في مثل هذا الشهر قبل ٤٨ سنة تقريبا وقع السادات وبيجن على اتفاقية كامب ديفيد (١٧ سبتمبر ١٩٧٨).
بكل معنى ممكن، ودون عواطف، وبلغة الأرقام الباردة، وبمؤشرات التقدم والتخلف الصارمة، يمكن وصف هذه الاتفاقية بكارثة العرب الكبرى.
بعدها بدأت أسوأ حقبة في تاريخ هذه الأمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية منهية مرحلة النهوض القصيرة، مرحلة الاستقلال والتحرر الوطني والتنمية.
استهلالًا يكفي للدلالة أن نشير إلى كيف -بعد الاتفاقية المشؤومة - تدحرجنا وتدحرج معنا سؤال النهضة العربية منذ أواخر القرن ١٨ وبداية الـ ١٩ على يد الشيخ حسن العطار ورفاعة الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده: لماذا تقدم الغرب ولماذا تخلفنا؟ إلى سؤال لماذا تقدمت إسرائيل «دولة الاحتلال الاستعماري الغاصبة التي يقل عمرها عن ٨٠ عاما ولماذا تخلفنا؟ ونحن الأمة العريقة مهد الحضارات والديانات التي ظهرت فيها أول دولة مركزية في التاريخ والتي علمت العالم أهم اختراع إنساني وهو الكتابة؟! بالأرقام، يتحدث الراحل الأستاذ هيكل بمرارة قبل سنوات عن كيف أن شهداء كل الدول العربية في الحروب مع إسرائيل، مقاتلين ومدنيين، لا يزيد عن ربع مليون شخص بينما تخطى عدد قتلاها في حروب أهلية وصراعات بينية ما يزيد عن مليونين.
قيل لنا وقتها إننا ندخل عصر السلام ونبذ الحروب لكي نوقف نزيف الدماء العربية !! تقول تقديرات الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية إنه فيما لم تتخط تكلفة الحروب العربية الإسرائيلية ٤٠ إلى ٥٠ مليار دولار فإن تكلفة خسائر العراق لوحده بعد غزو الكويت ثم العقوبات ثم الغزو الأمريكي ما يزيد عن تريليون دولار. حجم الخسائر المقدرة في سوريا منذ ٢٠١١ يزيد عن ٢٢٥ مليار دولار. وخسائر الجزائر في العشرية السوداء وليبيا بعد القذافي والسودان الغاطس في حربه الأهلية واليمن بحربه الداخلية والإقليمية تقدر بمئات المليارات.
ولم نحص بعد مئات المليارات الجديدة التي خسرتها دول الخليج العربية من الحرب الدائرة مع إيران التي فرضت عليها ولا يستمتع بمكاسبها سوى نتنياهو وحكومة اليمين المهووس في إسرائيل.
الأمة التي تمتلك ما يقرب من ثلث احتياطي النفط وتنتج نحو ٣٠٪ منه يوميا، الأمة الشابة التي تمتلك ثروة بشرية تعد من أعلى النسب العالمية من الشباب، وتشرف على أهم موقع جيوسياسي في قلب العالم وأهم ممراته ومضايقه البحرية. هذه الأمة تحولت لأمة نازحين ولاجئين، وتشكل مايقرب من نصف مشكلة النازحين والمهاجرين في العالم كله بما يتراوح بين ١٨ إلى٢٠ مليون عربي.
بكل منطق معقول لا يمكن نسيان دور الغرب والولايات المتحدة مؤلفة ومخرجة سيناريو كامب ديفيد وكل ما تلاه من اتفاقيات سلام سمحت للدولة اليهودية بالاستيلاء على معظم فلسطين التاريخية واحتلال مناطق شاسعة من لبنان وسوريا حتى وصلنا للاتفاقيات الإبراهيمية وحلف النقب وشبكة الدفاع الجوي الإقليمية العربية الإسرائيلية.
تدهور في فقدان معنى الاستقلال لدرجة باتت المنطقة العربية برمتها لا توصف استراتيجيا سوى بـ «منطقة عمليات القيادة الوسطى الأمريكية سنتكوم!!
عندما أخرجت واشنطن مصر بكامب ديفيد من الصراع العربي الإسرائيلي عسكريا تمكنت من إنجاز مهمتين فشل فيهما ٤ رؤساء أمريكيين هم ايزنهاور وكينيدي وجونسون وبدأ النجاح فيهما نيكسون وفورد وقطف ثمارها كارتر.
هذان الهدفان هما تحطيم مفهوم الأمن القومي العربي المشترك وتفكيك النظام العربي الإقليمي الذي بني حول هذا المفهوم، والانتقال من حشد الموارد إما للتنمية المستقلة والصناعية أو لمواجهة التهديد الواحد وهو التهديد الإسرائيلي إلى اقتصاد الاستيراد والاستهلاك والعقار وحشد الموارد للتآمر ضد بعضنا البعض، وتحوّل الدول العربية لساحات للمواجهة الداخلية وحروب الوكالة واستنزاف ثروة وموارد عظيمة منّ الله بها على الأمة؛ فسلاح عربي يوجه لصدر عربي آخر وليس لصدر إسرائيل.
لكن بكل منطق معقول لا يمكن فقط الاعتماد على نظرية المؤامرة ولا على التخطيط الأمريكي للداهية كيسنجر كتفسير لما وصلنا إليه؛ فحقيقة الأمر أننا سهلنا المهمة على واشنطن وتل أبيب، وساهمنا في الانحدار الحضاري للأمة بمثل ما ساهموا وأكثر.
بل إن بعضنا استسهل الإجابة على لماذا تخلفنا وتقدم إسرائيل بأن يظن -وبعض الظن إثم كبير- أن الطريق الوحيد لعبور التخلف هو التحالف مع إسرائيل وإعلان لواء التبعية لها تكنولوجيا وعسكريا واقتصاديا.
اختيارات النخبة الإسرائيلية واختيارات النخبة العربية: بكل حزن وأسف لابد من الاعتراف أن سلوك النخب العربية في اختيار النموذج الاقتصادي وبتحريض وضغط صريح من مؤسسات التمويل الدولية التي صارت وصية على الاقتصادات العربية إلا ما رحم ربي كان مختلفا تماما عن سلوك النخب الإسرائيلية؛ فالأخيرة حولت وفورات النفقات العسكرية بعد خروج عدوها المصري الرئيسي وكذلك مكافآت التوقيع على كامب ديفيد من أمريكا وألمانيا ودول الغرب ومن اللوبيات الصهيونية في العالم إلى اقتصاد يقوم على المصلحة الوطنية وليس مصلحة النخب الحاكمة أو المتنفذة وإلى اقتصاد إنتاجي يعظم الصادرات وينفق أعلى معدلات عالمية على البحث العلمي والتكنولوجيا.
أدمجت هذه النخب التكنولوجيا العسكرية المتفوقة ـ التي نقلتها لها أمريكا والغرب وتم حجبها عن العرب ـ في الصناعة والإنتاج المدني، وباتت من أكبر دول العالم التي تشكل صادرات المعرفة والتكنولوجيا نسبة وازنة من صادراتها ومن ناتجها المحلي، بينما تكاد تصل إلى الصفر أو آحاد في المائة عند كل العرب.
على العكس من ذلك كان قرار كثير من النخب العربية بناء اقتصاد يقوم على تدوير المنح والقروض إلى شبكة مصالح محلية.. إلى اقتصاد ريعي استهلاكي يبيع الأصول الإنتاجية ويستثمر في العقار ويركز على مشروعات ليس لها عائد.
وتدهور الإنفاق على التعليم والبحث العلمي، وتراجعت مكانة الجامعات العربية القديمة وبعضها بدأت كلياتها في القرن ١٩ أي قبل نشأة إسرائيل نفسها بـ ٦٠ أو ٧٠ سنة.
بنى سلوك النخبة الإسرائيلية اقتصادا لصالح الدولة عظم الموارد وأنتج قيمة مضافة، وبنى عرب السلام اقتصادا بدد الموارد وحول مئات المليارات إلى عمولات وثراء سريع لفئات محدودة.
مصر وإسرائيل: السلام المزعوم يمثل دليلا دامغا على كارثة الاتفاق وكارثة خياراته التالية.
كان الناتج المحلي المصري أكبر من إسرائيل وديون إسرائيل مرتين ونصف ديون مصر، وكانت الصادرات والدخل الفردي في إسرائيل أفضل بصورة محدودة.
الآن الدخل الفردي في إسرائيل هو ١٨ ضعف نظيره المصري، وصادرات إسرائيل تزيد بنحو ٤ مرات على صادرات مصر. مصر التي كانت ديونها في عز الحرب أقل من ٢ مليار دولار أصبحت مدينة بنحو ١٦٥ مليار دولار، وإسرائيل كانت ديونها تقترب من ٦ مليارات دولار، وصار صافي وضعها الاستثماري موجبًا بنحو ٢٦٥ مليار دولار.
لياقة الجيش الإسرائيلي ولياقة الجيوش العربية: أحد أسباب الإعجاب الأمريكي والأوروبي بإسرائيل وثقته في قدرتها على تأمين مصالحها في منطقة شديدة الحيوية حتى الآن هو أنها تمتلك تقريبا الجيش الوحيد المستعد للقتال في أي لحظة وعلى أكثر من جبهة في وقت واحد.
وعلى الرغم أن ذلك يعود إلى طبيعة المشروع الصهيوني الاستعماري الإحلالي الذي لا يشعر ولن يشعر أبدا بالأمان قبل أن يخضع لهيمنته السكان الأصليين في المنطقة من العرب والإيرانيين والأتراك فإن المخيف هو ارتهان جيوش العرب منذ ٥٠ عاما إلى أكذوبة أن حرب أكتوبر هي آخر الحروب.
في هذه الفترة تقول معاهد الحرب العالمية إن إسرائيل عربدت في المنطقة بـ ١٧ حربا تتفاوت بين حروب طويلة في لبنان وغزة وضربات استراتيجية للمفاعل النووي العراقي والسوري ناهيك عن الحرب الحالية على إيران!
وبينما ظل الجيش الإسرائيلي يصول ويجول تحولت النخب العربية لتحويل جزء من موارد وجهود جيوشها للأمور الداخلية في الحكم والاقتصاد والإدارة.
وباستثناء الدول الملكية العربية، فإن الجيوش العربية في الدول الجمهورية إما دمرت كما حدث في العراق وسوريا أو انشغلت بالشأن المدني ربما أكبر من الشأن العسكري المهني. استبدلت هذه التطورات السلبية للاتفاقية حالة الكفاح والجماعية في مواجهة العدو الإسرائيلي بحالة من الرخاوة الاجتماعية، وأنهت حالة السلام المشروع القومي والحلم برابطة عربية مشتركة على الهوية الجامعة، بل وعلى الهوية الوطنية في عديد من البلدان العربية. وتقدمت الهويات الفرعية المذهبية والطائفية والعرقية وانتشرت الجماعات المسلحة خارج الدولة الوطنية.
أضاف استمتاع نخب الانفتاح وتدوير القروض في العالم العربي بكل الثروة من الصراع الاجتماعي وفقدان الهوية لدى الأجيال الجديدة المعرضة أكثر من غيرها لوسائل التواصل الاجتماعي والتغريب.
ما لم يعد العرب لمشروع أمن جماعي واحد ويفرقوا بين إسرائيل كعدو رئيسي وباقي الصراعات الثانوية مع دول مثل إيران وتركيا فستظل كامب ديفيد تنحر في الجسد العربي.
حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري