كتبتُ في وقت سابق في عمودي هذا عن مخاطر الذكاء الاصطناعي، وطرحتُ سؤالًا بدا لجميع من ناقشتهم في الأمر غريبًا، بل ومقلقًا: هل نحن بحاجة إلى الذكاء الاصطناعي؟ نعم، نحن قادرون على تطويره، ونستطيع المضي بعيدًا في ذلك، لكن هل هذا ما نريده حقًا لأنفسنا وللأجيال القادمة؟ قوبلتْ مخاوفي هذه غالبًا باعتبارها صادرة عن القلق المعتاد من التقنيات الجديدة. ثمة نظرية في الإعلام لطالما أزعجتني أثناء دراستي، هي «نظرية انتشار الابتكارات» Diffusion of Innovations لإيفرت روجرز، وتُستخدم هذه النظرية لفهم كيف يتبنّى الناس التقنيات والوسائط الجديدة، إذ تقسمهم بحسب سرعة التبنّي إلى خمس فئات: المبتكرون، والمتبنون الأوائل، والأغلبية المبكرة، والأغلبية المتأخرة، ثم المتأخرون. ويبدو أنني، في حالة الذكاء الاصطناعي تحديدًا، أقف الآن بكل ارتياح في صف «المتأخرين».
قرأتُ لاحقًا دراسات نقدية لأطروحة روجرز تعطي شرعية لانزعاجي من النظرية، بل إن روجرز نفسه اعترف في طبعات لاحقة من كتابه بما سمّاه «التحيز المؤيد للابتكار» Pro-Innovation Bias: أي الميل إلى الانطلاق من افتراض ضمني بأن الابتكار ينبغي أن يُتبنّى، وأن تبنّيه بسرعة أمر محمود، فيما يصبح الرفض أو التأخر في التبنّي وضعًا بحاجة لتفسير.
تضع النظرية المستهلكين على خط واحد يمتد من الأسرع إلى الأبطأ، بينما قد لا يكون «المتأخر» متأخرًا لأنه خائف من التقنية، أو أقل قدرة على فهمها، أو لأنه لم يصل إليها بعد. قد يكون موقفه واعيًا ومقصودًا: لأنه لا يستطيع تحمّل كلفتها، أو لأنها لا تخدم حاجاته، أو لأنه يرفض شكل الحياة الذي تفرضه، أو لديه اعتراض أخلاقي أو بيئي عليها، أو لا يريد المساهمة في نموذج اقتصادي يزيد من تركّز الثروة والسلطة. هنا لا يعود عدم التبنّي مجرد تأخر زمني، بل يمكن أن يكون موقفًا اجتماعيًا أو سياسيًا أو جماليًا.
ذهبت دراسات لاحقة إلى نقد الفكرة القائلة إن الطبقات الأعلى «تقود» التبنّي ثم تلحق بها الطبقات الأدنى لاحقًا، لأن هذا التصور قد يحوّل علاقة اجتماعية وطبقية معقدة إلى مجرد اختلاف في سرعة التبنّي. وظهر في أدبيات الانتشار كذلك مفهوم «التحيز في لوم الفرد» Individual-Blame Bias، أي تفسير عدم التبنّي من خلال خصائص الفرد نفسه، بدلًا من النظر إلى البنية الاجتماعية والاقتصادية التي تحدد خياراته وإمكاناته أصلًا.
يتعامل الناس اليوم مع أي موقف أبديه تجاه الذكاء الاصطناعي كما لو أنني أرفض الانصياع للزمن نفسه، وكأنني أقف على أعتاب العصر الصناعي بما صاحبه من ضجة ومقاومة ورفض اجتماعي واسع إزاء مرحلة جديدة من التاريخ. ومن ناحية أخرى، يعتبرون أن موقفي هذا قادم من كوني أكثر المهددين من هذا التغيير، باعتبار أن الكتابة قبل كل شيء آخر قد تندثر، وهي ليست مجرد ممارسة بالنسبة لي، بل الطريقة التي أعيش بها وأكسب منها دخلي.
لم تعد هذه المخاوف محصورة في هوامش النقاش حول الذكاء الاصطناعي، بل باتت أصوات مهمة في الصحافة وفي المشهد العالمي الأوسع تتحدث عنها بحدة متزايدة. الصحفي والكاتب ناثان ج. روبنسون، الذي لطالما عدت إلى كتاباته، كتب خلال هذا الأسبوع مشيرًا إلى أن اختزال مخاطر الذكاء الاصطناعي في كونها مجرد ضجة تسويقية تصنعها شركات التكنولوجيا يبدو له تفسيرًا غير مقنع، خصوصًا أن هذه الضجة نفسها تدفع الناس إلى الخوف من التكنولوجيا والنفور منها. ويقول إننا أمام تقنية شديدة القوة والخطورة، تكاد تكون غير خاضعة لأي تنظيم، وتهدد بإلحاق أضرار هائلة بالمجتمع بطرق متعددة، بينما تسيطر عليها شركات ربحية لديها حافز قوي للمجازفة لأن هاجس الربح يحكم قراراتها إلى حد مرضي. وحتى إذا وضعنا جانبًا مسألة فناء النوع البشري، فإن المخاطر القائمة بالفعل كافية وحدها لإثارة القلق: من تسهيل تصميم الفيروسات القاتلة وتصنيع الأسلحة الكيميائية، إلى توسيع نطاق الاحتيال والابتزاز الإلكتروني على نحو غير مسبوق.
وفي موضع آخر، يتساءل روبنسون عما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيمنحنا فعلًا شيئًا يستحق كل هذه الكلفة، أو على الأقل شيئًا لا تفوق أضراره فوائده بفارق هائل. فهو يضع في الجانب السلبي إمكانية تسهيل بدء جائحة، وإنتاج المواد المزيفة وتحويل مهارات راكمها الناس عبر سنوات إلى مهارات لم يعد السوق بحاجة إليها، وإخراج الفنانين والموسيقيين والمصممين من سوق العمل وغيرها. وفي المقابل، يسخر من بعض الوعود اليومية المتواضعة للتقنية، قبل أن يعود إلى السؤال الأهم: إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحدث ثورة في الطب ويساعدنا على علاج الأمراض، لكنه في الوقت نفسه قد يسهّل ابتكار أمراض جديدة، فهل كانت الصفقة كلها تستحق ذلك؟ وكما أشرت في بداية المقال، يسأل روبنسون، لا عما إذا كانت هذه التكنولوجيا قوية وقادرة على تحسين قطاعات مختلفة، بل ما إذا كنا سننتهي، بعد كل شيء، في حال أفضل أم أسوأ، وما إذا كان هذا هو المستقبل الذي نريده فعلًا.
يقولون لي: إذا لم تواكبي ذلك فسيبتلعك كل شيء، وستبقين وحدك في الخلف بينما يتقدم الجميع. وأتساءل: ما الذي حدث، بالضبط، عندما كانوا يطوّرون القنبلة الذرية؟ وهل كان علينا، بالمنطق نفسه، أن نسارع فورًا إلى تطوير كل ما تسمح به التقنية لمجرد أن الآخرين يفعلون ذلك؟ هل علينا مثلًا أن نطوّر سريعًا مسيّرات ذكية وصغيرة، كما تفعل إسرائيل، قادرة على الدخول من نوافذ البيوت العائلية الصغيرة، وإصدار صوت بالكاد يُسمع، ثم اغتيال من في الداخل وتبخير جثثهم؟ نعم، ينبغي إذن أن نتطور سريعًا: لكي نغتال بعضنا بعضًا بكفاءة أكبر، ونستبعد بعضنا بعضًا بسرعة أكبر، ونحوّل مزيدًا من البشر إلى فائض لا حاجة إليه. والأهم، في نهاية المطاف، أن يفوز المجرم وأصحاب رؤوس الأموال الجشعين.