يمنح تخصيص مسار للمسرح العُماني في مهرجان ظفار الدولي للمسرح فرصة لقراءة جزء من المشهد المسرحي المحلي من خلال ما يقدمه على الخشبة، وما يكشفه من اختيارات فنية وموضوعات وأساليب اشتغال، ففي الدورة الثانية اجتمعت على مسرح المروج أربع تجارب عُمانية مختلفة، هي: «مسامير الخلود» لفرقة أصالة، تأليفًا وإخراجًا لأحمد الجابري، و«عناية خاصة جدًا» لفرقة الرؤية من تأليف منذر السعيدي وإخراج عدي الشنفري، و«الرماد» لفرقة أوبار من تأليف إبراهيم الرواحي وإخراج محمد بن حيدر، و«السادن» لفرقة صلالة من تأليف عبدالله جحنون الحضري وإخراج خالد عمر الشنفري، وهي عروض تتيح النظر إليها خارج حدود المشاركة ذاتها باعتبارها نماذج لما يشتغل عليه المسرح العُماني اليوم من قضايا وأدوات ورؤى فنية.

لا شك في أن تخصيص مسار للمسرح العُماني مسألة لها أهميتها، في محافظة تحفل بالفرق المسرحية والمهرجانات المحلية. وإذا كانت العروض المشاركة تتحمل مسؤولية تطوير تجاربها في الدورات القادمة، فإن الفرق التي لم يحالفها الحظ في المشاركة مدعوة إلى مواصلة اهتمامها بالمسرح والسعي إلى الجودة؛ فمن يكتوي بعشق الخشبة السمراء يصعب عليه فكاكها.

في هذا السياق، يمكن النظر إلى العروض المشاركة من زاوية امتلاكها ممثلين يمتلكون أدوات جيدة في التمثيل، كما يُحسب لمؤلفيها اختيار قضايا محلية وإنسانية. فالمؤلف ابن بيئته، وصوته الإبداعي يتحمّل رسائل كثيرة يريد قولها عبر النص المسرحي، شريطة ألا تتزاحم الأفكار الدرامية فيظلمها الكاتب نفسه حين يضعها جميعًا في سلة واحدة.

إن التفات المؤلفين المحليين إلى نبض المجتمع ودق جرس الإنذار بشأن مشكلاته وما يعتملُ فيه من قضايا تحتاج إلى وقفة وتأمل وإصلاح، لا ينفصل عن رؤيتهم للفنون الشعبية واللهجات التي يستعينون بها لتعزيز الطابع المحلي. وهنا ينبغي السؤال: كيف يمكن للفنون الشعبية أن تكون جزءًا من بناء الفكرة والشخصية، لا مجرد إضافة استعراضية تستجدي إبهار الجمهور وتصفيقه؟

قد يرى أحدهم أن توظيف الفنون الشعبية واستثمار طاقاتها وأداءاتها الفنية في العرض المسرحي شأن خاص بالمخرج، لكنني أرى أن إلمام المؤلف بتاريخ هذه الفنون ومفرداتها وطقوسها مسألة مركزية. فإذا لم يُنتبه إليها انتباه الباحث الأركيولوجي، فإن استسهال استخدامها سيجعلها مجرد زخرفة أو «فواصل ترفيهية»، بتعبير باتريس بافي، بدلًا من اشتغال عميق يكشف أبعاد تكوين الشخصيات ويُسهم في تصاعد الحدث الدرامي.

ويتصل بتوظيف الفنون المحلية الضاربة في القِدم «رقص الطبل للنساء، وفن الشرح للرجال، وفن المدار المختلط» تنوع اللهجات المحكية في ظفار، الممتد من صرفيت إلى شرشتي وصلالة. وإذا أراد المؤلفون التعبير عن المجتمع بلهجاته وخصوصيته، فإن انتقال النص من فضاء المحلية إلى فضاء التسابق أمام جمهور عربي وأجنبي متنوع يستدعي التفكير في لغة بيضاء، أو وسائل أدائية تيسّر التلقي، حيث يضطرُ المتفرج القيام إلى فك الألفاظ في مستواها السطحي، ثم البحث عن دلالتها في مستواها الأعمق، ما قد يؤدي إلى أن يفقد العرض جماليته.

يعرّف باتريس بافي كوميديا الأفكار بأنها المسرحية التي «يُناقش فيها بطريقة ظريفة أو جدّية أنظمة أفكار وفلسفات عن الحياة» (قاموس المسرح، ص126). لا يقتصر فن الكوميديا على نوع واحد؛ فالكوميديا في الدراما كوميديات كثيرة، حصرها بافي في قاموسه ما يقرب ثلاثة عشر نوعًا. ويُفرق أيضًا بين الكوميديا الراقية، والوضيعة، والكوميديا القديمة.

وإزاء العروض العُمانية الأربعة أتساءل: هل تصارعت الأفكار داخل الحدث في بناء درامي مُحكم؟ وهل نشأت الكوميديا من هذا الصراع، أم تحولت إلى مواقف ضاحكة مستقلة عن القضايا التي تناولتها؟

الناظر إلى العروض العُمانية، يطرح ثلاث نقاط ترتبط جميعها بسؤال واحد: ما الذي أتاح للعروض تحويل قضاياها إلى فرجة مؤثرة وما الذي أعاق هذا التحويل.

أولها، مفهوم المسرح الشعبي والعروض الكوميدية الموجهة إلى الجمهور العريض، مقابل ما أطلق عليه بمسار «النخبة» الذي أتحفظ على تسميته. النقطة الثانية: خشبة مسرح المروج ومدى جاهزيتها الفنية الكاملة لتقدم عليها عروض المسار الثالث. منذ انتهاء الدورة الأولى للمهرجان وحتى انعقاد الدورة الثانية، يعاني المسرح من صعوبات في تجهيزات الصوت والإضاءة، والانتقالات التقنية. وأرى أنه كان بالإمكان تفادي بعض الصعوبات بتجهيز مسرح بديل في إحدى المدارس أو الكلية. صحيح أن المخرج هو المسؤول الأول والأخير عن تجهيز الخشبة بما يتناسب وعرضه الذي سيقدمه، لكن ذلك لا ينفي المسؤولية المشتركة. ومع تقدير الجهود التي بذلها المنظمون لتذليل الصعوبات، فإن تجهيز مسرح المروج يحتاج إلى معالجة فنية تضمن للفرق شروطًا ملائمة لتقديم عروضها

أما النقطة الثالثة، فهي فن الممثل والإخراج، فقد كشفت العروض عن طاقات تمثيلية لدى عدد من الشباب، يمتلكون إحساسًا بالشخصية الدرامية وقدرة على التقمص والانتقال بين نص المؤلف وتوجيهات المخرج، واستطاع بعضهم بحكم الخبرة الطويلة والتراكم، إضافة لمسات في الحوار والأداء.

في «عناية خاصة جدًا»، حقق الممثلون معادلة السهل الممتنع؛ إذ تتحول المواقف الحزينة إلى كوميديا جادة. فقضايا الفساد والرشاوى والمحسوبيات والتراتبية الاجتماعية بين الفقير والغني تتجاوز حدود المكان، فتغدو المستشفى صورةً لبيئات إدارية متباينة، تعكس الداخل الإنساني، وما يجري في الخارج من فساد وترهل في القرار الإداري. ويُحسب للعرض نصه الجيد ومخرجه الذي أدار الممثلين والخشبة باقتدار واضح.

أما «السادن» فيناقش استغلال المعتقدات والجهل والجشع المادي للسيطرة على الآخرين كاشفًا الضعف البشري والتناقض بين داخل الإنسان وخارجه. واستعان المخرج ببعض الفنون التراثية التي تزخر بها ظفار، ووُفّق في توظيفها كمؤثرات صوتية، لكنها غابت في مواقف كثيرة عن أن تكون محرّكًا للأحداث أو شاهدًا عليها.

وفي «مسامير الخلود» يُحسب للمؤلف اختيار حكاية ينفتح عنوانها على تأويلات متعددة. يبدأ العرض بمنظر صادم للدمار والخراب، يوحي بالواقع السياسي للأحداث في عالمنا العربي، ثم يغوص في النفس البشرية وقد غابت عنها القيم وأعلت حب الماديات. ففي بيئة أناس بسطاء يعملون في النجارة، يُعلن عن مسابقة لصناعة كرسي الملك، يبحث النجارون عن المسامير في وقت محدد، ما يلبث أن يتصاعد الصراع بينهم بفعل الرغبة في الخلود، حتى نشاهدهم يسقطون في الوحل. وبالرغم من قوة النص كشف العرض عن حاجة المخرج والممثلين إلى مزيد من التدريب على عناصر الأداء وإدارة الخشبة.

ويتصل بهذه الحاجة عرض «الرماد» الذي يُحسب له عنوانه الرمزي، لكن مؤلفه ومخرجه حمّلاه قضايا مجتمعية وإنسانية تفوق قدرته على معالجتها. ولم يخلُ العرض من رسائل وعظية عن القذارة التي تسكن النفس البشرية، في مقابل القمامة وحاوياتها التي شكّلت ديكورًا يرمز إلى العفن الداخلي. وبرزت ثنائيات تمثيلية جيدة في الكوميديا رفعت من سقف الضحك، لكنها أسرفت فيه على حساب تماسك العرض وتصاعد أحداثه.

لقد أظهر هذا المسار حضور الكوميديا وقدرتها على معالجة القضايا المجتمعية، وأرى أهمية تثبيته وتعزيز حضوره المستقل في الدورات القادمة مع تخصيص جلسات للتعقيب النقدي تتناول مكونات العروض.

لا يكفي أن تثير الكوميديا ضحك المتفرجين حتى تبلغ غايتها المسرحية. فثمة فرق بين موقف ضاحك يستمد وجوده من الفكرة الدرامية، وآخر يستقل عنها بحثًا عن استجابة فورية من الجمهور. ولعل ما تكشفه العروض العُمانية أن ثراء القضايا لا يضمن بالضرورة ثراء المعالجة، وأن الممثل مهما امتلك من أدوات لا يستطيع وحده تعويض ما يعتري النص أو الإخراج من اختلال. إن التحدي الذي يواجه هذه التجارب لا يتعلق بقدرتها على إضحاك الجمهور، بل بقدرتها على جعل الضحك طريقًا إلى الفكرة، لا بديلًا عنها.

آمنة الربيع باحثة أكاديمية متخصصة فـي شؤون المسرح