**media[3519813]**


يظهر الإعلان على شاشة الهاتف في اللحظة المناسبة بعبارات "خصم 50%، آخر فرصة، الكمية محدودة "، ويتوقف المستهلك للحظات، فيشعر أن الفرصة التي أمامه لا تتكرر، وقد يدخل إلى المنصة لشراء سلعة واحدة، ثم يجد نفسه يضيف منتجات أخرى إلى سلة المشتريات حتى لا يفوّت "العرض"، وعند إتمام الدفع، يكون السؤال الحقيقي قد غاب خلف جاذبية الخصم: هل كان سيشتري هذه السلعة أصلًا لو لم يشاهد الإعلان؟
ومع انتشار التجارة الإلكترونية والإعلانات الموجهة، أصبحت قرارات الشراء تتأثر بأساليب تسويقية تستند إلى الاستعجال والندرة والخوف من تفويت الفرصة. في حين قد تمثل العروض وسيلة حقيقية للتوفير عندما ترتبط باحتياجات مخطط لها، فإنها قد تتحول في حالات أخرى إلى محفز لإنفاق إضافي لم يكن ضمن الميزانية.
وفي هذا الاستطلاع، ترصد "عُمان" كيف تؤثر الإعلانات والعروض الترويجية على السلوك الشرائي، وما الذي يجعل الخصم توفيرًا حقيقيًا، ومتى يصبح سببًا للإنفاق؟ كما تستعرض آراء مختصين من "هيئة حماية المستهلك" وخبراء في الاقتصاد السلوكي حول أبرز الأساليب التسويقية، والضوابط التي تحكمها، والخطوات التي يمكن للمستهلك أن يتخذها قبل قرار الشراء؟

**media[3519816]**


قال الدكتور أحمد بن سعيد البوسعيدي، مدير عام المديرية العامة لخدمات المستهلكين ومراقبة الأسواق: إن هيئة حماية المستهلك تتابع الممارسات الإعلانية والترويجية من منظور حماية المستهلك وضمان حقه في اتخاذ قرار شراء حر ومستنير، خصوصًا عندما تتضمن الإعلانات معلومات غير واضحة أو مضللة قد تؤثر في قراره.
وأوضح أن بعض الأساليب التسويقية تعتمد على الاستعجال والخوف من فوات الفرصة وجاذبية الخصم، ما قد يدفع المستهلك إلى شراء سلع لم تكن ضمن احتياجاته الأصلية، ومن أبرز الممارسات التي قد تؤثر في قراره، الإيحاء بانتهاء العرض بشكل وشيك دون أساس حقيقي، واستخدام عبارات مثل "آخر فرصة" أو "الكمية محدودة" دون أن تكون المدة أو الكمية محدودة فعليًا، إلى جانب الإعلان عن نسب خصم مرتفعة دون توضيح السعر السابق أو شروط الاستفادة من العرض.
إخفاء الشروط والقيود
وأشار البوسعيدي إلى أن من صور التضليل أيضا إبراز سعر منخفض مع إخفاء الشروط والقيود، أو تقديم توصيات عبر المؤثرين بصورة توحي بأنها تجربة شخصية محايدة رغم كونها ترويجًا مدفوعًا، فضلًا عن استخدام أساليب بيع ضاغطة تحد من قدرة المستهلك على المقارنة والتفكير.
وأكد مدير عام المديرية العامة لخدمات المستهلكين ومراقبة الأسواق أن الممارسة الإعلانية تصبح مخالفة عندما تتضمن معلومات غير صحيحة أو ناقصة أو أسلوبًا من شأنه خداع المستهلك أو تضليله. وأوضح أن المادة 20 من قانون "هيئة حماية المستهلك" تلزم المزود والمعلن بالشفافية والمصداقية، وتحظر الدعاية والإعلانات الزائفة أو المضللة، كما تحظر اللائحة التنفيذية الإعلان الذي من شأنه إيقاع المستهلك في الخطأ أو التضليل.
وبيّن أن العروض الترويجية والتخفيضات تخضع لمتطلبات تتعلق بالوضوح والشفافية، إذ تنص المادة (31) من قانون حماية المستهلك على عدم إجراء العروض الترويجية أو التخفيضات على السلع والخدمات إلا بعد الحصول على التراخيص والموافقات المطلوبة، فيما توضح المادة (35) من اللائحة التنفيذية ضرورة تقديم بيان بطريقة إقامة العرض والمنشورات الإعلانية الخاصة به، والتنسيق مع الهيئة للتحقق من عدم وجود عروض أو إعلانات مضللة.
وأضاف أن إعلان "خصم 50%" يجب أن يعكس تخفيضا حقيقيا يمكن التحقق منه، مع توضيح شروط العرض ومدته والسلع المشمولة به. وأشار إلى أن الهيئة سبق أن اتخذت إجراءً بحق مركز تجاري أعلن عن تخفيضات وعروض عبر أحد المروجين في شبكات التواصل الاجتماعي دون الحصول على الموافقات المطلوبة، وفرضت عليه غرامة إدارية قدرها 1000 ريال عُماني.
ولفت إلى أن الهيئة تولي اهتماما متزايدا بالإعلانات والممارسات التسويقية في البيئة الرقمية، في ظل توسع التجارة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات الموجهة، وتشمل الرقابة متابعة الإعلانات والعروض الرقمية والتحقق من توافقها مع قانون حماية المستهلك ولائحته التنفيذية، إلى جانب استقبال البلاغات والشكاوى المتعلقة بالإعلانات المضللة والممارسات التجارية المخالفة.
وأشار إلى أن الهيئة تعاملت مع شكاوى وقضايا مرتبطة بالترويج المضلل، من بينها قضية هاتف مستعمل جرى الترويج له على أنه بحالة الوكالة ولم يخضع للصيانة، قبل أن يتبين وجود تغيير في الشاشة والتلاعب بأجزائه الداخلية، وانتهت القضية إلى حكم قضائي بتغريم المتهمين 500 ريال عُماني لكل منهما.
وأوضح أن أبرز الشكاوى في هذا المجال تتمثل في اختلاف مواصفات السلعة عن الإعلان، وعدم الالتزام بالسعر أو العرض المعلن، وإخفاء الشروط والقيود، والإعلان عن تخفيضات دون الحصول على الموافقات اللازمة، إضافة إلى المبالغة أو عدم الدقة في وصف السلع والخدمات.
ودعا البوسعيدي المستهلكين إلى عدم اتخاذ قرار الشراء لمجرد وجود كلمة "خصم" أو "عرض"، وإنما التحقق أولًا من حاجتهم إلى السلعة وتفاصيل العرض، ومقارنة السعر قبل الخصم وبعده، وقراءة شروط العرض ومدته والسلع المشمولة به.
وأكد البوسعيدي أهمية الاحتفاظ بصورة الإعلان والعرض والفاتورة في حال حدوث خلاف، والتحقق من وضوح المعلومات الأساسية عن السلعة أو الخدمة وصحتها، مشيرا إلى إمكانية تقديم شكوى أو بلاغ إلى هيئة حماية المستهلك عبر القنوات المعتمدة عند الاشتباه في وجود إعلان مضلل أو ممارسة تجارية مخالفة.

**media[3519814]**


قرارات شراء اندفاعية
وفي السياق ذاته، قال الدكتور خالد العلوي، مدير عام الدراسات وبحوث السوق بهيئة حماية المستهلك: إن الهيئة تتابع أثر الاقتصاد السلوكي على قرارات المستهلك، من خلال تحليل الأساليب التي تستخدمها الحملات الإعلانية الحديثة، ومنها استغلال بعض التحيزات المعرفية، مثل الخوف من تفويت الفرصة، لدفع المستهلك نحو قرارات شراء اندفاعية وغير مخطط لها، بما قد يؤثر على ميزانيته الشخصية.
وأوضح العلوي أن "الهيئة" ترصد الممارسات الإعلانية التي تعتمد على محفزات نفسية، مثل الإلحاح المؤقت والندرة المصطنعة والإعلانات العاطفية غير المباشرة، وتتحول هذه الممارسات إلى مخالفات عندما تتضمن معلومات مضللة أو تخفي شروطًا جوهرية أو تعتمد على أسعار وهمية تؤثر في حق المستهلك في الاختيار.
وأشار إلى أن العروض تخضع للمتابعة، بما يشمل التحقق من الأسعار الحقيقية للسلع قبل الخصم وبعده، ومراجعة سجلات الأسعار السابقة، والتأكد من مدة العرض والكميات المشمولة به، إلى جانب الزيارات الميدانية للتحقق من مطابقة الإعلانات للواقع.
ولفت إلى أن "الهيئة" تتابع من خلال أقسامها المختصة بالتجارة الإلكترونية، الإعلانات الموجهة عبر منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات، خاصة التي تعتمد على بيانات سلوك المستهلك وتفضيلاته السابقة لتقديم عروض مخصصة، وذلك للتحقق من توافقها مع التشريعات وحماية حقوق المستهلك في البيئة الرقمية.
وبين مدير عام الدراسات وبحوث السوق أن "الهيئة" تلقت بلاغات وشكاوى تتعلق باكتشاف المستهلكين شروط مختلفة عما ورد في الإعلان، من بينها استثناء سلع رئيسة من الخصومات، وفرض قيود على الاستبدال والاسترجاع، واختلاف السعر النهائي عند إتمام عملية الدفع، مشيرًا إلى أن هذه الشكاوى تتركز بصورة خاصة في التجارة الإلكترونية والعروض الترويجية الموسمية.
ودعا العلوي المستهلكين إلى التريث قبل اتخاذ قرار الشراء، خاصة عند التعرض لإعلانات تعتمد على الإلحاح، واقترح قاعدة الانتظار لمدة 24 ساعة قبل شراء المنتجات غير المخطط لها.
كما نصح بمقارنة سعر السلعة في السوق قبل الخصم وبعده، وقراءة الشروط والأحكام، بما في ذلك سياسات الاستبدال والاسترجاع، قبل إتمام عملية الدفع، إلى جانب متابعة قنوات هيئة حماية المستهلك للاطلاع على التنبيهات والتوعية المتعلقة بالممارسات التجارية المستجدة.

**media[3519815]**


قرارات أكثر وعيا
من ناحيته أوضح خالد الحارثي، مستشار في التخطيط المالي الشخصي والأسري ومدرب في الثقافة والكفاءة المالية ومؤسس أكاديمية "أنا مليونير" للثقافة المالية، أن الإعلانات والعروض الترويجية أصبحت جزءا من الحياة اليومية، ومع سهولة التسوق وتعدد العروض، يتعرض المستهلك بصورة مستمرة لمحفزات تدفعه إلى الشراء.
وبيّن أن تأثير العروض يختلف من شخص إلى آخر، إذ يمكن أن تحقق فائدة حقيقية عندما تكون مرتبطة بمنتج يحتاجه المستهلك وكان يخطط لشرائه أصلًا، بينما قد تتحول إلى سبب لزيادة الإنفاق عندما تدفعه إلى شراء منتجات لم تكن ضمن احتياجاته.
وأوضح أن بعض العروض قد توحي للمستهلك بأنه وفر المال، بينما يكون قد أنفق أكثر مما كان يخطط له. وضرب مثالا بشخص يدخل أحد التطبيقات لشراء احتياج بقيمة 20 ريالا، ثم يجد عرضا للحصول على شحن مجاني عند تجاوز قيمة الطلب 50 ريالا، فيضيف منتجات بقيمة 30 ريالًا. ورغم حصوله على الشحن المجاني، فإن إنفاقه ارتفع من 20 إلى 50 ريالا.
وأكد الحارثي أن السؤال الأهم قبل الاستفادة من أي عرض ليس فقط "كم سأوفر؟"، وإنما "هل كنت سأشتري هذا المنتج لو لم يكن عليه عرض؟" فإذا كان المنتج ضمن خطة الشراء، فإن الخصم قد يمثل توفيرا حقيقيا، أما إذا كان العرض هو السبب في اتخاذ قرار الشراء، فقد يتحول الخصم إلى إنفاق إضافي.
وأشار إلى أن التخطيط المالي يمثل نقطة مرجعية تساعد المستهلك على اتخاذ قرارات أكثر وعيا، خاصة في البيئة الرقمية التي يصعب فيها تجنب الإعلانات والعروض بشكل كامل. فوجود ميزانية محددة سابقا للمشتريات يساعد على معرفة ما إذا كان الإنفاق الجديد يتوافق مع القدرة المالية والخطة الشهرية.
ودعا الحارثي إلى وضع ميزانية واضحة وتحديد المبالغ المخصصة لأنواع الإنفاق المختلفة، مع التمييز بين الاحتياجات والرغبات، وعدم اتخاذ قرار فوري بشأن المشتريات غير المخطط لها، وإتاحة فترة للتفكير قبل الشراء، خاصة عندما يكون القرار ناتجًا عن إعلان أو عرض ترويجي.
وأكد أن الهدف ليس تجنب العروض أو منع الشراء، وإنما أن يكون قرار الشراء قائما على الحاجة والخطة والقدرة المالية، وليس على الشعور بأن الفرصة ستضيع إذا لم يتم الشراء فورا.