القرآن قادر على إعادة بناء علاقة الإنسان بعصر الخوارزميات 

خوفي ليس من الذكاء الاصطناعي.. خوفي من الغباء البشري

أكد الإعلامي والمفكر وضاح خنفر على أن "هذه اللحظة من تاريخنا، وتاريخ الجنس البشري بأكمله، تعيش انتقالا لم يشهده الجنس الإنساني منذ أن وعي بوجوده على هذه الأرض"، موضحا أن هذا التحول يستدعي "منهجا جديدا في الرشد والوعي والفكر" يستطيع الاستجابة لتحد لم تعرفه الأجيال السابقة، وذلك في الجلسة الحوارية "صناعة الوعي في عصر الخوارزميات: الإعلام، والتكنولوجيا، ومستقبل السرديات العالمية" التي نظمتها مؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية، بالشراكة مع جامعة السلطان قابوس ممثلة بمركز خدمة المجتمع والتعليم المستمر في القاعة الكبرى بجامعة السلطان قابوس مساء أمس.


في الجلسة الحوارية التي أدارها الدكتور أحمد بن سالم الخروصي انطلق وضاح خنفر في مقاربته من مفهوم الوعي ذاته، مستحضرا قصة خلق آدم عليه السلام، ومشيرا إلى أن لحظة تحمل الإنسان مسؤوليته ارتبطت بالمعرفة، مستشهدا بتعليم آدم الأسماء، ومن هذا المنطلق رأى أن تاريخ الإنسان يمكن قراءته أيضا باعتباره تاريخا لتطور أدوات التعبير عن الوعي وتوثيقه ونقله.


وأشار إلى أن الرسوم التي تركها الإنسان القديم على جدران الكهوف قبل عشرات آلاف السنين كانت، في نظره واحدة من أقدم صور الوعي الإنساني، إذ بدأ الإنسان يعبر عن نفسه بالرسم والتوثيق، قبل أن يقطع رحلة طويلة نحو الكتابة والأبجدية، وقال إن الانتقال من الرسوم إلى الأبجدية استغرق "20 إلى 25 ألف سنة" تقريبا، قبل أن تتطور الكتابة وتتنوع وسائطها من الألواح الطينية إلى الجلد وورق البردي ثم الورق.


ومع اختراع المطبعة دخل الإنسان مرحلة جديدة في تاريخ المعرفة، واستشهد خنفر بما حدث مع مارتن لوثر في القرن السادس عشر، عندما كتب اعتراضاته على ممارسات الكنيسة، ثم انتقلت تلك الأفكار بسرعة واسعة بعد طباعتها وترجمتها إلى لغات مختلفة، الأمر الذي أسهم في اتساع الجدل الديني والفكري في أوروبا.


وأوضح أن أهمية المطبعة إضافة إلى كونها وسيلة أسرع لإنتاج الكتب فإنها غيرت علاقة الفكرة بالمجتمع، فالنص الذي كان يمكن أن يبقى محصورا في نطاق جغرافي ضيق أصبح قادرا على الانتشار في مساحات واسعة خلال فترة زمنية قصيرة.


ثم انتقلت البشرية إلى عصر الإذاعة، وهنا حدث تحول مختلف، فقد أصبحت قدرة البث الجماهيري مرتبطة بامتلاك المؤسسات والدول للإمكانات اللازمة لإنتاجه ونشره، وقال إن الراديو "أصبح أداة سلطة وأداة نفوذ وقوة"، مشيرا إلى استخدام الحكومات له في حشد المجتمعات والتأثير فيها، ومن ذلك استخدام هتلر الإذاعة على نطاق واسع في أوروبا، غير أن الجمهور في مرحلة الإذاعة، كان لا يزال يتلقى الرسالة نفسها من المصدر نفسه، وكان أمامه خيار القبول أو الرفض أو النقاش، ومع ظهور التلفزيون أخذت الصورة موقعا متقدما في تشكيل الإدراك العام.


واستعاد خنفر المناظرة التلفزيونية الشهيرة بين جون كينيدي وريتشارد نيكسون في الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 1960، باعتبارها مثالا مبكرا على تأثير الوسيط في استقبال الخطاب السياسي، وأوضح أن الذين استمعوا إلى المناظرة عبر الراديو مالوا، وفق الدراسات التي أشار إليها، إلى تقييم نيكسون على أساس حجته وأدائه الكلامي، بينما تأثر مشاهدو التلفزيون بصورة كينيدي وحضوره وأسلوبه أمام الكاميرا.


وقال إن هذه اللحظة أسهمت في ولادة مفهوم جديد في السياسة هو "السياسي الممثل"، الذي أصبح مضطرا إلى الاهتمام بمظهره وأدائه وطريقة ظهوره بقدر اهتمامه بما يقوله، ورأى أن ذلك أسهم في انتقال جزء من السياسة من عالم النص والخطاب إلى عالم المشهد والصورة.


وبعد ذلك جاءت الإنترنت لتفتح مرحلة مختلفة، أصبح فيها الإنسان قادر على إنتاج المحتوى ونشره، ووصف خنفر هذا التحول بأنه أعاد من ناحية معينة فكرة المطبعة إلى المجال العام، لكن بصورة أكثر اتساعا، إذ أصبح بإمكان كل شخص أن ينشئ موقعا أو يكتب أو ينشر ويشارك.


وقال: "أصبح كل واحد بإمكانه أن يصبح مارتن لوثر، بمعنى أن يكون له موقعه وأن يشارك في الكتابة"، مشيرا إلى أن هذه المرحلة أدت إلى انتقال المعرفة من نطاق النخب وأهل الرأي إلى فضاء أوسع يشارك فيه كل من أراد، "حتى وإن كان لديه وهم المعرفة وإن لم يكن عميقا فيها"، ومن هنا بدأ عصر فيضان المعلومات، فالإنترنت أصبح وسيلة جديدة لنقل المعرفة، وتحول تدريجيا إلى بيئة تتكاثر فيها المعلومات والمصادر والمشاركون بصورة غير مسبوقة.


من اختيار المحتوى إلى اختيار الإنسان
يرى خنفر أن التحول الأكثر عمقا بدأ مع الخوارزميات، ففي بداياتها كانت الخوارزمية تؤدي وظيفة تبدو بسيطة وهي التعرف على اهتمامات المستخدم ثم اقتراح مواد تتناسب معها، غير أن هذه العلاقة تطورت تدريجيا، فأصبحت الخوارزمية، تعرف عن المستخدم أكثر مما يعرف هو عن نفسه في بعض جوانب سلوكه الرقمي.


وقال: "بدأ الوعي الإنساني الذي كان لوحده يختار أن يسمع الراديو أو يغلق الراديو، يسمع التلفزيون أو يغلق التلفزيون، يقرأ الكتاب أو لا يقرأ الكتاب، أصبح متصلا بشيء يقرر له خياراته".


وهنا تكمن إحدى أهم التحولات التي أحدثتها البيئة الرقمية، فالإنسان لم يعد يتعامل فقط مع وسيلة ينتقي من خلالها ما يريد، وإنما مع منظومة تتعلم من اختياراته السابقة وتعيد ترتيب ما يظهر أمامه، بحيث يصبح المحتوى الذي يصل إليه جزءا من عملية حسابية معقدة لا يراها ولا يعرف تفاصيلها.


وأشار إلى أن الخوارزميات بدأت في مجال الترفيه وتقديم المحتوى الذي ينسجم مع اهتمامات المستخدم، لكن التطور اللاحق للذكاء الاصطناعي نقلها إلى مستوى أكثر تأثيرا، وقال إن الخوارزميات الحديثة "ليست خوارزميات القصد منها تضخيم المادة التي أنت ترغب بها لكي تصل إليك، بل هذه خوارزمية حاكمة فاعلة وفيها قدر عال جدا من الذكاء من خلال الذكاء الاصطناعي".


واستشهد بما وصفه بتطور التعامل الخوارزمي مع السرديات المتعلقة بالحرب في غزة، قائلا إن وسائل التواصل الاجتماعي شهدت في بدايات الحرب تفاعلات واسعة مع المحتوى المؤيد للفلسطينيين، قبل أن تتدخل جهات سياسية وتقنية، للتأثير في الخوارزميات بما يحجب سردية ويضخم أخرى.


واعتبر أن هذا يمثل انتقالا من مرحلة كانت فيها الخوارزمية تحاول تلبية رغبات المستخدم إلى مرحلة أصبحت فيها قادرة على التأثير في "ما ينبغي عليك أن تعلم به"، وأضاف: "لم تعد الخوارزمية مجرد محاولة إيصال معلومة محببة إليك تنسجم مع وعيك وفكرك، بل أصبحت محاولة للتحكم فيما ينبغي عليك أن تعلم به".


فضاء معرفي خاص لكل إنسان
تتضاعف الإشكالية، بحسب خنفر، عندما يدرك الإنسان أن شخصين يمكن أن يدخلا الموقع الإلكتروني نفسه وفي اللحظة نفسها، ثم يشاهدا محتويين مختلفين، لأن الخوارزمية تبني لكل واحد منهما بيئة معرفية تتناسب مع البيانات التي جمعتها عنه، وقال: "أنا وياك ممكن ندخل على نفس الموقع بنفس اللحظة، أنت ترى شيئا وأنا أرى شيئا، لأن الخوارزمية تقرر أن هذا مناسب لي وهذا مناسب لك".


ويرى أن هذا الأمر يؤدي تدريجيا إلى تضييق "الفضاء العمومي" الذي كان يجتمع فيه الناس حول الرسالة نفسها، إذ يصبح لكل فرد فضاء معرفي خاص به، ومن ثم قد يجد الإنسان نفسه عاجزا عن فهم سبب اختلاف الآخرين معه، لأن كل طرف ينطلق من معلومات ومحتويات مختلفة.


وأوضح أن الإنسان قد يعتقد أن ما يراه في هاتفه يعكس ذاته واهتماماته بصورة طبيعية، بينما تكون الخوارزمية قد أسهمت في بناء هذه البيئة حوله اعتمادا على تفاعلاته السابقة، ومن هنا انتقل خنفر إلى الحديث عن الإدمان الرقمي، معتبرا أن جزءا منه مرتبط بالكيفية التي تتعامل بها المنصات مع نظام المكافأة في الدماغ، وأشار إلى الدوبامين أحد العناصر المرتبطة بالشعور بالمكافأة عند التفاعل المستمر مع المحتوى.


وقال إن المستخدم قد يجد نفسه، في لحظة فراغ قصيرة، يلتقط هاتفه ويبدأ في مشاهدة المحتوى "من غير وعي"، لأن المواد التي تظهر أمامه تتوافق مع أهوائه واهتماماته وتمنحه شعورا بالمتعة، وحذر من أن استمرار هذه الحالة قد يؤدي إلى تقلص الوقت الذي يمتلكه الإنسان لبناء وعي مستقل، مع ازدياد حضور الخوارزمية في تشكيل اهتماماته، وقال: "مع الزمن سنفقد الوقت المتاح لنا كبشر لكي نعي وعيا مستقلا إنسانيا جامعا لحساب الخوارزمية التي تقدم لك الوعي".


قفزة زمنية لا يملك الإنسان رفاهية تجاهلها
ويرى خنفر أن ما يحدث اليوم يختلف جذريا عن جميع التحولات السابقة في تاريخ وسائل المعرفة، فالإنسان احتاج آلاف السنين لينتقل من مرحلة معرفية إلى أخرى، بينما تتطور الخوارزميات خلال فترات قصيرة جدا، وقال إن "العقل البشري احتاج آلاف السنين حتى يتطور من مرحلة إلى أخرى"، في حين أن قدرة الخوارزميات على التعلم والتطور يمكن أن تتضاعف بصورة متسارعة.


وأشار إلى أن بعض المتخصصين يتحدثون عن الانتقال إلى ما يسمى الذكاء الاصطناعي العام، وهي مرحلة يتصور فيها أنظمة أكثر استقلالية وقدرة على التعامل مع مجالات متعددة. ونقل عن بعض العاملين في قطاع الذكاء الاصطناعي تحذيرات من احتمال أن تصل هذه الأنظمة إلى درجة من القدرة تجعلها متداخلة مع قطاعات حيوية مثل البنوك والطيران والشركات والخدمات.


وأبدى خنفر قلقه من أن يفقد الإنسان القدرة على التحكم في الأداة التي صنعها، لكنه شدد على أن المشكلة، في رأيه، لا تكمن في الذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية في حد ذاتها، وقال بوضوح: "أنا خوفي ليس من الذكاء الاصطناعي، أنا خوفي من الغباء البشري".


وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة بالغة الفائدة عندما يوظفها "عقل رشيد"، مشيرا إلى إمكاناته في اكتشاف أدوية جديدة، وحل معادلات ومسائل معقدة، وتقديم حلول تساعد في بناء بيئات ومجتمعات أفضل، لكنه حذر في المقابل من توظيف التقنية المتقدمة من قبل قوى تسعى إلى السلطة أو لا تضع حدودا لاستخداماتها، معتبرا أن التجربة البشرية مع السلاح النووي تقدم مثالا على قدرة الإنسان نفسه على إنتاج أدوات قادرة على تدمير واسع.


وأشار كذلك إلى مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات بيولوجية، مستشهدا بما قال إنه تقارير حديثة عن محاولات لتوظيف هذه التقنية في إنتاج فيروسات خطرة، معتبرا أن وجود أدوات شديدة القوة في أيدي بشر لا يمتلكون بالضرورة منظومة أخلاقية رشيدة يمثل مصدر قلق حقيقي.


"لسنا الأمة التي تملك هذه الأدوات"
وانتقل خنفر من المخاطر العالمية إلى موقع العالم العربي والمسلمين في منظومة الذكاء الاصطناعي، معتبرا أن المشكلة لا تقتصر على الاستخدام الفردي للتقنية، وإنما تمتد إلى غياب العرب عن صناعة القرار المتعلقة بها، وقال: "نحن لسنا الأمة التي تملك هذه الأدوات للأسف"، مشيرا إلى أن دول المنطقة تملك ثروات هائلة أسهم بعضها في تمويل البنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، لكنها لا تمتلك، بحسب طرحه، حضورا موازيا في التحكم بالخوارزميات أو تحديد طريقة استخدامها.


وضرب مثالا رمزيا بالبناء، قائلا إن الأمر يشبه "الذي يبني بيتا بالطين والإسمنت والرخام ويجهز ويؤثث، ثم يأتي شخص ما بالمفتاح ويدخل إلى هذا البيت ويسكن به"، بينما لا يكون للباني نفسه دور في صناعة القرار داخل ذلك البيت، وأضاف: "نحن نزودهم بالأموال اللازمة لبناء أداة، ولكن لنا غياب تام عن التحكم في خوارزمياتها أو في طريقة تفعيلها أو استخدامها"، ومع ذلك، لم يتوقف طرحه عند تشخيص المخاطر، وإنما انتقل إلى سؤال الحماية الذاتية وبناء وعي قادر على التعامل مع هذا العصر.


القرآن مرجعية في زمن "السيولة"
ويرى خنفر أن العالم يعيش مرحلة من "السيولة" المعرفية والفكرية، وأن كثيرا من اليقينيات التي حكمت العقل الحديث تعرضت للمراجعة، واستشهد بتطورات الفيزياء الحديثة، ولا سيما فيزياء الكم، مشيرا إلى انتقال بعض التصورات العلمية من اليقين إلى الاحتمال، ومن هذا التحول انتقل إلى الحديث عن المرجعية الدينية، معتبرا أن الإنسان في زمن تتغير فيه المرجعيات يحتاج إلى ثابت لا يخضع للتقلبات نفسها، وقال إن القرآن الكريم يمثل، بالنسبة إلى المسلمين، "نصا ثابتا نزل منذ 1400 سنة لم يتغير فيه حرف"، ورأى أن ثبات النص يمنحه أهمية خاصة في زمن تتغير فيه المعارف والتصورات بسرعة.


وقال: "كل ما في الكون في حالة سيولة إلا نصا واحدا لا يمكن أن يتغير"، ومن هنا دعا إلى قراءة القرآن الكريم قراءة جديدة تستجيب لتعقيدات العصر، مؤكدا أنه لا ينتقص من جهود المفسرين والعلماء السابقين، وإنما يرى أن النص القرآني، كتاب هداية، ينبغي أن يظل قادرا على مخاطبة الإنسان في كل مرحلة تاريخية.


وقال: "أريد أن أعود إلى ذلك الثابت المركزي الكوني الذي نزل من السماء والذي لم تصنعه التجربة الإنسانية، أعود إليه لكي أفهم منه كيف أتعامل مع هذا الزمن"، وربط خنفر بين الخوارزمية التي تعمل على إعادة تشكيل سلوك الإنسان وبين الحاجة إلى بناء وعي قرآني يعيد للإنسان قدرته على الاختيار، معتبرا أن "البرمجة الخوارزمية يمكن أن تعادلها البرمجة القرآنية"، داعيا الباحثين والعلماء إلى تطوير هذا المجال معرفيا.


طوفان الأقصى وتحولات المنطقة
وفي محور آخر من الحوار، طرح مدير الجلسة سؤالا حول ما إذا كانت التحولات التي يشهدها العالم، سياسيا ومعرفيا ورقميا، يمكن النظر إليها باعتبارها من الآثار الممتدة لما حدث منذ عملية "طوفان الأقصى"، وكيف يمكن للمسلم أن يتعامل مع هذه التحولات.


تعامل خنفر مع الحدث باعتباره "محطة في مسيرة" أطول، وربطه بالسياق التاريخي للمنطقة منذ الحرب العالمية الأولى. وقال إن آثار الحرب العالمية الأولى لم تُغلق في المنطقة بالطريقة نفسها التي أغلقت بها في مناطق أخرى، وإن كثيرا من أزمات الشرق الأوسط المعاصرة تعود، في قراءته، إلى ترتيبات سياسية وجغرافية تشكلت في تلك المرحلة.


وأشار إلى أن انهيار مفهوم "الأمة" وصعود الدولة القومية ترك فراغا في المنطقة، معتبرا أن الدول الأوروبية استطاعت لاحقا بناء أطر إقليمية جديدة للتعاون والتكامل، بينما ظلت المنطقة العربية تعاني من الانقسام وعدم وجود إطار جامع يملأ الفراغ الذي نشأ عن انهيار النظام القديم.


وفي قراءته لتاريخ القضية الفلسطينية، وضع خنفر "طوفان الأقصى" ضمن سلسلة طويلة من الأحداث والتحولات، بدءا من قيام دولة إسرائيل عام 1948، ثم حرب عام 1967، وصولا إلى التحولات التي شهدتها المنطقة بعد تراجع مشاريع القومية العربية والاشتراكية والتيارات العلمانية، وصعود حركات المقاومة الشعبية.


وقال إن ما جرى في السابع من أكتوبر يمثل، "محطة استراتيجية كبيرة"، لكنه رأى أن فهمها يحتاج إلى تجاوز الحدث المباشر والنظر في السياق الإقليمي والتاريخي الممتد، وأضاف أن المنطقة تمر، في تقديره، بمرحلة انتقالية لم تتشكل ملامح نظامها الجديد بعد، وأن الصيغ السياسية التي قامت في أعقاب الحرب العالمية الأولى أصبحت موضع اختبار شديد.


وفي هذا السياق استشهد بالعبارة التي تصف المراحل الانتقالية بأن "القديم يموت والجديد لم يولد بعد"، معتبرا أن المنطقة تقف أمام حالة من الفراغ السياسي والاستراتيجي، حيث لم تعد الأدوات القديمة قادرة على تقديم حلول كافية، فيما لم يتبلور البديل بصورة واضحة.


وقال إن الأحداث الأخيرة جعلت كثيرا من السياسيين والخبراء يعيدون النظر في تصوراتهم السابقة، لأن "الحلول القديمة استُنفدت"، الأمر الذي يفتح، في رأيه، الباب أمام نقاش أوسع حول شكل المنطقة ومستقبلها، وربط ذلك بمسألة الهوية والانتماء، مشيرا إلى أن بناء الدولة الوطنية أدى في مراحل مختلفة إلى تقديم الانتماءات القطرية على الانتماء الأوسع، بحيث أصبحت عبارات مثل "الأردن أولا" و"مصر أولا" و"فلسطين أولا" تعبر عن أولويات سياسية وطنية، بينما تراجع حضور مفهوم الأمة في الخطاب العام.


ورأى أن التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية تقدم نموذجا مختلفا، إذ تمكنت دول كانت قد خاضت حروبا دامية، مثل فرنسا وألمانيا، من الانتقال إلى مشاريع للتكامل والتعاون الإقليمي، أما العالم العربي، بحسب قراءته، فلم ينجح في بناء إطار مماثل يحقق مستوى من التكامل الاقتصادي والسياسي والاستراتيجي، وأكد أن المشكلة، في نظره، لا تتعلق بالحدود بكونها واقعا سياسيا قائما فحسب، وإنما بطريقة تحول الحدود إلى جزء من الوعي الذي يعزل المجتمعات عن بعضها، وقال في هذا السياق إن المنطقة "ركبت صناعيا"، وإن إعادة بناء الوعي تحتاج إلى استعادة الذاكرة التاريخية وفهم الأسباب التي أوصلت المنطقة إلى شكلها الراهن.