واصلت فعاليات الدورة الثانية من مهرجان ظفار الدولي للمسرح، الذي تنظمه بلدية ظفار بالتعاون مع الجمعية العُمانية للمسرح ضمن موسم خريف ظفار 2026، تقديم عروضها التنافسية في يومها الثالث، وسط حضور جماهيري وفني لافت على مسارح صلالة.

شهد اليوم الثالث ثلاثة عروض مسرحية متميزة توزعت على المسارات الثلاثة للمهرجان، عكست تنوع الرؤى والأساليب الفنية المشاركة من الدول العربية والأجنبية.


في الرابعة عصرًا، قُدم العرض التونسي «الهاربات» ضمن مسار «عروض النخبة» على مسرح أوبار، ليقدم تجربة مسرحية تونسية معاصرة لاقت تفاعلًا إيجابيًا من الجمهور ولجان التحكيم.

أكدت المخرجة المسرحية التونسية وفاء الطبوبي أن العرض يحمل بعدًا فكريًا وإنسانيًا شموليًا ينطلق من واقع القضايا الاجتماعية في الشارع العربي والتونسي ليتشابك مع أزمات الإنسان المعاصر عالميًا، وفي مقدمتها هشاشة سوق العمل وتراجع التشريعات الضامنة لحقوق العمال، وتفاقم الضغوط المعيشية، ليرصد التحولات العميقة في السلوك الإنساني والنفسية البشرية في أعقاب جائحة «كورونا» والتداعيات المتلاحقة للحروب والأزمات الاقتصادية، مشيرةً إلى أنه في ظل هيمنة التكنولوجيا والتسارع المادي والمكننة، بات الإنسان يعاني حالة من التباطؤ الوجداني والغربة النفسية والدوران في متاهة وجودية معقدة.

وأضافت الطبوبي: يتساءل العرض بجرأة عن جوهر السعادة ومدى تحولها إلى وهم زائف في ظل انغماس المجتمعات في الاستهلاك والرفاهية المادية على حساب الاحتياجات النفسية والعاطفية الأصيلة، داعيةً من خلال رؤيتها الإخراجية إلى إعادة الاعتبار للإنسان في لحظات ضعفه وغضبه وفرحه، والوقوف عند حدود الألم الإنساني قبل أن يتحول إلى حالة من التبلد والاعتياد.


وفي السادسة مساءً، عُرض العمل الجورجي «أزيف نفسي» (Fake Myself) ضمن مسار «العروض الكبرى» على مسرح مركز السلطان قابوس الثقافي، مقدمًا رؤية فنية حديثة تناقش قضايا الهوية والذات بأسلوب بصري وتعبيري مكثف.

أما العرض الثاني فعُرض بمسرح مجمع السلطان قابوس الشبابي للثقافة والترفيه بصلالة لفرقة سراجي من جمهورية جورجيا بعنوان «الذات المزيفة» (Fake Myself) ضمن مسابقة العروض الكبرى.

العرض يُعرض لأول مرة بالدولة، ويوضح أن كل روح تأتي إلى هذا العالم محمّلة بمعنى وغاية ومسار خاص، وحين تحل الروح على هذه الأرض لا تأتي عبثًا، بل تحمل في أعماقها معنى وقصدًا، وفي داخل كل واحد منا غاية خفية ومسار ينتظر أن نكشفه، ولكن هل تستطيع الروح أن تتذكر ما جاءت من أجله بعدما تكبر بين ضجيج هذا العالم؟ وقالت الفنانة أتو هاسل، إحدى مؤسسات الفرقة، إن الفرقة انطلقت مسيرتها قبل نحو عامين، والعمل رؤية تعبيرية تتناول رحلة الروح البشرية منذ هبوطها إلى الأرض وما تتعرض له من مؤثرات واشتراطات بيئية تُفقدها صلتها بوعيها الأصيل، مشيرةً إلى أن النص يستكشف السعي الإنساني المستمر للاستدلال على جوهر الحقيقة والتسامي فوق التفاصيل اليومية.


أما في الثامنة مساءً، فقد اختُتم اليوم بعرض عُماني محلي هو «مسامير الخلود» ضمن مسار «مسرح ظفار» على مسرح المروج، ليبرز قدرة الفرق المحلية في محافظة ظفار على تقديم أعمال تنافسية تستلهم التراث والواقع المعاصر.

وبالتوازي مع العروض، استمرت الورشة التدريبية اليومية التي يقدمها الفنان السوري جهاد سعد بعنوان «الممثل والجسد... والمساحة والفراغ»، والتي تستهدف المسرحيين العُمانيين الشباب، في إطار البرنامج المصاحب للمهرجان الهادف إلى تطوير المهارات الفنية والارتقاء بالحركة المسرحية المحلية.

العرض لفرقة الأصالة للفنون المسرحية، تأليف وإخراج أحمد الجابري، بطولة الشريف حسين بن علي العمري وحسام هبيس وعلي الكثيري، ويناقش العرض ظاهرة الغش والخداع وتشبث بعض البشر بالسلطة والمقاعد، ليطرح لهم سؤالًا عميقًا: كيف تريد شكل مقعدك؟! لتبدأ رحلة البحث الحقيقية التي تكتشف فيها الشخصيات أنها ليست سوى مسامير تحاول التثبيت في أوهام الخلود، من خلال ثلاثة نجارين يعملون داخل ورشة قديمة ومتهالكة، يجمعهم الطمع وأسلوبهم الملتوي في خداع الزبائن عبر إلصاق الكراسي المحطمة بالغراء.

تنقلب الأجواء فجأة عندما تستمع الورشة عبر الإذاعة إلى خبر إطلاق مسابقة صنع كرسي الملك، وهنا ينخرط النجارون الثلاثة في صراع وتهافت شرس للوصول إلى الفوز.

وعن العرض قال المخرج والمؤلف أحمد الجابري: في «مسامير الخلود» لم أكن أبحث عن سرد حكاية تقليدية لثلاثة نجارين فحسب، بل سعيت لأن تكون الورشة مرآة مصغرة لعالمنا البشري المليء بالزيف، فالغراء الذي يلصقون به الكراسي المحطمة هو ذاته الغراء الذي نستخدمه لتغطية عيوب طمعنا وتشبثنا الزائف بالمناصب، لذلك حرصت على مزج الكوميديا السوداء بالرمزية الفلسفية، ليخرج المشاهد متأملًا كرسيه الخاص في الحياة، فعندما تكتظ الحياة بنماذج الخلود حينئذٍ لن نرى سوى الجحود.


يُذكر أن المهرجان، الذي انطلقت فعالياته في 14 سبتمبر ويستمر حتى 22 سبتمبر 2026، يضم 15 عرضًا مسرحيًا من تسع دول (تونس، العراق، مصر، الإمارات، سلطنة عُمان، الهند، تركيا، جورجيا، وإسبانيا)، موزعة على ثلاثة مسارات رئيسة: «العروض الكبرى»، و«عروض النخبة»، و«مسرح ظفار»، مع جوائز تصل إلى 50 ألف دولار لكل مسار.

ويأتي تنظيم الدورة الثانية بعد النجاح الذي حققته الدورة الأولى عام 2024، في إطار تعزيز التبادل الثقافي والفني وتنشيط الحركة المسرحية في سلطنة عُمان، وترسيخ مكانة محافظة ظفار كوجهة ثقافية بارزة.