تمتلك المؤسسات أفكارًا كثيرة، ويبادر موظفوها أحياناً بمقترحات لتطوير بيئة العمل وتحسين الخدمات، إلا أن الطريق من الفكرة إلى الابتكار لا يكون سهلاً دائمًا، فكثير من هذه الأفكار تتوقف عند مرحلة الطرح، أو تبقى حبيسة الأدراج، من دون أن تجد طريقها إلى التطبيق، وتحقق نتائج ملموسة في العمل وتجربة المستفيد، لذلك يمكن للابتكار المؤسسي أن يساعد المؤسسات على إعادة التفكير في إجراءاتها وخدماتها، واكتشاف طرق أكثر كفاءة ومرونة للاستجابة لاحتياجات المستفيدين. لكن تحقيق ذلك يتطلب وجود ثقافة مؤسسية تشجع على التجربة، وتقبل التغيير، وتمنح الأفكار فرصتها للانتقال من التصور إلى التنفيذ.
ومن هنا يطرح السؤال لماذا تنجح بعض المؤسسات في تحويل الأفكار إلى حلول ناجحة، بينما تتعثر مؤسسات أخرى رغم امتلاكها للعقول والأفكار؟ وما الذي تحتاجه بيئة العمل حتى يصبح الابتكار ممارسة مستمرة، وليس مجرد مبادرات مؤقتة؟
وأكدت مثلى بنت راشد الفليتي، الرئيسة التنفيذية لمنصة المثلى، وخبيرة الابتكار المؤسسي في رابطة شمال أفريقيا لمعهد الابتكار العالمي بالولايات المتحدة، أن المؤسسات في الشرق الأوسط، وخاصةً سلطنة عمان، تسعى لتبني الابتكار وذلك لارتباط هذا المفهوم بمستهدفات رؤية عمان 2040، وهناك تنافس متزايد بين مؤسسات القطاعين الحكومي والخاص لإطلاق المشاريع المبتكرة.
وأوضحت أن هذا الحراك يصاحبه في بعض الأحيان قصور في فهم المفاهيم الأساسية للابتكار وآليات إدارته داخل المؤسسات، الأمر الذي قد يؤدي إلى ربط الابتكار بالتكنولوجيا والتقنيات الحديثة فقط، والانطلاق مباشرة نحو تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، في حين أن الابتكار أوسع من ذلك، وله أربعة أنواع وتسعة مجالات يمكن من خلالها تقديم حلول تخدم المواطنين والمستفيدين والمجتمع.
ثقافة لا فعاليات
وبينت الفليتي أن مفهوم الابتكار في المؤسسات لا يزال في مرحلة مبكرة، ويحتاج إلى مزيد من التعلم والتدريب وفهم الآليات والأساليب التي تمكن المؤسسات من الانتقال به إلى مستوى الثقافة المؤسسية، موضحة أن نضج الابتكار يمكن قياسه من خلال مدى انتشار هذه الثقافة، إلى جانب المخرجات التي تنتج عنها، سواء تم تسجيلها كملكية فكرية أو أحدثت أثرًا فعليًا بعد تطبيقها.
وأشارت إلى أن الفكرة الجديدة لا تعني بالضرورة ابتكارًا، كما أن الاختراع، حتى وإن حصل على براءة اختراع، لا يرتقي بالضرورة إلى مستوى الابتكار ما لم تتحقق فيه مجموعة من العناصر الأساسية، من بينها أن يكون مقبولًا لدى المجتمع وقادرًا على معالجة مشكلة حقيقية أو تلبية احتياج قائم، وأن يكون ممكنًا من الناحية التقنية وقابلًا للتطبيق والإنتاج والتحسين، وأن يحقق أثرًا وعوائد يمكن أن تكون مادية أو تتمثل في رفع رضا المستفيدين وزيادة الإقبال على تبني الحل.
لماذا تفشل الأفكار؟
وأوضحت أن الأفكار قد تفشل لأسباب متعددة، من بينها عدم قابليتها للتطبيق فنياً، أو عدم تقبل المجتمع لها، أو صعوبة تنفيذها نتيجة محدودية الموارد المالية والبشرية، إضافة إلى غياب البيئة المناسبة لاحتضان الأفكار الخارجة عن المألوف، ووجود أنماط إدارية بيروقراطية لا تمنح الابتكار المساحة الكافية.
ولفتت إلى أن بعض الأفكار المبتكرة قد تكون واعدة، لكنها لا تصل إلى مرحلة التنفيذ بسبب عدم جاهزية المجتمع لاستيعابها، أو لحاجتها إلى تمويل كبير لبدء عمليات التصنيع والإنتاج، مشيرة إلى أن بعض الابتكارات تحتاج إلى وقت حتى تصبح البيئة المحيطة بها مهيأة لاستقبالها وتبنيها، وضربت مثال على السيارات الكهربائية التي تم تصنيع نماذجها الأولية قبل عقد من الزمن،لكنها لم تنزل الا السوق إلا بعد استيعاب الناس لمثل هذا النومع من السيارات، ويمكننا القياس على ذلك.
الفكرة تحتاج إلى من يوصلها
وأكدت الفليتي أن مسؤولية وصول الفكرة إلى مرحلة التنفيذ لا تقع دائمًا على صاحبها وحده، إذ تحتاج بعض الأفكار ذات الطابع المبتكر إلى القدرة على إيصالها إلى أصحاب القرار بأسلوب واضح، قائم على السرد المقنع المدعوم بالأرقام، ويبين حجم المشكلة والنتائج المتوقعة والأثر المترتب على تنفيذ الفكرة.
وأشارت إلى أن من أبرز الأخطاء التي تقع فيها المؤسسات عند إدارة الأفكار عدم تحديد الاحتياجات والمشكلات الحقيقية التي تستهدفها، إلى جانب عدم ترتيب الأولويات وتحديد الفئات المستفيدة وحجمها، الأمر الذي قد يؤدي إلى استثمار الموارد في أفكار لا تعالج الأولويات الفعلية.
وشددت على أن كثرة الإجراءات والبيروقراطية يمكن أن تكون عائقًا أمام الابتكار، خصوصًا عندما لا تتوافر بيئة إدارية تسمح بتجربة الأفكار الجديدة واختبارها وتطويرها.
الابتكار وتحسين الخدمات
وبينت أن الابتكار يمكن أن يسهم بصورة مباشرة في تقليل وقت إنجاز المعاملات من خلال تحسين العمليات والإجراءات وتقليل الهدر في الوقت والجهد والمال، موضحة أن هذا النوع من الابتكار يركز على إدخال تحسينات تؤدي إلى رفع كفاءة الإجراءات وتسهيل طريقة إنجاز المعاملات.
وأوضحت أن دور أخصائي الابتكار يتطلب فهم دوافع المستفيدين والعملاء والمواطنين، إذ إن تقليل الوقت اللازم لإنجاز المعاملة يمكن أن يحقق مكاسب أكبر للأفراد والمؤسسات ذات العلاقة، مشيرة إلى أن معالجة أسباب التأخير قد تتم إداريًا من خلال تقليص الهيكلة، أو فنيًا بإلغاء بعض الإجراءات غير الضرورية، أو تقنيًا عبر تحويل المعاملات إلى خدمات إلكترونية.
رضا المستفيد مؤشر للأثر
وأكدت الفليتي أنه يمكن قياس أثر الابتكار من خلال مستوى رضا المستفيدين، عبر مجموعة من الأدوات، من بينها الاستفتاءات والاستبيانات والمقابلات المباشرة مع المستفيدين، إلى جانب رصد تفاعلهم مع منشورات المؤسسات في وسائل التواصل الاجتماعي، والاستفادة من آرائهم وملاحظاتهم في المجالس واللقاءات والحوارات.
وفيما يتعلق بالمجالات التي تحتاج إلى حلول ابتكارية في القطاع الحكومي، أشارت إلى أهمية تعزيز الربط بين المؤسسات الحكومية لتقديم الخدمات للمواطنين إلكترونيًا، إلى جانب التركيز على دراسة احتياجات المستفيدين وتطوير حلول مبتكرة للقضايا التي تحظى باهتمام المجتمع.
وذكرت في هذا السياق عددًا من الموضوعات التي يكثر تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي، من بينها قضايا الباحثين عن عمل، والتسريح من العمل، والتقاعد، والفروقات المرتبطة بالتقاعد بين المرأة والرجل، إضافة إلى تكاليف استخراج التصاريح اللازمة لمزاولة بعض المهن، والتي قد تمثل عبئًا على بعض الأسر.
إعادة التفكير في الخدمة
وأوضحت أن الانتقال من تطوير الإجراءات القائمة إلى إعادة التفكير في الخدمة من أساسها يتطلب استمرار البحث عن دوافع واحتياجات ورغبات المستفيدين من الخدمات التي تقدمها المؤسسات، وعدم الاكتفاء بمعالجة الإجراءات الحالية دون النظر في أصل المشكلة أو الحاجة التي تستهدفها الخدمة.
وأكدت أن كل موظف قادر على الدخول في عالم الابتكار، إلا أن مراحل الابتكار تتطلب سمات ومهارات مختلفة، تبدأ بالتحليل والقدرة على طرح الأسئلة وإجراء المقابلات والتفكير الإبداعي، ثم الانتقال إلى التخطيط والتحليل المالي، وصولًا إلى التنفيذ ومراقبة استجابة المستفيدين وإجراء التحسينات بصورة مستمرة.
مهارات المبتكر
وأشارت الفليتي إلى أن عددًا من الباحثين الذين تناولوا سمات الشخصيات القيادية في المؤسسات الرائدة توصلوا إلى مجموعة من المهارات المشتركة والقابلة للتعلم والتدريب، من أبرزها دقة الملاحظة ورصد التغيرات، وطرح الأسئلة للوصول إلى فهم أعمق للموضوعات، وتجربة الإجراءات وملاحظة نتائجها، والتشبيك بين المؤسسات والأفراد لبناء مشاريع مبتكرة، إضافة إلى القدرة على الربط بين الأفكار التي قد تبدو في ظاهرها غير مترابطة.
وبينت أن بناء هذه المهارات لا تقتصرعلى فئة محددة من الموظفين، وإنما يمكن تنميتها بالتدريب والممارسة، بما يوسع قاعدة المشاركة في منظومة الابتكار داخل المؤسسة.
سفراء الابتكار
وأكدت أن المؤسسات تحتاج في الأساس إلى ثقافة ابتكار تشمل جميع الموظفين، ويقوم فيها سفراء الابتكار بدور مهم في نشر الوعي بهذه الثقافة وتعزيز المشاركة، من خلال ما يعرف بآليات المشاركة في الابتكار، والتي تشمل نحو 19 آلية وطريقة، من بينها الجلسات الحوارية والمسابقات الداخلية والهاكثونات والمنصات والمسرعات والحاضنات وغيرها.
وأوضحت أن الهدف لا يتمثل في حصر الابتكار في فريق أو مجموعة محددة، وإنما في إيجاد بيئة مؤسسية تجعل التفكير في الحلول الجديدة وتحسين الخدمات جزءًا من الممارسة اليومية للموظفين.
كما بادرت عدد من الدول والمؤسسات بتشجيع الموظفين على طرح الافكار من خلال استحداث منصات لتسجيل أفكار الموظفين، وممافأة أكثر فكرة خيالية أو مبدعة بمبالغ مالية مجزية، والسعي لتنفيذها مع فرق عمل المؤسسة، وهذا قد شجع الموظفين على الأخذ بموضوع الأفكار والابتكار بشكل جدي والمثابرة للحصول على المكافأت الناتجة عنه.
الذكاء الاصطناعي.. أداة للابتكار
وفيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، أشارت الفليتي إلى أنه يمثل إحدى الأدوات التي يمكن للمؤسسات الاعتماد عليها في تنفيذ عدد من العمليات وتسريعها وتحسين جودة مخرجاتها، مثل إعداد التقارير، وتحليل البيانات الضخمة، والتنبؤ بالأنماط، وإعداد العروض التقديمية، وإجراء البحوث، إلى جانب استباق بعض الابتكارات في بيئة العمل.
وأكدت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون شريكًا في توليد الحلول، من خلال تزويد تطبيقاته ووكلائه بالمعلومات اللازمة وإصدار الأوامر التي تمكنه من اقتراح حلول في مجالات مختلفة، إلا أن ذلك لا يلغي دور العقل البشري، مشيرة إلى أن قدرة الذكاء الاصطناعي على التخيل لا تزال محدودة مقارنة بالإنسان، في حين يمثل الخيال أحد المصادر الأساسية للإبداع الفكري.
الاستثمار لا الاعتماد
وحذرت من مخاطر الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي في صناعة الأفكار، مبينة أن بعض الباحثين يشيرون إلى احتمالات إضعاف التفكير النقدي، والوقوع في الهلوسة الرقمية والمعلومات المضللة، وتقليل الجهد العقلي، فضلًا عن النمطية في الأفكار والمعلومات والافتقار إلى الإبداع.
وشددت على أهمية التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة للاستخدام والاستثمار وليس بديلًا عن القدرات البشرية، موضحة أن المؤسسات تستطيع الاستفادة من قدرته على معالجة العمليات والبيانات الضخمة بسرعة، مع استمرار الإنسان في قيادة عملية التفكير والابتكار واتخاذ القرار وتطوير الحلول.