حين تصمم حياتك في الدفاع عن حرية الآخرين واستقلاليتهم، وفي بناء استقلاليتك أنت أيضاً بشيء من العناد، يصبح الانتقال إلى موقع يقتضي منك توجيه شخص آخر أمراً مربكاً على نحو لم تكن تتوقعه. قد يكون أصغر منك، أقل خبرة، أو أي تنويعة لوجوده داخل مساحة من سلطتك.


تريد أن تقول له: هذا قرار سيئ، لا تفعل ذلك، أو ربما عليك أن تنظر إلى الأمر بطريقة أخرى. ثم تتوقف. بأي حق؟ أين ينتهي التوجيه وتبدأ الوصاية؟ وهل يختلفان حقاً؟ وهل احترام استقلالية الآخر يعني أن تتركه لخياراته، حتى حين تعتقد أنها خاطئة؟
ويزداد ارتباكي حين تأتي الإجابة بلغة حقوقية حاسمة من قبيل: «أنا حر»، من دون معرفة موازية تسند هذا الموقف. هنا يبدأ بالنسبة لي سؤال العلاقة بين الحرية والمعرفة.


وأنا أفكر في المسألة، أجد نفسي مترددة أمام افتراض يبدو بديهياً للوهلة الأولى: أن المعرفة دائماً أفضل، وأن امتلاكها شرط لاتخاذ موقف مسؤول.

لكن ماذا لو كان التحرر، في جانب منه، يعني تحديداً التخفف من هذا الشرط؟ أعود هنا إلى ما تسميه بعض الأدبيات بـ«العبء المعرفي» وإلى فكرة قريبة هي "عبء التبرير" وهو العبء الذي يقع على بعض الأفراد لكي يشرحوا أنفسهم باستمرار، ويبرروا اختياراتهم، ويثبتوا أنهم يعرفون بما يكفي ليُسمح لهم بأن يعيشوا كما يريدون.


أفكر مثلاً في الاختيارات الدينية أو الاجتماعية أو السياسية أو في أنماط الحياة التي كانت، مع أجيال سابقة، تحتاج إلى مرافعة كاملة: عليك أن تقرأ، وأن تعرف تاريخ الفكرة التي ترفضها، وأن تكون قادراً على الدفاع عن خروجك عنها، كأن الحرية نفسها لا تُمنح إلا لمن ينجح في امتحان معرفي.
ربما كان أحد إنجازات المشاريع التحررية أنها كسرت، هذا جزئياً على الأقل.

صار من الممكن أن يكون الاختلاف عادياً، لا أطروحة. وهذا في حد ذاته مكسب كبير، لأن العيش المشترك لا يمكن أن يقوم على أن يقدم كل فرد، في كل مرة، مذكرة دفاع عن شرعية وجوده وخياراته. لكن الارتباك يبدأ حين أحاول أن أعرف أين تنتهي هذه الفكرة.

لأن حق الفرد في ألا يبرر حياته معرفياً لا يعني بالضرورة أن المعرفة أصبحت زائدة عن الحاجة، ربما احتاج التحرر، في مرحلة ما، إلى أن نفصل بين الحق في العيش والقدرة على التبرير، لكن ماذا يحدث حين يمتد هذا الفصل إلى كل شيء، وحين يصبح عدم الحاجة إلى المعرفة شرطاً للحياة ثم يتحول، من دون أن ننتبه، إلى عدم اكتراث بها؟ هذا هو السؤال الذي لا أجد له جواباً سهلاً: كيف نحمي الإنسان من أن يُمتحن معرفياً لكي يستحق حريته، من دون أن نحول التحرر نفسه إلى إعفاء من مسؤولية المعرفة؟
وأميل، على الأقل من موقعي وفي المحيط العربي الذي أعرفه، إلى أن شيئاً من هذا التحول حدث في السنوات التي تلت 2010. بدا كأن جيلاً جديداً استطاع أن يتجاوز جزءاً من ذلك الامتحان المعرفي الذي لازم أجيالاً قبله: لم يعد عليه تبرير كل خيار شخصي، أو أن يبني وراء كل اختلاف موقفاً فكرياً متكاملاً. وفي هذا قدر كبير من التحرر؛ أن يصبح ممكناً أن تقول «هذه حياتي» من دون أن تضطر في كل مرة إلى إثبات أنك قرأت ما يكفي لكي تستحقها.

ويمكن أن نرى ذلك، مثلاً، في فتاة تطالب بحقها في التنقل وتقدم نفسها بوصفها نسوية، من دون أن تكون قد قرأت جملة واحدة من التراث الأدبي والفكري للنسوية. وهذا لا ينتقص من حقها، ولا من شرعية موقفها؛ بل ربما يكون، في حد ذاته، أحد وجوه نجاح المشروع التحرري: أن تصبح بعض الحقوق بديهية إلى درجة لا يعود معها امتلاك تاريخها النظري شرطاً للمطالبة بها.


ما يشغلني الآن هو أن وظيفة اللغة الحقوقية نفسها تغيّرت. اللغة التي كانت في لحظة ما وسيلة لفتح مساحة أوسع للحرية، صارت أحياناً تؤدي وظيفة معاكسة: إغلاق النقاش. «أنا حر»، «هذه حدودي»، «هذا حقي»؛ عبارات صحيحة في ذاتها، لكن صحتها تتحول أحياناً إلى نهاية للحوار لا بدايته. أقول لأخي الأصغر مثلاً إنني أعتقد أن خياراً ما سيئ، فيجيبني: «أنا حر». وهو محق، بالطبع، في أنه حر.

لكن ما يربكني هو وظيفة الجملة هنا: هل هي دفاع مشروع عن استقلاليته، أم أنها أصبحت طريقة تمنع أي معرفة أو خبرة أو اعتراض من الاقتراب منه؟ أخاف كثيراً عندما يستأنف إعلانه ذاك رداً على سؤالي: لماذا؟ كيف توصلت لهذه النتيجة؟ فتأتي الإجابة: "كيفي" "بدون سبب" "كذا بس".


يمكن قراءة هذا كنوع من الجمود الأخلاقي والفكري -لا أعرف إن كان هذا التعبير دقيقاً- تمتلك لغةً حقوقية لكنها ليست أداة للتفكير بقدر ما تصبح بديلاً عنه. لا تعود المفاهيم وسيلة لفهم الذات والعالم،، بل تتحول إلى إجابات جاهزة ومغلقة. والمفارقة أن اللغة التي نشأت لكي تحرر الفرد من سلطة الآخرين قد تصبح، في بعض استخداماتها، درعاً يحميه أيضاً من المراجعة، ومن الشك، ومن احتمال أن يعرف شيئاً جديداً قد يغير موقفه.


يتعاظم ارتباكي أيضاً أمام احتمال آخر: أن يكون اعتراضي ناتجاً ببساطة عن تقدمي في العمر، وأنني بدأت أفقد شيئاً من القدرة على التقاط الشروط التاريخية للحظة كما يعيشها من هم أصغر مني. ليست المسألة أنني أدافع عن حدود قديمة، بل أنني ما زلت أستخدم مفاهيم تشكلت في سياق سابق لكي أفهم واقعاً تغيرت فيه علاقات السلطة، وحساسيات الناس، ومعاني الحرية نفسها. وهذا، على الأرجح، ما حدث مع أجيال كثيرة قبلنا: لم تستيقظ فجأة محافظة، لكنها صارت أبطأ في إدراك أن العالم الذي كوّن مواقفها لم يعد هو العالم نفسه.


استدعي في هذا السياق وللتفكير في هذه المسألة النقاش حول حرية التعبير وحدودها أمام خطاب الكراهية.

أتذكر أنني قرأت قبل سنوات مقالاً في مجلة Current Affairs، وهي منصة يسارية تقدمية، يناقش الفكرة الليبرالية البسيطة للحرية باعتبار أنها في أن يُترك الفرد وشأنه، ويجادل بأن اليسار احتاج دائماً إلى مفهوم أكثر تعقيداً: أن نسأل عمّن يملك فعلاً القدرة على الكلام، ومن يملك المنصة والمال والقوة، وما إذا كانت الحرية المتساوية نظرياً تنتج حرية متساوية في الواقع.

انتقد المقال تصور الحرية باعتبارها مجرد غياب للتدخل، ويربطها بتوزيع القوة والقدرة الفعلية على الاختيار والكلام.
أشير لهذا تحديداً، لأنه يذكرني بأن السؤال عن الحرية كان دائماً، في جانب منه، سؤالاً عن حدودها.

فالانتقال من حرية التعبير إلى الحرية عموماً ليس انتقالاً إلى مسألة أخرى بقدر ما هو تمدد للسؤال نفسه: متى تكون الحرية حجة كافية؟ وما يبدو مختلفاً الآن أن هذا السؤال لم يعد يطرح فقط داخل المشاريع السياسية أو الجماعية الكبرى، بل تسلل إلى الحياة اليومية نفسها: في علاقتنا بأهلنا، بأصدقائنا، من تربطنا بهم علاقة لا تقوم على عقد مهني أو مصلحة مباشرة تجبرنا على الالتزام بموقف ما.

أنا حر ولا داعي لأن أخبركم عن دوافعي. حتى لو لم أكن أعرفها. أما أنتم فعليكم الإيماء بالموافقة دون امتحانات معرفية.