تشكل أفلام الحركة والمطاردات نوعيا فيلميا مفضلا، أبطال مغامرون حرصت السينما على مر تاريخها على تقديمهم وهم يؤدون أدواراً تقع غالبيتها في قالب ملاحقة الأشرار والاقتصاص منهم ولهذا صار هؤلاء نجوما متحكّمين في شبّاك التذاكر، وتراهن شركات الإنتاج على ما سوف يجنى من أرباح بسبب ظهورهم المتكرر.
ومن بين هؤلاء الممثل غزير الإنتاج في أفلام الحركة إنجليزي الأصل " جاسون ستاثام" – مواليد 1967 - الذي ذاع صيته في هذا النوع، وسبق لنا أن ناقشنا هنا في هذه الصفحة أفلاماً عدة كان هو نجمها الأول، نذكر منها مثلا: مربّي النحل و القبو والرجل العامل، كما نتذكر من أفلامه الأخرى التي ناهزت الخمسين فيلماً، من أبرزها، أشباح المريخ 2000، الناقل 2002، العمل الإيطالي 2003، لندن 2005، الفوضى 2006، الحرب 2007، سباق الموت 2008، بليتز 2011، الآمن 2012، باركر 2013، الجاسوس 2015، مصير الغاضبين 2016، غضب الرجل 2018، سريع ايكس 2023 بالإضافة إلى أفلام أخرى منها التي ذكرناها وسبق وناقشناها في هذه الصفحة.
في هذا الفيلم، يقوم كول ريد – الممثل ستاثام بدور الحارس الشخصي لمليونير يدير عدة شركات في تايلند وتربطه مع ريد علاقة مودّة تقترب من الصداقة والحرص الشخصي والنصيحة لكن ما هو مخفي هو أن للرجل أعداء، ومنهم من تسلل إلى تأسيس علاقات مع رجال الشرطة، ولهذا يتعقد الوضع بعد خطة محكمة لتطويق موكب الرجل تنتهي بمقتله ونشاهده وهو يلفظ أنفاسه بين يدي حارسه الشخصي الذي يكتشف أن من شبه المستحيل أن تساعده الشرطة في العثور على المجرم ولهذا يأخذ الأمر على عاتقه.
يعمد كاتب السيناريو ليندسي ميشيل إلى بناء سرديّ وظّف المخرج جان ريشيه مهاراته لتجسيده وتقويته وذلك من خلال خلط أوراق الاحتمالات التي تفضي إلى التعرّف مباشرة على خصوم رجل الأعمال، ولهذا يتجه ريد إلى حماية الابن من انتقام مماثل، لكن تلك السلسلة من المحاولات والتحرّي لن تساعد ريد إلا بركوب السفينة وملاحقة العصابة التي تكون قد تورطت بالجريمة، لكن المفارقة هنا تكمن في إجماع أجهزة الشرطة أن القاتل هو ريد الحارس الشخصي، وأنه مجرد ضابط أمن تم إبعاده من وظيفته مما يعمق فرضية ارتكابه الجريمة.
من هنا سوف ننتقل في نطاق السرد الفيلمي إلى جغرافيا مكانية أخرى وذلك عندما يقرر ريد أن يتسلل إلى الباخرة التجارية التي تعود لصاحبه رجل الأعمال القتيل، مستخدما جواز سفر واحد من أفراد العصابة التي نصبت كمينا لرجل الأعمال وقُتل في المكان ليعثر ريد على جواز سفره ويتسلل من خلاله إلى السفينة ليجد أن قبطانها ما هو إلا واحد من الرؤوس الشريرة، كما يعثر في أحد عنابر السفينة على حشد من النساء والأطفال والرجال، حيث يقوم قائد السفينة بالاتجار بالبشر، ومن هنا تبدأ فصول المواجهة بين ريد وبين القبطان وعصابته في عنابر السفينة وسلالمها ومخابئها الكثيرة.
اهتم العديد من النقاد بهذا الفيلم مركزين على "ستاثام" بوصفه بطل أفلام الحركة بجدارة، ومن ذلك ما كتبه الناقد "غلين كيني" في موقع روجر ايبيرت، إذ يقول: "أفلام ستاثام لا تُقيَّم بالكلمات العادية؛ فمعيار الحكم عليها هو مدى تعالي صيحات الجمهور وتفاعلهم معها وخاصة عندما يقوم بكسر الأذرع، وليّ الأعناق، ومطاردة الأشرار الذين تفرض حبكة الفيلم التقليدية عليه القضاء عليهم. لم يعد ستاثام مجرد نجم لأفلام الحركة التي تضمن مشاهد تكسير العظام، بل أصبح يتولى إنتاجها أيضاً. ورغم أنه أضفى حضوره المميز -الذي بات أيقونياً- على بعض سلاسل الأفلام الشهيرة، إلا أن "ستاثام" -في حقيقة بديهية لا تحتاج إلى إطالة- يُعد بمثابة "سلسلة أفلام" قائمة بذاتها في شخص واحد".
أما الناقد جاكوب أولر فقد كتب في موقع أي في كلوب: " يقدّم لنا هذا الفيلم بطله -الذي يمثل جيشاً في رجل واحد- على متن سفينة شحن، مسلحاً بالقليل، سوى الرغبة في القضاء على الأشرار. هنالك تهديد آخر يبرز من خلال الحبكة وهم ضحايا الاتجار بالبشر الذين يحتاجون للإنقاذ وكذلك الانتقام لصاحب العمل المقتول، تشعّب هذه التفاصيل كان كفيلاً بتشتيت الانتباه عن جوهر هذا الفيلم الذي ينتمي لأفلام الحركة، وستاثام يتربع فيه على عرش المواجهات الشرسة بصفته مفتول العضلات الأول في هذا الفيلم -الذي تبلغ مدته 95 دقيقة- الذي لو كان أكثر تكثيفاً واختصاراً، وتخلص من بعض الخطوط الدرامية والشخصيات الجانبية، لكان قد قدم مزيجاً ممتعاً من السينما التجارية البسيطة والمثيرة التي تميزه عن غيره من أفلام الإثارة التي تدور أحداثها على متن السفن".
من جانب آخر تزداد الأحداث تعقيدا مع دخول شخصية أنجي- الممثلة "أنابيل واليس" إلى دائرة الأحداث، حيث عيّنتها شركة الشحن في منصب "الضابط الثالث" كبديل في اللحظة الأخيرة؛ وبينما كانت تتطلع للتوجه من بانكوك إلى لوس أنجلوس لرؤية ابنتها الصغيرة أُبلغت بأن عليها الاختيار بين القيام بالمهمة أو التعرض للطرد. تصعد أنجي السفينة دون دراية بالمخططات الشريرة للقبطان وطاقمه، ولكن بمجرد أن تدرك مدى دناءة وخطورة الأشخاص الذين تعمل معهم، تبدأ تتأرجح بين دور المقاومة الذكية والشجاعة وبين دور المرأة العاجزة نسبياً بسبب شراسة المواجهة حيث يتعين على ريد حمايتها.
هذا التحوّل في مسار السرد الفيلمي أبقى الأحداث في دائرة المكان الواحد، إلى درجة أنه من الصعب تخيل انتصار ريد وإنجي بسبب كثرة الخصوم المسلحين من جهة، ومعرفتهم بدهاليز الباخرة وعنابرها، لكن سلسلة أخطاء وسوء تقدير من طرف العصابة كان كفيلا بترجيح كفة ريد، لكن ذلك لم يكن ليحسم إلا بتوجيه نداء استغاثة إلى قوة أمريكية مرابطة عبر البحار وتقوم بدورياتها الروتينية وهو ما يحدث فعلا.
في المقابل، هنالك تعقيد درامي آخر يتمثل في تحدي إنقاذ المدنيين وسط تفاقم المواجهة وانهمار الرصاص، وهي مهمة جسيمة أخرى وحبكة ثانوية أريد بها إضفاء مزيد من طابع المغامرة ومنح الرجل المنقذ الذي يؤديه ستاثام، فهو يلاحق بلا هوادة قتلة مديره ويلاحق المهربين وعصابات الاتجار بالبشر في آن واحد.
على أن الفيلم ما عدا طابع المغامرة والحركة والصراعات يفتقر إلى العمق ولا يتجاوز في تعقيده مستوى واحداً من الصرعات، والتعقيدات المتتالية لا ترقى إلى مستوى أفلام حبس الأنفاس والمفاجآت، على الرغم من تعامل ريد مع حيز مكانيّ متنوع ومليء بالتفاصيل داخل السفينة العملاقة بطوابقها ومقصوراتها المختلفة، وإذا بها مجرد ساحة لستاثام كي يشق طريقه عبرها بعنفه المعتاد ونزعته الانتقامية من الخصوم؛ فكل سُلّم وُجد ليصعده بسرعة، وكل سلم حبال وُجد لينزل منه، وكل مدخل وُجد ليشن منه هجوماً مباغتاً على أحد الأشرار الغافلين.
............
إخراج: جان فرانسوا ريشيه
سيناريو: ليندسي ميشيل، جي بي ديفستمثيل: جاسون ستاثام، أنابيل واليس، رولاند مولر، أدريان ليستر
مدير التصوير: برندان كالفن
مونتاج: ديفيد روسينبلومموسيقى: ماركوس ترامب
الميزانية: 40 مليون دولار
بوكي أوفيس: 28 مليون