمسسهم سوء الإحباط ومشاعر الهزيمة والخذلان، والتواصي بضرورة المداومة على العمل الإبداعي، والمثابرة على صيانة البناء الثقافي من التفكك والانهيار، فالوعي بخطورة اللحظة، وشحذ المتبقي من عزيمة الصمود لمواجهة الخطر الداهم هما رهاننا الأكبر.
ثانيا: لا ريب أن الثقافة حصيلة تراكمية لإبداع الأدباء والفنانين والمفكرين، لذا ليس مستبعدا أن تتضمن حلولهم المقترحة أفكارا نظرية متصلة بالقراءة وطريقة الكتابة وأساليب العرض والنقد. غير أن أزمة الثقافة العربية لا تنحصر في قناعات يمكن تغييرها بمجرد إضافة أدلة هنا وحشد براهين هناك حول أهمية الأدب والفن والإبداع، بل هي أزمة في الموقف العملي من الثقافة، وتحدٍ نابع من المصالح المتعارضة ومن سلوك قصدي يعوق العمل الثقافي، يصدر عن بعض الأفراد والمؤسسات والقوى الفاعلة في المجتمع. من هنا يتوجب أن تترجم تصورات الحل إلى خطوات عملية ذات أثر ملموس في الواقع، وهذا ما يقوم به نشطاء الحركات الأيديولوجية ودعاة التيارات الدينية الذين يحولون أفكارهم إلى برامج عمل منظمة؛ إذ الواقع لا يتغير بالمقالات المجردة، رغم أهميتها الحيوية، ولا بالدراسات الأكاديمية وحدها، ذلك أن التصورات التي لا يصحبها فعل تتلاشى، وتفاقم الشعور بالإحباط والفشل.
ثالثا: يتعين على المثقف أن يتنبه إلى غواية النزعة النرجسية التي قد تتلبسه، فيخيل إليه من سحرها أنه قطب الثقافة الأوحد، وأديب البريّة المتفرد، فيعيش في جزيرة معزولة عن الواقع، أسير وهم الاستغناء عن الآخر، فيبدأ من الصفر دون اعتراف بجهود من سبقه، ويعيد إنتاج المقولات التي ثبت فشلها، وهو يتوهم أنه تجاوز في عروجه المريخ نحو السماوات العلى، ولو أنه استحضر قول أبي حيان التوحيدي في المقابسة التاسعة عشرة: «النفوس تتقادح، والعقول تتلاقح، والألسنة تتفاتح»، لما وقع في فخ التكرار والدوران حول ذات الأفكار؛ إذ إن انقطاع الأديب والفنان والكاتب عن واقعه، وعن الناس من حوله، لا سيما المثقفين الآخرين، يفقده القدرة على التجدد، والاستفادة من كل حديث في تطوير ملكاته وشحذ فكره وسبك عباراته، ولا أقصد بالآخر هنا المثقف الذي يشبهنا في الاتجاه الفكري أو الجنس الأدبي وحسب؛ حيث لا يلتقي الشاعر الحداثي إلا بمثله، ولا الروائي إلا بروائي مثله، بل أعني مد الجسور مع المثقفين في الضفاف الأخرى، فيلتقي المحافظون مع الليبراليين، والمتدينون مع العلمانيين، والقوميون مع المعولمين. إن القطيعة مع الآخر لا تؤدي إلا إلى تخندق كل حزب ثقافي في حُفَره الصغيرة، وانهيار بنيان الثقافة على الجميع.
رابعا: حري بالمثقف أن يتجنب النظرة الفوقية إلى عامة الناس، وتوهم أنه وحده القادر على تحريرهم وقيادتهم وتنويرهم، فإن استسلم للوهم، فإنه إنما يستبدل خطابا أحاديا سائدا بخطاب أحادي من إنتاجه، فيُحلّ وصايةً محلّ وصاية، وتصورا لطريقة إدارة المشهد الثقافي بتصور من صنعه هو، دون مشاركة الناس عبر الحوار ومداولة الآراء، وسلسلة طويلة من المراجعة والنقد، فيغدو المثقف الدكتاتور الذي كان يحذر منه.
خامسا: لقد ارتبط مفهوم المثقف تاريخيا بنقد السلطة ومساءلتها، ثم تطور مع الماركسيين إلى خلق قيادات فكرية واجتماعية، واصطناع شبه سلطة بديلة للسلطة السياسية القائمة، ولأن أغلب الحكومات في العالم العربي قد تشكلت في أعقاب ثورات ضد الاحتلال، أو ضد الملكيات كما هو الحال في مصر والعراق وليبيا، وفي ظروف لم يكن لعامة الشعب ونخبه خيار فيها، فإن جل المثقفين العرب، لا سيما الذين لامسهم الخطاب الماركسي، يقفون موقف المتوجس من تلك الحكومات ومن مؤسسات الدولة التي تديرها. مما جعل كثيرا من المثقفين الفارين من رمضاء السلطة السياسة يكتوون بجحيم تجار السوق الذي يتعامل مع الثقافة كسلعة، غير أن مفهوم الدولة أوسع من الحكومة، ومؤسساتها ليست مُلكية خاصة للموظفين. فلا يجدر بالمثقف أن يقاطع تلك المؤسسات، مهما تنكر له القائمون عليها، بل حري به أن يمد جسور اتصال معها، وأن يوظف مهاراته الإبداعية في تجاوز العوائق البيروقراطية، وأن يستفيد من إمكانات تلك المؤسسات، وفق السبل التي تصون استقلاله، من أجل خدمة إبداعه وحفظ كيان الثقافة من التهاوي والانهيار.
والحال أن المثقف العربي بعد قرنين من بعثة الطهطاوي ما يزال يرزح تحت آصار الانغلاق على الذات، أو أغلال التبعية للآخر، وقد آن لهذه الأمة أن تمسك بزمام إصلاحها الثقافي، وأن تواجه التحديات المعيقة لإبداع أبنائها، لا سيما معضلة الهوية، والصراع بين التراث والحداثة، وأن تبتكر لإشكالاتها حلولا نابعة من بيئتها، بدلا من استيرادها من الخارج، فما من فكرة وافدة إلا وهي مشحونة بأزمات الواقع الذي نشأت فيه. شريطة ألا تنغلق على ذاتها، وتسد نوافذها عن الأفكار التي قد تعينها على التجدد. فحريٌّ بالمثقف العربي أن يتحرر من سجنه النرجسي وأن يمد يده إلى أخيه المثقف، وأن يمتلك القدرة على تمييز ما يستبعده من أفكار وما يستورده، وأن يتصالح مع مؤسسات مجتمعه، وأن يستفيد من إمكاناتها خدمة للصالح العام، وعلى الصعيد الخليجي عامة لا سيما العماني، حريّ بالمثقف أن يعي تأخر عملية التحديث في مجتمعه قرابة القرن والنصف عن إصلاحات محمد علي باشا، مما يقتضي الواقعية في مطالبه الإصلاحية، والتدرج في التغيير، فاستعجال النتائج قبل نضج شروطها قد يفضي إلى مزيد من الأزمات.
أخيرا، لقد آن للثقافة العربية أن تنفض عن أعطافها غبار النخبوية، وأن يتجه خطابها إلى عامة الناس، ليكونوا شركاء في بناء الثقافة، بدلا من استئثار النخب بالبناء والتوجيه، وقد أجاد محمود درويش حين قال: «قصائدنا، بلا لون بلا طعم... بلا صوتِ! إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيتِ، وإن لم يفهم البُسَطا معانيها، فأولى أن نُذَرّيها، ونخلد نحن... للصمتِ».
زكريا المحرمي طبيب وكاتب عماني