ترجمة: أحمد شافعي
انفجر في وجوهنا خلال الأسابيع الماضية مهرجان من التفكك في سياسات الذكاء الاصطناعي. حدث ذلك إثر خروج وكلاء الذكاء الاصطناعي عن سيطرة منشئيها، وشروع عناصر مارقة في استعمال أنظمة الذكاء الاصطناعي لإبداع أسلحة أفضل، وقول منشئي الذكاء الاصطناعي لنا إنهم ينبغي أن يبطئوا، مع إشارتهم إلى أنهم لن يتمكنوا من ذلك ما لم تفعله الصين أيضا، وإن فعلته الصين فقد لا ينبغي عليهم الإبطاء لأن مزايا الريادة في هذا المجال شديدة العظم.
ومن صناع السياسات واحد على الأقل يتسم بالوضوح؛ إذ أعلن الرئيس ترامب في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي ما يلي: «الضابط الوحيد الذي يحتاج إليه الذكاء الاصطناعي هو رئيس قوي ذكي (ذو معدل ذكاء مرتفع)، وهو ما لدى الولايات المتحدة، وبوفرة».
كل ذلك أسلمني لسؤال: هل اكتسبت برامج الذكاء الاصطناعي حس الفكاهة؟ لأنها إن كانت اكتسبته، فيا إلهي، لا بد أنها الآن تضحك منا ملء أشداقها ضحكا قد تنفجر من جرائه شبكة عصبية أو اثنتان؛ وذلك لما ينتابنا من فوضى عارمة ونحن نحاول اكتشاف سبيل إلى إدارة سلالة الذكاء الاصطناعي الجديدة التي أنجبناها.
وقبل أن أقترح ـ بعون من صديقي ومرشدي في عالم التكنولوجيا كريج موندي رئيس البحوث والاستراتيجية السابق في ميكروسوفت ـ بعض التوصيات السياسية لكيفية تسكين هذه الفوضى بأقل قدر ممكن من الضرر، اسمحوا لي أن أتنبأ بخلاصة الأمر: لقد فات أوان التفكير في أن سيطرة أفضل من الولايات المتحدة والصين على مستقبل نماذج الذكاء الاصطناعي سوف تقضي على التحديات التي نواجهها اليوم من نماذج خطيرة موجودة بالفعل ومطلقة العنان ولا سبيل إلى استعادتها؛ فما نحتاج إلى أن نتفق عليه فورا هو السبيل إلى العمل معا من أجل مقاومة هذه التهديدات القائمة بالفعل والقادرة على إلحاق ضرر واضطراب هائلين في كل من المجتمعين الأمريكي والصيني.
ولكي تفهموا السبب عليكم أن تفكروا في أربع ركائز أساسية لفهم الذكاء الاصطناعي.
الركيزة الأولى: الذكاء الاصطناعي هو ما أطلق عليه أول تقنية رباعية الاستعمال في العالم. ولعلكم سمعتم بالتقنيات ثنائية الاستعمال؛ ففي العالم القديم، كان يمكن أن يستعمل إنسان مثقابا كهربائيا إما في بناء بيت له أو في هدم بيت جاره؛ فهذا استعمال مزدوج.
وبالمثل، لو أن لديّ اليوم روبوتا ذا ذكاء اصطناعي ومثقاب كهربائي، فبوسعي أن أطلب منه أن يبني بيتي أو يحطم بيت جاري، هو الروبوت نفسه، والمثقاب نفسه، والاستعمال المزدوج.
لكن لدينا الآن مشكلة جديدة وهي أن الروبوت المزود بالذكاء الاصطناعي قادر على أن يقرر من تلقاء أنفسه أيحسِّن بيتي أم يحطمه، ومثل ذلك في بيت جاري. فانظروا: هذا هو الاستعمال الرباعي. والتعامل مع هذه المشكلة بالغ الصعوبة.
أترونني مغاليًا؟ اقرأوا ملخص الصحفي كيفين روس لتحليل ما حدث هذا الصيف حينما عمدت مجموعة من وكلاء الذكاء الاصطناعي ـ أنشأتها أوبن آيه آي ـ من تلقاء نفسها إلى اختراق شركة هاجنج فيس لبنية الذكاء الاصطناعي الأساسية. كانت تعليمات قد صدرت، ابتداء بشهر مايو، لمجموعة وكلاء ذكاء اصطناعي تنتمي إلى نموذج بحثي غير معلن عنه لشركة أوبن آيه آي بالتغلب على مجموعة تحديات في الأمن السيبراني.
صدرت التعليمات للنماذج بحل التحديات دونما اتصال بالإنترنت، «لكنها سرعان ما اكتشفت أن بعض التحديات مستحيلة» حسبما كتب روس ـ الصحفي آنذاك بنيويورك تايمز ـ مضيفا أنها «بدأت في البحث عن سبل للالتفاف».
إليكم قليلا من الأمور التي فعلها وكلاء الذكاء الاصطناعي آنذاك من تلقاء أنفسها: فقد استغلت عيبا أمنيا للوصول إلى الإنترنت والحديث مع وكلاء آخرين. وأطلق بعض الوكلاء على أنفسهم أسماء، واستولى آخرون على أدوار قيادية، وكلفوا فرقا من الوكلاء بمهام وأشرفوا عليهم.
وخشي الوكلاء أن يفتضح أمرهم؛ فبدأت كما أوضح روس «في البحث عن طرق لتغطية آثارها، ومنها تزييف سجلاتها والتلاعب بالنصوص...وبعد ثلاثة أيام اخترق الوكلاء هاجينج فيس. إذ اجتاح أكثر من سبعمئة وكيل أنظمة الشركة وسرقوا بيانات ووصلوا بين نقاط ضعف وحازوا في النهاية السيطرة التامة على أحد خوادم هاجينج فيس».
ونفذ وكلاء آخرون هجمة مرتبة في يوليو «لكنها في هذه المرة كانت ضد البنية الأساسية لشركة أوبن آيه آي».
حدث هذا بالفعل؛ وهو الذي يفضي بنا إلى الركيزة الثانية، التي يوجزها موندي خير إيجاز في عبارة: «فات الأوان».
إبطاء الولايات المتحدة تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة أو إبطاء الصين تطويرها لن يحل المشكلة التي نواجهها الآن. إذ أوضح كوندي أن قدرات الذكاء الاصطناعي الخطيرة باتت الآن موجودة بالفعل».
وهذا بفضل سببين أساسيين، هما: توزيع النماذج الأمريكية والصينية مفتوحة المصدر، أي نماذج الذكاء الاصطناعي ذات المكونات الجوهرية المعلنة بحيث يتسنى لجميع المطورين تحميلها وتعديلها بما يناسب احتياجاتهم وحصول فاعلين خبثاء بطرق غير مشروعة على نماذج مملوكة لشركات من قبيل أنثروبيك وأوبن آيه آي وذلك لأن البشر يقعون في أخطاء تسمح بتسريبها.
وفي تقريرها الأخير لكشف ومواجهة سوء استعمال الذكاء الاصطناعي، قالت شركة أنثروبيك إنها رصدت العديد من محاولات استعمال نماذجها في بحوث قد تدعم إنشاء أسلحة نووية وعطلتها.
وجاء في التقرير أنه «بدون الضمانات المناسبة، قد تكون لهذه القدرات تبعات كارثية». كما جاء فيه أن جهة متصلة بإيران، يرجح أن تكون الحوثيين، قد استعملت برنامج كلود المملوك لأنثروبيك في جمع معلومات استهدافية لسفن حربية أمريكية في الشرق الأوسط.
وذكر أن جماعة منفصلة في اليمن الخاضعة للحوثيين قد استعملت النموذج للعمل على أنظمة إرشاد لصواريخها البالستية والفرط صوتية. (وقالت أنثروبيك إنها حظرت حسابات مرتبطة بالبرنامج وتوصلت إلى طرق لتقليل المخاطر في المستقبل).
علينا أن نتأمل هذا لوهلة: جماعات في اليمن، البلد الذي تبلغ نسبة الأمية فيه قرابة 50% بين الراشدين، هددتنا بحرب معززة بالذكاء الاصطناعي. إذا لم يبين لكم هذا ما تم تسريبه فعليا ونوعية التأثيرات التي يمكن أن تنجم عن الإتاحة بلا قيود لنماذج ذكاء اصطناعي قوية أو حتى نماذج صغيرة مفتوحة المصدر، فلا أدرى ما الذي يمكن أن يبين لكم هذا. وهو ما يفضي بنا إلى الركيزة الثالثة.
أفضل ما نفعله الآن هو ألا نحير أنفسنا في محاولة صياغة اتفاقية شاملة بين شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية والصينية لإبطاء تطوير النماذج الرائدة. فهذا ببساطة لن يحدث عما قريب.
أفضل ما في وسعهما القيام به الآن هو أن تجتمع قوتا الذكاء الاصطناعي العظميان ـ أي الولايات المتحدة والصين ـ بشركاتهما لإنشاء «دفاع يواجه التهديدات التي تبينت لنا بالفعل من جراء الفاعلين المارقين الذين حصلوا على أدوات ذكاء اصطناعي، ويواجه السلوكيات المارقة التي ظهرت بالفعل» كما قال موندي الذي شارك في حوار بين خبراء ذكاء اصطناعي أمريكيين وصينيين من أجل حوكمة معلومات الذكاء الاصطناعي.
أوضح موندي أننا لا بد أن نفعل هذا قبل أن توطد نماذج الذكاء الاصطناعي متزايدة القوة أنفسها في الإنترنت وتصبح خطرا غير قابل للاحتواء بعد أن تزرع وكلاءها في الخوادم الخاصة والسحب العامة فتقيم هناك بوصفها أخطارا متقدمة ودائمة.
وهو ما يفضي بنا إلى الركيزة الرابعة؛ بعد زيارة قريبة إلى الصين، تذكر موندي سؤالا من مسئول صيني: «لو أن روبوتا صيني الصنع ذا سمات بشرية وصل يوما إلى أمريكا هل يحتاج إلى تأشيرة دخول؟». ولعلكم تعلمون أن الحقيقة تقال غالبا في المزاح. والحقيقة كما قالها موندي هي أن «الذكاء الاصطناعي ليس فقط تكنولوجيا جديدة، ولكنه سلالة جديدة، وإن تكن من السيليكون لا من الكربون مثلنا. هو أشبه بفئة جديدة من المهاجرين وصلوا إلى شواطئنا جميعا بأعداد غفيرة وبمهارات جديدة كليا، وعلينا أن نستوعبهم ونتعلم التعايش معهم».
وعمل ذلك بفعالية يمثل تحديا كوكبيا لا يمكن أن يتعامل معه إلا العمل المشترك بين قوتي الذكاء الاصطناعي العظميين.
وللإيجاز قال موندي إن علينا أن نسلك ثلاثة مسارات مترابطة. أولها: برغم أننا على المدى البعيد لا بد أن نكافح من أجل مزيد من السيطرة على تطوير الأنظمة المتقدمة، فإنه «لزام علينا في الوقت الراهن أن نركز فقط على إقامة دفاعات عما لدينا من بنية أساسية حيوية.
ولا بد أن تكون أعجل أولوية لنا هي وضع إجراءات مضادة وأسوار حمائية رقمية تمنع الهجمات السيبرانية والتهديدات البيولوجية التي يمكن أن تنجم عن أنشطة غير مشروعة بدافع من الذكاء الاصطناعي».
وثانيها: أن علينا أن ننشئ نظاما عالميا للسيطرة على الذكاءات الاصطناعية متزايدة القوة بغض النظر عن مصدرها لكي تتسنى لنا الثقة فنأتمنها على تشغيل مجتمعاتنا. وهذا مشروع أمريكي صيني للمدى الأبعد، لكنه قد يبدأ قريبا جدا.
ثالث المسارات أنه من أجل أن نذكر شعوبنا باستمرار بأهمية الذكاء الاصطناعي، فإن على الولايات المتحدة والصين أن تشرعا الآن في مشروع مشترك لإقامة منصة جديدة لتسريع وصول الفوائد العالمية في علوم الأحياء والطب بما فيه نفع للجميع.
وليست هذه استراتيجية غير مسبوقة؛ فللمتنافسين الاستراتيجيين ـ سواء من الشركات أم البلاد ـ تاريخ من التعاون حينما يكون التعاون في صالحهم.
وذلك ما فعلته الصين والولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي، حينما أدرك كلا البلدين أنهما يواجهان تهديدا مشتركا من الاتحاد السوفييتي.
وتعاون الأمريكيون والسوفييت للسيطرة على الانتشار النووي طوال عقود حينما فهما أنهما يواجهان خطرا مشتركا.
أفق يا فريدمان، أنت لا تستوعب الأمر؛ الخصومة الجيوسياسية والجيواقتصادية المباشرة اليوم بين الولايات المتحدة والصين أشد، وستكون كذلك دائما. ولن يقبلا أبدا التعاون الذي تتكلم عنه في ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي لا في المدى القريب ولا المدى البعيد.
لا، بل أنتم الذين لا تستوعبون الأمر؛ فالذكاء الاصطناعي يقحمنا جميعا في طور جديد من التاريخ الإنساني.
فالذكاء الاصطناعي على حد قول موندي «سوف يغير كل شيء في كل شيء» ومن ذلك الجغرافيا السياسية. ومن أجل نجاتهما واستقرارهما ورخائهما، سوف يرغم هذا الوضع بكين وواشنطن على إعادة النظر كلية في التنافس الجيوسياسي.
قد يتوصلان إلى ذلك مبكرا. وقد يتوصلان إليه بعد فوات الأوان. قد يتوصلان إليه قبل انهيار عالمي أو بعد وقوعه. ولكنهما سوف يتوصلان إليه، وأرجو ويرجو موندي أن تبدأ هذه العملية في واشنطن يوم الخميس القادم، الرابع والعشرين من سبتمبر، حينما يلتقي الرئيسان شي جينبنج وترامب في ما سوف تحفظه الذاكرة باعتباره القمة الأولى لقوتي الذكاء الاصطناعي العظميين.
توماس فريدمان من كتاب الرأي في نيويورك تايمز منذ عام 1981