في عام 1826م كانت رحلة رفاعة رافع الطّهطاويّ (ت: 1873م) إلى فرنسا ضمن البعثة الطّلابيّة الّتي أرسلها محمّد عليّ باشا (ت: 1849م) إلى باريس، وكانت أول بعثة مصريّة نهضويّة بعد حملة نابليون إلى مصر (1798م - 1801م). أرسل رفاعة الطّهطاويّ واعظا في البعثة، لكنّه استغلّ وجوده فيها لخمس سنوات ليرجع في صورة تنويريّة مدارها الإحياء والنّهضة والانفتاح على المعرفة الأوربيّة المعاصرة، ومسايرتها في التّمدن والحضارة والعمران، ليلخص تجربته في كتابه: «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، وكتاب: «مباهج الألباب المصريّة في مباهج الآداب العصريّة»، وكتاب «المرشد الأمين للبنات والبنين»، وغيرها.

المدار التّنويريّ الّذي طرحه الطّهطاويّ وتحولاته:

هذا المدار الّذي طرحه الطّهطاويّ هو ذات المدار الّذي سيطرحه جمال الدّين الأفغانيّ (ت: 1870م) وعبد الرّحمن الكواكبيّ (ت: 1902م) ومحمّد عبده (ت: 1905م) في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر الميلاديّ. وأمّا النّصف الأول من القرن العشرين الميلاديّ هو فترة تشكّل التّيارات الفكريّة والإحيائيّة والحركيّة، والّتي أرخها المؤرخ العراقيّ المعاصر إبراهيم خليل العلّاف في كتابه: «محاضرات في تاريخ الفكر الفلسفيّ العربيّ المعاصر»، والّتي يمكن وضع مداراتها في «التّيار الدّينيّ الإسلاميّ - الإصلاحيّ، والتّيار الدّينيّ الإسلاميّ - القوميّ، والتّيار القوميّ التّاريخيّ، والتّيار الاجتماعيّ - التّقدميّ، والتّيار القوميّ الصّرف». بينما النّصف الثّاني من القرن العشرين وحتّى اليوم تمثل في مراجعة ونقد الإحياء العربيّ ذاته، شملت المراجعة مراجعة النّصوص الدّينيّة وأدواتها وعلاقتها بحركة الحياة والإنسان والدّولة.

التّمايز بين عُمان ومصر:

لكي نربط بين مصر وعُمان علينا أن نرجع إلى حالة ما قبل حملة نابليون على مصر، هناك فارق الدّولة، فعمان ظلّت متمسكة بذاتها في إدارة شؤونها حتّى في العهدين النّبويّ والرّاشديّ، فقط العلاقة بينهما كانت في جباية الزّكاة والمشاركة في الحروب، وبعد 132هـ أصبحت لعمان استقلاليّة مطلقة عدا في فترات متقطّعة من التّأريخ، وتمدّدت عّمان إلى أجزاء من فارس والهند الكبرى سابقا وجنوب أفريقيا، وكان لها انفتاح بحريّ واسع.

بينما مصر وإن كانت قامت فيها ممالك مصريّة خالصة في بعض الفترات إلّا أنّها عاشت تحت الدّول الإسلاميّة الكبرى، ومرّت بممالك متباينة من الأمويّين والعبّاسيّين، ثمّ الفاطميّين الإسماعيّليّة، وحتّى الأيوبيّين والمماليك السّنّة، وأخيرا العثمانيّين الّذين عيّنوا محمّد عليّ باشا كضابط في القوات العثمانيّة لمواجهة الفرنسيّين، وكان من أصول ألبانيّة أو تركيّة، ثمّ أصبح واليا على مصر عام 1805م، وأراد أن يكون لمصر استقلالها، فبنى دولة ملكيّة مركزيّة استمرت حتّى سقوطها على يد الضّباط الأحرار عام 1952م، وهي الحالة الّتي تعيشها مصر حتّى اليوم.

في فترة محمّد عليّ كان السّيّد سعيد بن سلطان (ت: 1856م)، وكان من أعظم حكّام آل سعيد، وكوّن دولة كبرى امتدّت من عمان إلى بندر عبّاس شمالا، وإلى شمال موزمبيق جنوبا. وانفتح على الأدوات النّهضويّة المعاصرة خصوصا في شرق أفريقيا، ومن جاء بعده اهتموا بالمعرفة والصّحافة والطّباعة. ولكن للأسف هناك ضعف فيما يرتبط بالجوانب البحثيّة المتّعلّقة بالثّقافة والنّهضة للوجود العمانيّ في شرق أفريقيا، عدا بعض الدّراسات حول الصّحافة والطّباعة وبعض الجوانب الاقتصاديّة والثّقافيّة، وغالبها يتمركز على الدّراسات السّياسيّة وترجمة الأعلام الدّينيّة والأدبيّة الشّعريّة خصوصا.

المشترك الجامع بين عُمان ومصر:

الجامع بين عُمان ومصر أمران، الأمر الأول كما يذكر محمّد عمارة (ت: 2020م) عن السّائح الفرنسيّ مسیو فولنی (volney) (ت: ١٨٢٠ م) «قد زار مصر وبلاد المشرق العربيّ، وخاصّة الشّام، ... ثمّ كتب رحلته تلك، وضمّنها وصفا للحالة الفكريّة في السّنوات الّتي سبقت ميلاد الطّهطاوىّ، فقال: إنّ الجهل في هذه البلاد عامّ شامل، مثلها في ذلك مثل سائر البلاد التّركيّة، يشمل الجهل كلّ طبقاتها، ويتجلّى في كلّ جوانبها الثّقافيّة، من أدب وعلم وفنّ، والصّناعات فيها في أبسط حالاتها، حتّى إذا فسدت ساعتك لم تجد من يصلحها، إلّا أن يكون أجنبيّا». هذه الحالة حينها في تركيا ومصر وبلاد الشّام لا يختلف أيضا عن عُمان.

الحملة الفرنسيّة على مصر لعبت «دور خطر الماس الكهربائيّ الّذي لامس عقول الشّرقيّين، وخاصّة المصريّين والعرب المشارقة، إلى الحدّ الّذي ينبه ويوقظ دون أن يصعق ويميت ... ولعبت بعثة العلماء الّتي صحبت الجيش الغازي أهم الأدوار عندما فتحت العيون، لا على علوم المواقيت والأهلّة والمواريث فقط، بل على الكيمياء والجغرافيا والطّوبوغرافيا والتّاريخ والإدارة والاقتصاد والفنّ وغيرها من العلوم العمليّة والإنسانيّة».

في مقابل حملة نابليون برز أزهريّان، أحدهما عمر مكرم (ت: 1822م)، برز كمناضل ضدّ التّمدّد الاستعماريّ الفرنسيّ، والثّانيّ حسن العطّار (ت: 1835م)، الأول ساهم في تمكين محمّد عليّ من إقامة دولة مركزيّة مستقّلة في إدارتها، والثّانيّ كان ملهما لمحمّد عليّ في التّحديث والنّهضة والإحياء، وألهمه بضرورة البعثات التّعليميّة إلى فرنسا خصوصا، وكان أستاذا ملهما لرفاعة الطّهطاويّ، وهو صاحب عبارة «إنّ بلادنا لابدّ أن تتغيّر أحوالها، ويتجدّد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها».

بينما عُمان كانت أسبق بكثير في علاقتها مع فرنسا، وحضور عُمان في الوثائق الفرنسيّة مبكّر جدّا إلى بدايات القرن السّابع عشر الميلاديّ، وكانت بينهما علاقات ملاحيّة وتجاريّة ودبلوماسيّة، توثقت بشكل كبير في جزيرتي فرنسا موريشيوس حاليا، وبوربون ريونيون حاليا. لكن هل نتج عن ذلك تأثير معرفيّ وتعليميّ وثقافيّ، خصوصا في الجزء الأفريقيّ؟ ما زالت الدّراسات البحثيّة والتّوثيقيّة حول هذا السّؤال -في نظري- ضعيفة جدّا، عكس الدّراسات المصريّة، والّتي وثقت نهضتها منذ فترة مبكّرة.

الأمر الثّاني ما بعد الحملة الفرنسيّة، وبدايات الإفاقة والإحياء بعد النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، وحتّى نهاية النّصف الأول من القرن العشرين، فمصر أدركت أهميّة الطّباعة والصّحافة وعلاقتهما بالنّهضة مبكّرا، فأنشئت مطبعة بولاق ما بين 1820م إلى 1821م، وأمّا الصّحافة بدأت مع الوقائع المصريّة عام 1828م. وأمّا عُمان في شقّها الأفريقيّ فهي وإن تأخرت عن مصر، إلّا أنّ مرحلتها في الطّباعة كانت مبكّرة، فأسّس السّلطان برغش بن سعيد (ت: 1888م) المطبعة السّلطانيّة في زنجبار عام 1879م، أمّا الصّحافة فتأخرت حتّى عام 1911م مع صحيفة النّجاح.

في عهدي السّيّد حمود بن محمّد البوسعيديّ (ت: 1902م)، وابنه السّيّد عليّ بن حمود (ت: 1918م) كانت العلاقة الثّقافيّة وثيقة بين زنجبار عاصمة الوجود العُمانيّ حينها في الشّقّ الأفريقيّ، وبين القاهرة عاصمة مصر، خصوصا في تبادل المعارف والكتب، ودعم الصّحف والطّباعة، مثلا «دعم السّيّد حمود جريدة المحروسة، وهي جريدة سياسيّة أدبيّة أنشئت عام 1875م في مصر، ودعمه لرئيس تحريرها كما في الرّسالة المرسلة من رئيس التّحرير إلى السّلطان حمود، والمؤرخة في 7 يناير 1901م، وقد أرسل سابقا رئيس التّحرير إلى السّلطان ذاته في 5 سبتمبر 1899م رسالة يرجو من السّلطان حمود دعمه لكتاب: سلافة العصر في شعراء العربيّة بكل مصر، ووصفه بأنّه من أنفس الكتب وأحسنها، على أن يكون اسم السّلطان في صدر الكتاب، «كما أرسل صاحب جريدة السّرور والمطبعة الوطنيّة بالإسكندريّة عبد المسيح الأنطاكيّ رسالة شكر إلى السّلطان السّيّد حمود، على دعمه لطباعة كتاب، وذلك بتأريخ 21 مارس 1901م».

وفي عهد السّيّد عليّ بن حمود أرسل عبد المسيح الأنطاكيّ في 19 يونيو 1905م رسالة «إلى السّيّد سالم بن محمّد بن سالم الرّواحيّ بشأن التّوسط لدى السّلطان عليّ بن حمود ليتحفه بالقصائد الّتي قيلت في والده لطباعتها في كتاب أو ديوان مستقل». «وأرسل مدير مجلّة الهلال جرجي زيدان إلى السّيّد عليّ بن حمود بتأريخ 4 سبتمبر 1906م، تفيد دعم السّلطان للمجلّة، وقد بلغت السّنة الرّابعة من عمرها، كما أرسلوا إليه خمس نسخ من رواية العبّاسة أخت الرّشيد، وخمس نسخ من تأريخ التّمدن الإسلاميّ في جزئه الخامس، وقد أرسل له سابقا في 19 أبريل 1900م كتاب جمّعه وسماه نوادر الكرم في الجاهليّة والإسلام، ووصفه بأنّه يحتوي على أشهر نوادر أهل الجود والكرم الّتي جرت لعهد البرامكة ومن جاراهم في السّخاء كمعن بن زائدة، وحاتم الطّائيّ، والخلفاء».

تأخر الشّقّ العُمانيّ عن النّهضة في القاهرة وزنجبار لأكثر من قرن:

في نهاية الدّولة اليعربيّة في النّصف الأول من القرن الثّامن عشر الميلاديّ، وانقسام العُمانيّين إلى حلفين: هناويّة وغافريّة، ومع مجيء أحمد بن سعيد (ت: 1783م) وحكمه عام 1744م، وتوحيده الأمّة العُمانيّة؛ إلّا أنّ هناك نزعة دينيّة إباضيّة توقفت عند رؤية المحكّمة الأوائل، وتنظير أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت: 150هـ) لها. هذه الرّؤية التّقليديّة توقفت عندها، ولم تحدث حولها مراجعات، أو تطوّر نظري، مع وجود تحولات عمليّة في تجربتها، «فالشّورى المطلقة تحوّلت تطبيقيّا في عُمان إلى وراثة في القبيلة أي في اليحمد، ولمّا قامت الدّولة اليعربيّة عام 1034هـ، ومبايعة ناصر بن مرشد اليعربيّ (1034هـ - 1059هـ) أول إمام يعربيّ، فمع التّقليد في المبايعة الخاصّة ثمّ العامّة، إلا أنّ الدّولة اليعربيّة مارست الوراثة في الأسرة الواحدة، وبالتالي أصبحت الإمامة فيهم ليست عن طريق التّقليد الإباضيّ؛ لهذا حصر الإمامة في أسرة ابن مرشد واجهت معارضة من قبل فريق متشدد يرونه خروجا عن المبادئ الإباضيّة في الشّورى، وحاول السّالميّ (ت: 1914م) تعليل هذا بقوله: إنّ الإمام لم يرث الحكم تلقائيّا، وإنّما يتولاه نتيجة البيعة أو انتخاب أهل الحلّ والعقد».

هذه النّظريّة التّقليديّة أوجدت أزمتين في التّأريخ العُمانيّ الحديث، في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، والنّصف الأول من القرن العشرين، الأولى بتأثير الفقيه سعيد بن خلفان الخليليّ (ت: 1871هـ)، والثّانية بتأثير الفقيه عبد الله بن حميد السّالميّ، حيث حدث انقسام سياسيّ باسم إقامة الدّولة الدّينيّة (الإمامة) في عُمان، نتجت عنه الأمراض الثّلاثة: الفرقة والجهل والمرض.

في ذات الفترة كانت أوروبا تجاوزت العصور الوسطى، وولدت فيها نظريّات سياسيّة ونهضة صناعيّة ومعرفيّة؛ بينما رجع العُمانيّون في الشّقّ العُمانيّ إلى ما قبل القرون الوسطى. ومع أنّ النّهضة عند العُمانيّين – كما أسلفت - بدأت باكرا في الشّقّ الأفريقيّ، وبدأت تداعياتها تصل إلى عُمان، إلّا أنّ عقليّة الفقيه حينها يرى ذلك كلّه من خداع النّصارى، وحرمة التّشبه بالكفّار. مثلا ألف السّالميّ كتاب «بذل المجهود في مخالفة النّصارى واليهود»، وهو ردّ على بعض العُمانيّين في الشّق الأفريقيّ، والّذين انفتحوا على المدارس العصريّة، وتعليم اللّغات الأجنبيّة، وتعليم المرأة.

دولة الإمامة لم تكن مدركة لما يسود العالم من نهضة معرفيّة وتعليميّة وصناعيّة وصحيّة، وحاول الإمام محمّد بن عبد الله الخليليّ (ت: 1954هـ) إصلاح بعض الجوانب الماليّة، وأوكل الأمر إلى المصلح اللّيبيّ سليمان البارونيّ باشا (ت: 1940م)، «فبدأ ببعض الإصلاحات الماليّة في إدارة المال العام، وأنشأ المدرسة البارونيّة في سمائل، إلّا أنّ إصلاحاته تمّت مواجهتها بالمعارضة من التّقليديّين والمنتفعين بدعوى إنّ هذا الأمر بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، ومن قائل إنّ هذا من عمل النّصارى لا نقبله، ومن قائل إنّ هذا لم نجد عليه آباءنا وأوائلنا، وهم أدرى منّا بالأصلح في البلاد».

الإمام الخليليّ ذاته لم يكن مستوعبا لأدوات النّهضة من إصلاح التّعليم، فكان يقتصر على الكتاتيب والدّراسات التّقليديّة في اللّغة والفقه وعلم الكلام، وكان يرى حرمة التّصوير وحتّى سماع القرآن من الأسطوانات، فضلا عن إرسال البعثات، وتعلّم اللّغات، والأخذ بأدوات النّهضة من إعلام وإصلاح اقتصاديّ وسياسيّ وقضائيّ، ولهذا بعد وفاته «أرسل علماء الإصلاح في ميزاب الجزائر رسالة إلى الإمام غالب بن عليّ (ت: 2009م) نصحوه فيها بتشييد المدارس والمعاهد والكليّات، وإرسال البعثات، وتعميم الصّناعات، وتأسيس المطابع والشّركات، وإصدار الجرائد والمجلّات».

ومع هذا حاول الإمام غالب إرسال بعض البعثات العلميّة، لكنّها كانت متأخرة جدّا، كما أنّ الانقسام السّياسيّ منذ عهد السّلطان فيصل بن تركيّ بن سعيد (ت: 1913م) وحتّى السّلطان سعيد بن تيمور (ت: 1972م)، مع محاولات إنشاء بعض المدارس العصريّة في عُمان كالسّعيديّة، وإرسال بعض البعثات كبعثة بغداد، إلّا أنّ الانقسام السّياسيّ ولّد جمودا وتخلّفا ورؤية فقهيّة غائبة عن الواقع مع الفريقين، عانى من آثارها العُمانيّون لأكثر من قرن من الزّمن، وهي فترة زمنيّة ليست هينة في تأريخ الأمم والشّعوب، إذا تفقد في حراكها الزّمنيّ طاقات وإبداعات أجيال تشيخ وتموت مع حركة الزّمن، لهذا لا يوجد في القطر العُمانيّ كتابات تساير النّهضة المعاصرة، عدا عند بعض من خرج من عُمان وعايش أمما تقدّمت عنّا بكثير، وهم قلّة لا تكاد تذكر.

1970م والتّحول النّهضويّ في عُمان:

يعتبر عام 1970م فارقا في تأريخ عُمان الحديث، بل في تأريخ عُمان كلّه من حيث النّهضة المعرفيّة، والتّنوع المعرفيّ، فقد انفتحت عُمان على معارف العالم وسبل تطوره، وانفتحت على التّحديث بأدوات العصر، وأرسلت العديد من البعثات العلميّة، وساهمت في إنشاء المدارس والجامعات العصريّة في غالب المعارف الإنسانيّة والتّطبيقيّة.

سؤال «ما الدّور الثّقافيّ؟» أصعب بكثير من سؤال «ما التّحديث؟»؛ لأنّ الأول مرتبط بالحداثة، ونقل النّاس من عالم ما قبل الحداثة إلى عالم الحداثة ليس سهلا، ويحتاج إلى نشأة أجيال تتطبع عليه؛ لهذا وجدت الدّولة العُمانيّة المعاصرة تحدّيات ثقافيّة واجتماعيّة تتطبع بها المجتمع نتيجة العزلة الّتي عاشها المجتمع لفترة طويلة من تتابع أجياله، بينما كان التّحديث سهلا جدّا؛ لأنّ عُمان توفر فيها كجيرانها من الوفرة النّفطيّة والمعدنيّة، بجانب موقعها البحريّ، وهذا ساعد بشكل أكبر في سرعة التّحديث.

هناك تحدّيات فيما يتعلّق بالانفتاح على المعارف غير التّقليديّة، والانفتاح على الفنون المختلفة، ومشاركة المرأة للرّجل، وخروجها إلى سوق العمل، وإعادة قراءة العديد من المفردات الدّينيّة والاجتماعيّة بروح العصر، والانفتاح على المفردات الثّقافيّة الإنسانيّة نتيجة السّينما والصّحافة والإعلام المعاصر، هذا احتاج إلى فترة ليست قصيرة لكي يتطبع المجتمع عليه.

ما الدّور الثّقافيّ الّذي تستطيع عُمان بناءه؟

نحن اليوم في عام 2026م، تجاوزت عُمان – كما أسلفت – العديد من جوانب التّحديث، وسؤال التّحديث اليوم ليس عن التّحديث ذاته، ولكن عن أنسنة التّحديث، أي كيف ننتقل إلى بناء بنية تحتيّة مدارها الإنسان، وليس الحجر وماديّة البناء، هذا يرتبط بذاته بأدوات ومفردات جماليّة إنسانيّة، ومنها الثّقافة المرتبطة بالإنسان.

إذا سؤال: ما الدّور الثّقافيّ الّذي تستطيع عُمان بناءه؟ ليس سؤالا عن مفردة الثّقافة كحالة اجتماعيّة توجد في أيّ مجتمع، ولكن عن سؤال الثّقافة كمفردة لها تأثيرها في بنية المجتمع سياسيّا واقتصاديّا واجتماعيّا، وكقوة ناعمة تساهم بشكل أكبر في خروج المجتمع إلى عصر ما بعد الحداثة، وبناء دولة قادرة على استيعاب المفردات الذّاتيّة للأفراد دون هيمنة الهويّات الانتمائيّة، والّتي أحيانا تعوق الإبداعات الفرديّة، وتريد المجتمع أن يتطبّع بصور تقليديّة معينة تهيمن على حركة تطوره وإبداعه.

الطّهطاويّ أراد أن ينقل العالم العربيّ والإسلاميّ إلى التّحديث؛ لأنّ مصر والعالم العربيّ عموما يعيشان حينها التّحديث بأدوات ما قبل عصر النّهضة الصّناعيّة، ومن يتأمل اليوم العالم العربيّ، ومنها عُمان، يجدها تعيش عصر التّحديث بأدوات ما بعد النّهضة الصّناعيّة، لكنّنا متأخرون جدّا في عصر الحداثة وما بعد الحداثة.

عُمان لم تعد اليوم تلك الدّولة المنعزلة عن محيطها العربيّ والعالميّ، بل لها ثقلها الدّاخليّ والخارجيّ، إذا عليها أيضا أن تتجاوز سؤال الثّقافة كما طرحه الطّهطاويّ، إلى سؤال الثّقافة كما يطرحه العقل المعاصر.

سؤال الثّقافة اليوم لا يتوقف عند الأدوات التّقليديّة في الجمعيّات والأندية والبرامج والمهرجانات الثّقافيّة، وإنّما سؤال الثّقافة من حيث المراكز البحثيّة التّمكينيّة، والقادرة على تمكين الجيل بأدوات المعرفة المعاصرة، وصناعة إعلام داخلي له قوته وتأثيره في المحيط الدّاخليّ والخارجيّ معا، يكون ملازما لتطور حركة الثّقافة في المجتمع، وصناعة عقول قادرة على النّقد والإبداع واستيعاب حركة الواقع المتسارع.

موقع عُمان الجيوسياسيّ فيما يتعلّق بالعلاقات الخارجيّة، يجعلها اليوم محلّ رضا إقليميّ وعالميّ، هذا يعطي عُمان مساحة للتّمكين الثّقافيّ، وصناعة مؤسّسات ثقافيّة تمكينيّة قادرة على الانفتاح على المعرفة والثّقافة، أيّا كان مدارها وصورتها، فالانفتاح الجيوسياسيّ إذا لم يسايره انفتاح ثقافيّ داخليّ؛ عمره لن يكون طويلا، وسيعاني من تحديات على مرور الزّمن، لهذا في نظري عُمان تستطيع أن تحقّق بناء ثقافيّا تمكينيّا في الدّاخل والخارج، ولكن يبقى سؤالا مفتوحا وفق مراكز بحثيّة، وليس وفق انطباعات وخواطر مقاليّة.

ثمّ لا يزال ينقصنا في عُمان ضعف المراكز البحثيّة، والحساسيّة المفرطة في الانفتاح الثّقافيّ، وضعف مسايرة الإعلام في ثقافة التّمكين في الأدوات الإعلاميّة الأفقيّة. فقد تجاوزت عُمان مفردة الثّقافة في خطّها الأفقيّ التّنوعيّ، لكنّها بطيئة الانتقال من مفردة الثّقافة العامّة إلى واقع التّمكين الثّقافيّ الرّأسيّ، والموافقة لسؤال الواقع اليوم الّذي نعيشه، بحيث تكون للمثقف العمانيّ قدرته في صناعة الثّقافة الجادّة، كما يجعل لعُمان أن تكون بيتا حاضنا للمثقف العربيّ خصوصا، والعوالم الأخرى عموما، وهذا يحتاج إلى أن نتجاوز حالة الحساسيّة والبطيء في الإقدام، فالعالم اليوم يتسارع بشكل كبير، ويتثاقف بشكل أكبر.

بدر العبري كاتب مهتم بقضايا التقارب والتفاهم ومؤلف كتاب «فقه التطرف»