بمشاعر تختلط فيها مرارة الغياب بذكريات سنوات طويلة من العطاء، يستعد حارس المرمى الدولي فايز الرشيدي لخوض تجربة جديدة مع المنتخب الوطني، ولكن هذه المرة خارج رواق المستطيل الأخضر، بعدما أسدل الستار على مسيرته الدولية معلنًا اعتزاله اللعب الدولي بقميص الأحمر، عقب رحلة حافلة بالمحطات والبطولات والمواقف التي رسخت اسمه في ذاكرة الكرة العُمانية.
فايز الرشيدي، حارس مرمى الفريق الكروي الأول بنادي النهضة، الذي اعتاد أن يكون أحد الأسماء الحاضرة في قائمة المنتخب الوطني، وأن يقف بين الخشبات الثلاث في أصعب المواعيد، وجد نفسه أمام مشهد مختلف تمامًا مع إعلان القائمة الجديدة للمنتخب، بعدما خلا اسمه منها للمرة الأولى، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها التشجيع والمؤازرة من خلف الشاشات، بدلًا من الحضور داخل غرفة الملابس وعلى أرضية الملعب.
وفي حديث ذي شجون، وتصريحات صحفية أطلقها لإذاعة الشبيبة عشية موقعة النهضة وضيفه التعاون السعودي التي أقيمت مساء اليوم على أرضية مجمع السلطان قابوس الرياضي ببوشر، في مستهل مشوار الفريقين ببطولة دوري أبطال آسيا ٢، استعاد فايز الرشيدي (٣٨ عامًا) شيئًا من ذكرياته مع المنتخب الوطني، وتحدث باستفاضة عن مكنون أحاسيسه الجياشة التي تختلج وجدانه تجاه الغياب عن كأس الخليج المقبلة، مؤكدًا أن لكل بداية نهاية، وأن اعتزاله الدولي لا يعني نهاية علاقته بالمنتخب الوطني، بل انتقالها إلى موقع آخر من المسؤولية، سيواصل من خلاله دعمه ومساندته للجيل الجديد الذي يحمل راية الأحمر.
لكل بداية نهاية
وأفصح فايز الرشيدي أن غيابه عن القائمة الجديدة للمنتخب الوطني يمثل محطة طبيعية في مسيرة أي لاعب، مؤكدًا أن مشاعر الاعتزال والابتعاد عن أجواء المنتخب ليست سهلة على من عاش سنوات طويلة بين صفوفه.
ويضيف: كما قلت دائمًا، لكل بداية نهاية، وشغفي بالمنتخب الوطني لا ينضب معينه، فاليوم فايز الرشيدي ليس موجودًا، لكن البركة في زملائي الموجودين، فكما يعلم الجميع، تعج صفوف منتخبنا الوطني بكوكبة مدججة من حراس المرمى المميزين على غرار إبراهيم المخيني، وأحمد بن فرج الرواحي، وإبراهيم الراجحي، ولا يساورني الشك مطلقًا في قدرتهم على تقديم الإضافة وحماية عرين المنتخب الوطني في البطولات والاستحقاقات الدولية المقبلة، وأقربها بطولة كأس خليجي ٢٧ التي ستنطلق بعد أيام في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية.
وأكد الرشيدي أن المنتخب الوطني لم يكن يومًا مرتبطًا باسم لاعب واحد، لافتًا إلى أن قوة الأحمر تكمن في التركيبة الجماعية للفريق، وفي قدرة الأجيال المتعاقبة على تحمل المسؤولية.
موضحًا في هذا الشأن بقوله: بطبيعة الحال، المنتخب الوطني لا يقف على اسم معين، ولله الحمد تزخر صفوفنا بكوكبة رائعة من النجوم اللامعة، وهذه المرة سأكون مناصرًا مساندًا للمنتخب من خلف الشاشات، وأتمنى لهم كل التوفيق.
من غرفة الملابس إلى خلف الشاشات
ولأن كأس الخليج تحديدًا ارتبطت في ذاكرة الرشيدي بسنوات طويلة من الحضور والمنافسة والضغط الجماهيري، فإن غيابه عن النسخة المقبلة يفرض عليه شعورًا مختلفًا، بعدما اعتاد أن يعيش تفاصيل البطولة لاعبًا، من داخل غرفة الملابس إلى أرضية الملعب، وصولًا إلى اللحظات الحاسمة التي تسبق صافرة النهاية.
ويستحضر الرشيدي تجربته مع كأس الخليج الماضية التي أقيمت في سلطنة عُمان، قائلًا إن آخر بطولة خليجية حضرها كانت في مجمع السلطان قابوس الرياضي ببوشر، لكنه هذه المرة سيجد نفسه في موقع المشجع، وهي تجربة يصفها بالمختلفة تمامًا.
وأردف قائلًا في هذا الشأن: تقريبًا آخر بطولة حضرتها كمشجع كانت هنا في مجمع السلطان قابوس الرياضي ببوشر، وعلى وجه التحديد إبان دورة كأس الخليج العربية التاسعة عشرة التي احتضنتها مسقط مطلع يناير ٢٠٠٩، وكنت يومها واحدًا من بين الجماهير المولعة والمغرمة بعشق الأحمر، وكنت دائمًا شغوفًا ومولعًا بهيام الأحمر، متقد الشموع في المدرجات، وهكذا هو الحال عندما تكون لاعبًا يكون وضعك مختلفًا تمامًا بالمقارنة مع وضعك عندما تكون مشجعًا مؤازرًا في المدرجات.
ولا يخفي الحارس الدولي المعتزل أن الضغط النفسي من المدرجات قد يكون في بعض الأحيان أكبر من الضغط الذي يعيشه اللاعب داخل أرضية الملعب، مبينًا أن اللاعب يكون منشغلًا بالمهمة والمسؤولية وبمجريات المباراة، بينما يعيش المشجع كل لحظة بترقب وتوتر.
وفي سياق متصل، استطرد قائلًا: مما لا شك فيه أن حجم الضغط النفسي الهائل الذي يحاصرك عندما تكون في المدرج، لا يمكن مقارنته بالضغط الذي تعيش تفاصيله كلاعب في أرضية الملعب، فعندما تكون لاعبًا يكون تركيزك على المباراة وما يحدث داخل الملعب، لكن عندما تكون مشجعًا تصبح متوترًا مع كل دقيقة وكل فرصة، وقد تفقد السيطرة على ثباتك الانفعالي، وتشعر بأنك لا تملك شيئًا سوى الانتظار والتشجيع.
ذكريات لا تغيب
وعلى الرغم من أن قرار الاعتزال الدولي يضع حدًا لمسيرة اللاعب مع المنتخب، فإن الرشيدي يرى أن الذكريات التي صنعها بقميص الأحمر ستظل حاضرة، وفي مقدمتها مشاركاته في بطولات كأس الخليج والمواقف التي عاشها برفقة زملائه والجماهير العُمانية.
ولفت الرشيدي إلى أن اللاعب عندما يستعيد ذكريات تلك البطولات، فإن تفاصيل كثيرة تعود إلى الواجهة، مشيرًا إلى أن حصد لقب كأس الخليج الثالثة والعشرين بالكويت تحديدًا، والذكريات التي رافقت ذلك النهائي على أرضية استاد جابر الدولي، تمثل إحدى المحطات التي ستظل عالقة في ذاكرته.
واسترسل في هذا السياق: عندما نتذكر كأس الخليج، بالتأكيد ستأتي لحظات كثيرة إلى الذاكرة، ومن بينها نهائي كأس الخليج الثالثة والعشرين بالكويت، ولله المنة والفضل أعتقد أنني تركت انطباعًا إيجابيًا لدى الجماهير العُمانية قاطبة بشكل عام، وهذا الشيء أعتز به كثيرًا.
وأكد الرشيدي أن علاقته بالجماهير العُمانية ستظل واحدة من أجمل مكاسب مسيرته الكروية، معتبرًا أن تقدير الجماهير للاعب يمثل قيمة معنوية لا تقل أهمية عن تحقيق البطولات والإنجازات، لا سيما عندما يكون العطاء نابعًا من الإخلاص للشعار، ومقترنًا بالرغبة في تمثيل الوطن بأفضل صورة ممكنة.
بطولتان على الأبواب.. والدعم الجماهيري عنوان المرحلة
ومع اقتراب المنتخب الوطني من استحقاقات مهمة خلال الفترة المقبلة، يرى الرشيدي أن المرحلة القادمة تتطلب التفافًا جماهيريًا واسعًا حول المنتخب الوطني، خصوصًا مع تزامن بطولتين كبيرتين خلال فترة زمنية قصيرة، هما كأس الخليج وكأس آسيا.
وفي هذا الصدد، علق الرشيدي قائلًا: أعتقد أنها فترة مهمة وحساسة للمنتخب، وخلال ثلاثة أو أربعة أشهر ستكون هناك بطولتان مهمتان تتمثلان في كأس الخليج، وبعدها كأس آسيا في المملكة العربية السعودية، ونتمنى التوفيق لمنتخبنا الوطني، ونمني النفس أن تكون الجماهير العُمانية حاضرة، وأن تقف خلف اللاعبين وتدعمهم.
ويرى الرشيدي أن الدعم الجماهيري يمثل عنصرًا مهمًا في منح اللاعبين الثقة، وعلى وجه الخصوص الوجوه الجديدة التي ستدخل أجواء البطولات للمرة الأولى، مؤكدًا أن اللاعب عندما يشعر بأن الجماهير تقف إلى جانبه، يصبح أكثر قدرة على تقديم مستواه الحقيقي وتحمل ضغوط المنافسة.
رسالة من القلب للوجوه الجديدة
وفي ختام مساحة حديثه، وجه فايز الرشيدي رسالة خاصة إلى اللاعبين الذين ستشهد البطولة المقبلة ظهورهم الأول بقميص المنتخب الوطني في منافسات كأس الخليج، داعيًا إياهم إلى عدم الاستسلام لحاجز الرهبة النفسية، والإيمان بقدراتهم، والتعامل مع الفرصة باعتبارها مسؤولية وفخرًا في الوقت عينه.
وفي هذا الشأن، أفصح الرشيدي قائلًا: نصيحتي لهم من القلب: كونوا على قدر عالٍ من المسؤولية، وثقوا في أنفسكم وفي إمكاناتكم، هناك ثلة من اللاعبين الذين سيشاركون للمرة الأولى، ومنهم تركي بيت ربيع، وعبدالحافظ حديد، والحارث المخيني، وعبدالمجيد البلوشي وغيرهم، وأتمنى أن يقدموا أفضل ما لديهم.
واستدرك قائلًا: مثلما تستمتعون بمباريات الدوري وتلعبون فيها، عليكم أن تستمتعوا أيضًا بارتداء قميص المنتخب، مع إدراك أن هناك أنظارًا كثيرة ستتابعكم، ثقوا في إمكاناتكم واستغلوا الفرصة، وكونوا على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقكم.
وأكمل الرشيدي رسالته متمنيًا للجيل الجديد التوفيق في مهمته الوطنية، مؤكدًا أن ارتداء شعار المنتخب شرف ومسؤولية، وأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تضافر الجميع، من لاعبين وجهاز فني وجماهير، حتى يواصل الأحمر مسيرته في الاستحقاقات المقبلة، فيما سيكون هو هذه المرة في المدرجات، يحمل ذات الشغف والولع، ويعيش ذات القلق، ولكن من موقع المشجع الذي سيظل قلبه معلقًا بقميص الوطن.

**media[3514596]**