قبل سنوات كتبت جريدة «عمان» في إحدى افتتاحياتها أن على عُمان أن تتجه شرقا في بناء شراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية. كانت الافتتاحية فيما أذكر تستند إلى أهمية تغيير طريقة النظر إلى الخريطة، فالدول، مثل الأفراد، قد تبقى أسيرة طرق اعتادت السير فيها حتى بعد أن تتغير المصالح ويصبح العالم من حولها مختلفا.
كانت آسيا، ولا تزال، اختيارا منطقيا لعُمان التي تعمل على تنويع مصادر دخلها وتطوير نموذجها الاقتصادي القائم لسنوات طويلة على النفط، وفي آسيا اقتصادات صاعدة وأسواق واسعة جدا ومتنوعة، وهناك، أيضا، تاريخ طويل من التجارة والتواصل بينها وبين عُمان عبر المحيط الهندي. ولا تحمل علاقة عُمان بشرق آسيا، والعرب بشكل عام، أي ذاكرة استعمارية أو صراعات كبرى تجعل اللحظة الحاضرة رهينة للماضي. هذا السياق يجعل في الإمكان أن تبدأ العلاقة من المصالح كما هي الآن بعيدا عن أي تفكير في تسوية حسابات تركتها قرون سابقة.
لكن هذه الخريطة التي تدفع عُمان شرقا تدفعها اليوم جنوبا وغربا نحو أفريقيا، ولذلك علينا أن نقرأ الزيارتين اللتين قام بهما حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- نهاية الأسبوع الماضي لجمهوريتي بوتسوانا وأنجولا على أنهما ضمن مسار اقتصادي عُماني آخذ في التشكل خلال السنوات الأخيرة وهو مسار يوحي بتحولات عميقة يجدر قراءتها بدقة. ثمة محاولة واضحة لتوسيع المجال الذي تتحرك فيه عُمان وللبحث عن شركاء وأسواق وفرص خارج الدوائر التي استقرت فيها تجارتها واستثماراتها طويلا. وهذا اتجاه يستحق أن يتقدم أكثر ويقرأ في سياق التحولات الكبرى التي تحدث في عُمان خلال السنوات الأخيرة.
من نافل القول إننا لا نستطيع اختصار أفريقيا في الصورة النمطية القديمة التي تختزلها في الموارد الطبيعية البكر وفي الفقر المدقع وعدم الاستقرار على المستوى السياسي. الحقيقة أننا لا نستطيع الحديث عن «أفريقيا» واحدة بالمعنى الاقتصادي، فهناك أكثر من خمسين دولة وتجارب سياسية واقتصادية شديدة الاختلاف وأسواق تنمو بسرعات متفاوتة ومدن تتوسع ومشروعات بنية أساسية تحتاج إلى عشرات السنين من الاستثمار وهناك طموحات من شعوب أفريقيا لإحداث نهضة متكاملة تعيد لهذه القارة مكانتها. وفي الوقت الذي يتباطأ فيه النمو في أجزاء من العالم المتقدم ما تزال دول أفريقية كثيرة تدخل مرحلة بناء تحتاج إلى رأس المال والطاقة والموانئ والتقنية والخدمات والخبرة في الإدارة الحديثة.
تقوم المقاربة العُمانية، في أفضل صورها، على بناء علاقات طويلة الأمد تتوازن فيها المصالح، لا على البحث عن نفوذ سياسي أو مكاسب أحادي. ولا تبحث عُمان في استراتيجيتها الاقتصادية عن مناطق نفوذ سياسي، ولا تملك الرغبة للدخول في سباقات القوى الكبرى.
وما تستطيع أن تفعله اقتصاديا أكثر انسجاما مع طبيعتها هو بناء مصالح مشتركة يشعر الطرف الآخر أن نجاحها يضيف إليه بقدر ما يضيف إلى عُمان. وهذه الفلسفة التي تتبناها عُمان سياسيا واقتصاديا قد تكون ذات قيمة كبيرة في أفريقيا.
وتشهد قارة أفريقيا حركة تغيير متسارعة وتتسع فيها فرص الاستثمار مع نمو أسواقها وحاجتها المستمرة إلى رأس المال والبنية الأساسية. وهي، رغم تفاوت تجارب دولها ومستويات نموها تمثل مساحة اقتصادية يصعب تجاهلها في أي استراتيجية تبحث عن أسواق وفرص جديدة على المدى الطويل.
وهذا النوع من الشراكات يبدو متسقا مع ما تحتاجه عُمان أيضا، فهي تسعى إلى بناء اقتصاد أقل اعتمادا على النفط، ومثل هذا الاقتصاد لا يستطيع أن يبقى محصورا داخل حدوده، فهو يحتاج إلى أسواق وإلى استثمارات خارجية وشركات تتعلم كيف تنافس في بيئات مختلفة.
ويعيد هذا التوجه إلى المحيط الهندي مكانته في التفكير الاقتصادي العُماني، فقد خبرت عُمان هذا الفضاء طوال تاريخها التجاري، وربما اعتدنا كثيرا أن ننظر إليها من داخل الخليج وحده، وهي زاوية تحجب جانبا مهما من صورتها، فالنظر إليها من جهة البحر يستعيد تاريخا تشكل عبر التواصل مع الهند وشرق أفريقيا ومجتمعات المحيط الهندي، ويعيد مسقط وصحار وقلهات وموانئ ظفار إلى فضاء اقتصادي كان أوسع بكثير من حدود شبه الجزيرة العربية.
وعلاقة عُمان بأفريقيا تمنح هذه الرؤية عمقا تاريخيا خاصا، فقد كان الوجود العُماني في شرق أفريقيا عميقا، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، ووصل إلى مرحلة أصبحت فيها زنجبار مركزا للحكم في عهد السيد سعيد بن سلطان.
لكن من المهم القول إن استعادة ذلك التاريخ هدفه الأساسي اليوم التأكيد على قدم التواصل العماني الأفريقي وعلى أن المحيط الهندي كان، قبل أن ترسم الحدود الحديثة، مجالا واحدا للحركة البشرية والاقتصادية. ولا يعني استدعاء هذا التاريخ اليوم استعادة نموذجه السياسي، بقدر ما يعني إدراك عمق الصلة التي جعلت المحيط الهندي، على مدى قرون، فضاء مشتركا للحركة والتجارة والتبادل البشري.
وقد تكون بوتسوانا وأنجولا بداية لقراءة جديدة للقارة أيضا، فاللافت أن الحركة العُمانية الأخيرة أخذت مسارا نحو الجنوب الأفريقي وليس إلى شرق أفريقيا فقط، حيث الذاكرة التاريخية الأكثر وضوحا وثراء. هذه الحركة تعني أن المصالح الجديدة لا تسير وراء التاريخ وإنما وراء الفرص، وهذه علامة صحية فالسياسة الاقتصادية الجيدة تستفيد من التاريخ لكنها لا تصبح أسيرة له.
مهدت الإرادة السياسية الطريق نحو بناء الشراكات عبر الزيارات المتبادلة وتوقيع الاتفاقيات ومذكرات التفاهم وهي خطوات مهمة جدا لكن تبقى هذه البداية، وتحتاج المرحلة القادمة إلى جهود كبيرة لبناء معرفة حقيقية داخل عُمان بالأسواق الأفريقية وبقوانينها ومخاطرها وفرصها فالصورة النمطية الأولى عن أفريقيا ما زالت حاضرة في ذهن المستثمر العماني.
قبل سنوات كانت أطروحة «الاتجاه شرقا» محاولة لتوسيع أفق عُمان الاقتصادي، وربما حان الوقت لتصبح الفكرة أكبر لأن تعيد عُمان اكتشاف موقعها كله، فهي دولة في «الخليج» لكنها أيضا دولة على المحيط الهندي. وبين آسيا وأفريقيا توجد مساحة واسعة يمكن أن تبني فيها عُمان مصالح للقرن الحادي والعشرين مستفيدة من سمعتها السياسية القائمة على الرصيد الأخلاقي.. وهذا، في عالم يعود فيه منطق القوة إلى الاقتصاد والسياسة، ميزة تستحق أن تتحول إلى استراتيجية.
عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة «عمان»