تتجه سلطنة عُمان نحو مرحلة جديدة في تطوير منظومتها الضريبية بتطبيق مشروع الفوترة الإلكترونية، الذي يستهدف رقمنة إصدار وتبادل الفواتير الضريبية وربطها إلكترونيًا بجهاز الضرائب، بما يعزز كفاءة إدارة البيانات ويرفع مستوى الشفافية والامتثال الضريبي. ومع اكتمال بناء النظام وإطلاق أول فاتورة إلكترونية مؤخرًا، يستعد المشروع للانتقال إلى التطبيق المرحلي بدءًا من الشركات المشمولة بالمرحلة التجريبية، ليتم بعد ذلك تعميم المنظومة على جميع المكلفين بالضريبة وفق مراحل زمنية محددة.
ويأتي هذا التحول منسجمًا مع الجهود الرامية لتعزيز الاستفادة من البيانات والتحليل الرقمي في أعمال الفحص ورصد مؤشرات المخاطر، بما يتيح مطابقة المعاملات التجارية والتحقق من اتساق البيانات المصرح عنها، في حين تواجه الشركات متطلبات جديدة تتعلق بتهيئة أنظمتها الداخلية والربط مع مزودي الخدمة المعتمدين والاستعداد للالتزام بالمواعيد المحددة للتطبيق.
"عُمان" استطلعت آراء عدد من المختصين في جهاز الضرائب والقطاع الاستشاري حول مراحل تطبيق الفوترة الإلكترونية، ومتطلبات جاهزية الشركات، ودورها في تعزيز الامتثال والحد من التهرب الضريبي، إلى جانب أبرز التحديات التي قد تواجه الشركات والقطاعات الاقتصادية خلال مرحلة التحول الرقمي.
في البداية، قال إدريس بن حمود الراشدي مدير مشروع الفوترة الإلكترونية بجهاز الضرائب: إن مشروع الفوترة الإلكترونية انطلق في أغسطس 2025 بهدف بناء نظام متكامل لإدارة الفوترة الإلكترونية في سلطنة عُمان، ويستهدف الوصول مستقبلًا إلى إصدار جميع الفواتير الضريبية بصورة إلكترونية بشكل كامل. وأوضح أن المشروع منذ انطلاقه في أغسطس 2025 حتى اليوم شهد اكتمال بناء النظام وإطلاق أول فاتورة إلكترونية خلال مؤتمر الضرائب مؤخرًا، على أن يتم تطبيقه على مجموعة من المراحل، بدأت بالمرحلة الأولى التجريبية، وتشمل 100 شركة تم اختيارها لبدء التطبيق اعتبارًا من أغسطس الماضي، وذلك بهدف تجربة النظام والتأكد من جاهزية الأنظمة وصلاحيتها للتطبيق.
وأضاف: إن المرحلة الثانية ستبدأ في أبريل 2027، وستشمل الشركات التي تزيد قيمة توريداتها على 5 ملايين ريال عُماني، موضحًا أن أي شركة تتجاوز قيمة توريداتها 5 ملايين ريال عُماني ستكون ملزمة بالانضمام إلى منظومة الفوترة الإلكترونية.
وحول موعد شمول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الأخرى بالمنظومة، أشار الراشدي إلى أن المرحلة الثالثة ستخصص للشركات المسجلة في ضريبة القيمة المضافة، والتي تقل قيمة توريداتها عن 5 ملايين ريال عُماني، موضحًا أن هذه المرحلة ستبدأ في 1 أكتوبر 2027.
وفيما يتعلق بالإجراءات المطلوبة من أصحاب الشركات للاستعداد والتسجيل في منظومة الفوترة الإلكترونية، أوضح الراشدي أن على الشركات في المقام الأول تهيئة أنظمتها الداخلية بحيث يكون لديها نظام إلكتروني داخلي يمكنها من خلاله إصدار واستلام الفواتير، مع وجوب أن يتوافق مع المواصفات والمتطلبات المعتمدة من جهاز الضرائب من خلال منظومة الفوترة الإلكترونية، وأن جميع هذه المواصفات والمتطلبات متاحة على الموقع الإلكتروني لجهاز الضرائب، ويمكن للخاضع للضريبة الاطلاع عليها والتأكد من مدى توافق أنظمته الداخلية مع متطلبات الجهاز.
وأضاف: إن الخطوة الثانية تتمثل في قيام الخاضع للضريبة بتعيين مزود خدمة معتمد، موضحًا أن جهاز الضرائب اعتمد حتى الآن نحو 30 شركة كمزودي خدمة معتمدين، مع استمرار زيادة عدد الشركات المعتمدة.
وأوضح أن على الخاضع للضريبة اختيار أحد مزودي الخدمة المعتمدين وإجراء ربط إلكتروني مباشر بين أنظمته الداخلية ومزود الخدمة، مشيرًا إلى أن مزود الخدمة سيكون بدوره مرتبطًا بصورة مباشرة مع جهاز الضرائب، وكذلك مع بقية الخاضعين للضريبة في سلطنة عُمان بصورة عامة.
وأكد الراشدي أن منظومة الفوترة الإلكترونية لا تلغي الأنظمة المحاسبية الموجودة حاليًا لدى الشركات، وإنما تعمل بصورة مكملة لها من خلال عملية الربط الإلكتروني. وحول ما سيترتب على الشركات التي لا تلتزم بالمتطلبات الجديدة، أوضح أن التعديل الأخير في اللائحة التنفيذية لقانون ضريبة القيمة المضافة ينص على أنه لن يُعتد بأي فاتورة غير إلكترونية اعتبارًا من 1 أبريل 2027 بالنسبة إلى الشركات التي تزيد قيمة توريداتها على 5 ملايين ريال عُماني، على أن يطبق الأمر نفسه اعتبارًا من أكتوبر 2027 على الشركات التي تقل قيمة توريداتها عن 5 ملايين ريال عُماني.
وبيّن أن الهدف من هذا الإجراء هو أن أي فاتورة تصدر بعد التاريخ المحدد بصورة غير إلكترونية لن تُعتبر فاتورة صحيحة، وإنما ستكون فاتورة لاغية، وفي حال قيام الخاضع للضريبة بتقديم هذه الفاتورة ضمن إقراره الضريبي، فلن يعتد بها جهاز الضرائب، وسيتم التعامل معها كما لو أنه لم يقدم فاتورة أصلًا.
وأشار إلى أن أي إجراء قانوني يتم اتخاذه في هذا الجانب سيكون مستندًا إلى اللائحة التنفيذية لضريبة القيمة المضافة. وفيما يتعلق بدور الفوترة الإلكترونية في مكافحة التهرب الضريبي والحد منه، أوضح الراشدي أن ذلك سيتم من خلال الربط الإلكتروني المباشر بين جميع الشركات الخاضعة للضريبة في سلطنة عُمان وجهاز الضرائب.
وقال: إن هذا الربط سيمنح جهاز الضرائب درجة عالية جدًا من الشفافية في التعاملات التجارية بشكل كامل؛ حيث سيكون بإمكان الجهاز الاطلاع على مختلف المعاملات التجارية ومقارنتها بالإقرارات الضريبية التي يقدمها الخاضع للضريبة.
وأضاف: إنه في حال وجود أي اختلاف بين ما يرد في الإقرار الضريبي والواقع الفعلي للمعاملات التجارية، وفقًا للتقارير والبيانات المتاحة من منظومة الفوترة الإلكترونية، فإن ذلك سيمكن جهاز الضرائب من الكشف عن أي محاولات للتهرب الضريبي من قبل أي خاضع للضريبة.
وأشار إلى أن عملية الربط مع مزود الخدمة لا تهدف فقط إلى تلبية احتياجات جهاز الضرائب، وإنما سيقدم مزود الخدمة للخاضع للضريبة مجموعة من الخدمات التي تحقق له قيمة إضافية.
وأوضح أن مزود الخدمة سيوفر للخاضع للضريبة بوابة واحدة يمكن من خلالها متابعة جميع الفواتير الصادرة والواردة، بما يسهل على الشركة إدارة عمليات الفوترة في مكان واحد، كما سيسهم ذلك بصورة كبيرة في تسهيل عملية إعداد الإقرار الضريبي.
وبيّن أن عددًا من الخاضعين للضريبة يضطرون حاليًا، في كثير من الحالات، إلى التعاقد مع مدقق ضريبي أو جهات متخصصة لمساعدتهم في إعداد الإقرارات الضريبية وغيرها من الإجراءات ذات الصلة.
وأكد أن الربط مع مزود الخدمة من شأنه أن يقلل بشكل كبير حاجة الخاضع للضريبة إلى الاعتماد على جهات أخرى للقيام بهذه الأعمال، موضحًا أن مزود الخدمة نفسه سيكون بإمكانه توفير التقارير المناسبة التي يحتاجها الخاضع للضريبة لتقديمها إلى جهاز الضرائب، إلى جانب المساعدة في إعداد الإقرارات الضريبية.
من جانبه، أوضح محمد الزدجالي مدير دائرة مكافحة التهرب الضريبي بجهاز الضرائب، أن الفوترة الإلكترونية تعد إحدى الأدوات المهمة في الحد من التهرب الضريبي وتعزيز الامتثال، لما توفره من بيانات دقيقة ومنظمة حول المعاملات التجارية، الأمر الذي يسهم في رفع مستوى الشفافية وتمكين جهاز الضرائب من رصد مؤشرات المخاطر بصورة أكثر كفاءة.
وأشار إلى أن البيانات التي توفرها الفوترة الإلكترونية تتيح لجهاز الضرائب الاستفادة منها في أعمال التحليل والفحص والتحقق، بما يعزز القدرة على متابعة مدى الالتزام بالمتطلبات الضريبية، ويحد من فرص إخفاء المعاملات أو عدم الإفصاح عنها بالشكل الصحيح.
وحول إمكانية إجراء مقارنة بين المبيعات والمشتريات لدى الشركات، أوضح الزدجالي أن من أبرز مزايا الفوترة الإلكترونية إمكانية إجراء المطابقات بين بيانات المعاملات التجارية، باعتبار أن العملية التجارية الواحدة تمثل مبيعات لدى أحد أطرافها ومشتريات لدى الطرف الآخر، وبالتالي فإن توفر بياناتها بصورة إلكترونية يتيح التحقق من مدى اتساق المعلومات المصرح عنها من الجانبين.
وبيّن أن هذه المطابقة تساعد على رصد الاختلافات والتناقضات في البيانات التي قد تستدعي مزيدًا من التحليل والفحص، موضحًا أن توفر المعلومات بصورة إلكترونية ومنظمة يختصر الوقت والجهد لجمع البيانات وتحليلها، ويسهم في اكتشاف التناقضات الضريبية بصورة أسرع وأكثر كفاءة.
وأضاف: إن ذلك سيساعد جهاز الضرائب على توجيه أعمال الفحص والتحقق نحو الحالات التي تظهر فيها مؤشرات مخاطر أعلى، بما يرفع كفاءة العمل الضريبي ويزيد الاستفادة من الموارد المتاحة.
وحول حجم الاعتماد الحالي على التدقيق التقليدي مقارنة بالتحليل الرقمي للبيانات، أوضح الزدجالي أن التدقيق التقليدي والتحليل الرقمي يمثلان أداتين متكاملتين، إلا أن التوجه يتجه بصورة متزايدة نحو تعزيز التحليل القائم على البيانات والمخاطر، بما يساعد على تحديد الحالات التي تستدعي مزيدًا من الاهتمام.
وقال: إن التحليل الرقمي يسهم في تحديد المؤشرات والحالات التي تحتاج إلى التحقق، بينما يأتي دور الفحص والتدقيق للتأكد من طبيعة تلك المؤشرات ومدى وجود مخالفات من عدمه، مؤكدًا أن الهدف من التحول الرقمي ليس الاستغناء عن التدقيق التقليدي، وإنما جعله أكثر دقة وكفاءة واستهدافًا من خلال الاستفادة من البيانات المتاحة.
وفيما يتعلق بإمكانية أن تجعل منظومة الفوترة الإدارة الضريبية أكثر استباقية، بحيث تتمكن من رصد مؤشرات التهرب الضريبي قبل تقديم الإقرار الضريبي، بدلًا من اكتشافها خلال عمليات التدقيق اللاحقة، أكد الزدجالي أن هذا يمثل أحد الجوانب المهمة التي توفرها الفوترة الإلكترونية.
وأوضح أن توفر بيانات المعاملات بصورة إلكترونية يتيح إمكانية تحليلها ورصد مؤشرات المخاطر في مرحلة مبكرة، بدلًا من الاعتماد بصورة رئيسية على اكتشاف تلك المؤشرات من خلال عمليات الفحص التي تتم بعد تقديم الإقرارات الضريبية، مشيرًا إلى أن ذلك يعزز توجه الإدارة الضريبية نحو العمل الاستباقي القائم على البيانات وتحليل المخاطر.
وأكد أن ظهور مؤشر للمخاطر لا يعني بالضرورة ثبوت وجود حالة تهرب ضريبي، وإنما يمثل إشارة تستدعي التحليل والتحقق بصورة أكبر، وفق الإجراءات والضوابط المعمول بها لدى جهاز الضرائب قبل اتخاذ أي إجراء بشأنها.
وحول كيفية تغير العلاقة بين دافع الضريبة وجهاز الضرائب مع تطبيق الفوترة الإلكترونية، أوضح الزدجالي أن المنظومة من المتوقع أن تسهم في جعل هذه العلاقة أكثر وضوحًا وشفافية، من خلال تبسيط الإجراءات ورفع جودة البيانات وتقليل الاعتماد على الإجراءات والمعاملات الورقية.
وأضاف: إن المكلف الملتزم سيستفيد من توجيه أعمال الفحص بصورة أكثر دقة نحو الحالات التي تظهر فيها مؤشرات مخاطر، بدلًا من إخضاع جميع الحالات للمستوى ذاته من التدقيق، الأمر الذي من شأنه أن يدعم الامتثال الطوعي ويعزز الثقة بين جهاز الضرائب والمكلفين.
من جانبه، أوضح ساقي بن طالب اللواتي مدير الضرائب بشركة "Deloitte"، أن استعداد الشركات لتطبيق منظومة الفوترة الإلكترونية يبدأ بمتابعة متطلبات جهاز الضرائب وتحديثاته والتواصل معه بشكل مستمر، إلى جانب الاستعانة بمستشار ضريبي معتمد، وتهيئة الموظفين والأنظمة الداخلية بما يتوافق مع متطلبات المنظومة.
وأشار إلى أن مستوى جاهزية الشركات يختلف بحسب حجمها؛ إذ تتمتع الشركات الكبيرة بقدر أكبر من الجاهزية من حيث الأنظمة والبيانات وقواعد المعلومات، بينما قد تحتاج الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى مزيد من الدعم والاستعداد، مؤكدًا أن التواصل مع جهاز الضرائب والاستعانة بالاستشاري المناسب سيسهمان في تسهيل عملية الانتقال.
وأضاف: إن الفوترة الإلكترونية تمثل تحولًا في البيئة الضريبية، خصوصًا للشركات الصغيرة والمتوسطة، من حيث تعزيز الشفافية وتنظيم البيانات والقوائم المالية بما يتوافق مع المتطلبات الجديدة، مؤكدًا أهمية مواكبة الشركات للتحديثات والسياسات الضريبية والتطورات التنظيمية في المنطقة.
وأوضح أن تأثير التحول يختلف بين القطاعات الاقتصادية بحسب طبيعة نشاطها ومدى جاهزيتها التقنية، مشيرًا إلى أن بعض القطاعات، مثل النفط، تضم شركات عالمية لديها أنظمة وتجارب سابقة في تطبيق مثل هذه المتطلبات، في حين قد تواجه قطاعات أخرى، من بينها الاستثمار والعقار، تحديات أكبر في مرحلة التكيف مع التغييرات الجديدة.
ودعا اللواتي الشركات إلى المبادرة بالاستعداد المبكر والتواصل مع جهاز الضرائب، مؤكدًا أن الجهاز يقدم الدعم للخاضعين للضريبة في تطبيق المتطلبات الجديدة، إلى جانب أهمية اختيار المستشار الضريبي المناسب لمواكبة التحديثات والالتزام بها.