واشنطن "د.ب.أ": تشهد الحرب في أوكرانيا جهودا ومساعي دبلوماسية متواصلة بحثا عن تسوية تنهي القتال وتضع حدا للخسائر والدمار، وسط تعقيدات سياسية وأمنية كبيرة.
ويقول الباحث أحمد الشرعي ناشر مجلة "جيروزاليم ستراتيجيك تريبيون" وعضو مجالس إدارة كل من المجلس الأطلسي ومجموعة الأزمات الدولية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وغيرها من المؤسسات في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية، إنه في يوم الأحد، طرح فريد زكريا، مقدم البرامج في شبكة "سي إن إن"، سؤالا جادا وضروريا: هل تسيء إدارة ترامب فهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على نحو خطير؟.
ويضيف أن الرئيس بوتين، بطبيعة الحال، قومي روسي تشكلت شخصيته خلال مسيرة مهنية في أجهزة الاستخبارات السوفيتية، حيث كان التستر والتلاعب واستغلال نقاط الضعف أدوات للنفوذ. وهو يسعى إلى تقليص النفوذ الأمريكي.
ويقول الشرعي إن الأدلة تظهر في مختلف أنحاء العالم. فوفقا لصحيفة "فاينانشال تايمز"، ساعدت روسيا إيران سرا في تطوير تكنولوجيا متقدمة للصواريخ الجوالة فرط الصوتية. كما دعمت موسكو فنزويلا ومدت نفوذها عبر أفريقيا، مستخدمة الطاقة والتضليل الإعلامي والقوة العسكرية ضد المصالح الغربية. ويضيف الشرعي أنه يتعين على أي طرف يتفاوض مع بوتين أن يدرك أنه يحترم القوة، ويدرس الانقسامات الداخلية، وقد يستخدم الدبلوماسية نفسها كسلاح.
لكن اللحظة الأكثر تأثيرا في فقرة زكريا كانت شهادة إيرينا تشيتشوتكينا، الشريكة المؤسسة لشركة "روزيتكا"، إحدى أكبر شركات التجارة الإلكترونية في أوكرانيا. فقد ساعدت في بناء مركز لوجستي تبلغ قيمته 70 مليون دولار خارج كييف، كان يعمل به نحو ألف شخص، ويدعم عشرات الآلاف من البائعين الأوكرانيين. وكان المستودع يمثل سنوات من العمل والتضحيات. وبالنسبة إلى إيرينا، وهي أم لأربعة أطفال، كان يمثل أيضا وقتا اقتطعته من أطفالها لبناء شيء من أجل مستقبل بلادها.
ثم أصابت ثلاثة صواريخ روسية المنشأة، فالتهمتها النيران. واختفت سنوات من الجهد البشري وسط الدخان والحديد الملتوي. وعندما دعيت إلى مخاطبة بوتين، ناشدت بدلا من ذلك المجتمع الدولي قائلة: "لمساعدتنا على حماية سمائنا حتى يتمكن الأوكرانيون من العيش بسلام، ويتمكن الأطفال من الذهاب إلى المدارس، وتتمكن الشركات من العمل، وحتى لا نضطر بعد الآن إلى العيش في الملاجئ أو التحقق باستمرار من تحذيرات الغارات الجوية، وحتى يتوقف رجالنا عن الموت".
-ما الذي ينبغي فعله؟-
ويتساءل الشرعي: هل ينبغي للغرب أن يواصل حربا ضد قوة نووية من دون هدف سياسي يمكن تحقيقه بوضوح؟ هل ينبغي له التصعيد والمخاطرة بمواجهة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي؟ هل ينبغي له أن يشاهد المزيد من أوكرانيا وهي تتعرض للدمار؟ أم ينبغي له التفاوض؟.
ويقول إن هذه ليست مسألة اختيار بين فهم بوتين والسعي إلى السلام. ولا يمكننا معرفة كل التقييمات التي تُجرى داخل البيت الأبيض في عهد الرئيس دونالد ترامب. لكن لا يمكن لأي سياسة أمريكية جادة أن تقوم على افتراض أن بوتين شريك حسن النية.
والسؤال المطروح هو ما إذا كانت الدبلوماسية، المدعومة بأدوات الضغط، قادرة على وقف تدمير أوكرانيا.
ولا يتعين أن تتطلب المفاوضات ثقة مطلقة. فقد تفاوض الرئيس الراحل رونالد ريجان على معاهدة القوى النووية متوسطة المدى لعام 1987 مع الرئيس السوفيتي ميخائيل جورباتشوف، ما أدى إلى القضاء على فئة كاملة من الصواريخ في ظل إجراءات تحقق غير مسبوقة. وكان مبدأ ريجان واضحا: "ثق، ولكن تحقق". ويقول الشرعي إن الواقعية نفسها يجب أن توجه مفاوضات اليوم.
ويقول: كما دعوت مؤخرا في صحيفة "جيروزاليم ستراتيجيك تريبيون"، يجب أن تنتهي هذه الحرب، ولكن ليس من خلال السذاجة. وينبغي أن يستند أي اتفاق ذي مصداقية إلى خمسة مبادئ.
أولا، يجب أن تتوقف الهجمات على المدنيين والبنية التحتية الحيوية، يعقب ذلك وقف أوسع لإطلاق النار، يتم التحقق منه من خلال الاستخبارات والأقمار الاصطناعية والمراقبين الدوليين.
ثانيا، يجب ألا يجبر وقف إطلاق النار أوكرانيا أو حلفاءها على الاعتراف بالسيادة الروسية على الأراضي المحتلة. فالسيطرة العسكرية والسيادة القانونية أمران مختلفان. ويمكن إرجاء الوضع النهائي للأراضي من دون التخلي عنه.
ثالثا، يجب أن تظل أوكرانيا دولة ذات سيادة، وقابلة للحياة اقتصاديا، وقادرة على الدفاع عن نفسها. ويجب أن تشمل الضمانات الدفاعات الجوية، والتعاون الاستخباراتي، ومساعدات محددة مسبقا في حال هاجمت روسيا مرة أخرى.
رابعا، ينبغي ألا تحصل روسيا على تطبيع فوري للعلاقات. ويجب تخفيف العقوبات فقط بعد التحقق من الالتزام، وإعادتها تلقائيا بعد الانتهاكات الجسيمة. ويجب ألا يستبدل الغرب أبدا تنازلات لا رجعة فيها لتحل محلها وعود روسية قابلة للتراجع.
خامسا، يجب أن تبدأ إعادة الإعمار بمجرد أن يسمح الوضع الأمني بذلك. فلا يمكن لأوكرانيا أن تظل دولة ذات سيادة إذا تُركت موانئها وأنظمة الطاقة واقتصادها في حالة خراب. ومع مرور الوقت، يمكن لممرات تجارية محمية، وملاحة في البحر الأسود، واستثمارات خاضعة للإشراف أن تمنح كلا المجتمعين مصلحة مادية في الاستقرار. ولا ينبغي أن يتخذ ذلك شكل إعادة اعتماد أوكرانيا على روسيا، بل زيادة تكلفة العودة إلى الحرب.
-اتفاق رغم العداء العميق-
ويقول الشرعي إن مهمة المبعوث الأمريكي الخاص لبعثات السلام، جاريد كوشنر، ليست صناعة الثقة بين عشية وضحاها. وأثناء إجرائه المفاوضات مع روسيا، يتعين عليه تحديد ما إذا كانت المصالح العملية المشتركة يمكن أن تساعد الروس والأوكرانيين على الحفاظ على اتفاق رغم العداء العميق بينهما. وهذه الإمكانية تستحق الاختبار. ويجب أن يحد الأمن من تجدد العدوان، بينما تمنح المصالح الاقتصادية والإنسانية كلا المجتمعين سببًا لعدم العودة إلى الحرب.
وعليه يخلص الشرعي إلى أنه ينبغي أن يكون المبدأ في التعامل مع بوتين بسيطا: الاختبار والتحقق والإنفاذ. والحفاظ على الضغط، وعدم منح المزايا إلا بعد الالتزام، وتحديد عواقب الانتهاكات مسبقا.
ويقول إن نداء إيرينا يذكرنا بما هو على المحك في نهاية المطاف: ما إذا كان شعب بأكمله سيتمكن من استعادة زمام مستقبله. ويشدد على أن الدبلوماسية لا تستطيع تغيير طبيعة بوتين، لكن إدارة شؤون الدولة بانضباط يمكن أن تحد من خياراته، وترفع تكلفة تجدد العدوان، وتخلق الظروف التي تتيح للأوكرانيين أن يعيشوا بعد انتهاء هذه الحرب.