في سيارة سوداء عليها شعار UPS المميز، يَلُف السيد تِم آهن الشوارع ليوصل الطرود لأصحابها، وأمامه على الجهاز اللوحي التابع للشركة قائمة بالرحلات المطلوبة منه على مدار اليوم. عند الساعة ١:٣٠ ظهرًا حدد أحد العملاء موعد توصيل طلبيته، لكن الجهاز اللوحي يُظهر أن هذا العميل غيّر رأيه، وطلب توصيلها في فترة زمنية ما بين ١١ صباحًا و١ ظهرًا. لهذا التغيير آثار ضخمة على يوم السيد تِم؛ فخطة اليوم مطلوب فيها توصيل ١٢٥ طلبية وفق مواعيد مُرتبة، يَقطع خلالها مسافة إجمالها ١١٧ ميلًا، وتغيير هذا الموعد يعني التأثير على كل هذه الخطة من أولها لآخرها.
لكن السيد آهن لا يفكر كثيرًا في أمر هذا التغيير؛ فعلى التابلت نظام أوريون الذي طورته شركة UPS، وهذا النظام سيحل المشكلة في ظرف ثوانٍ؛ يُعاين النظام ما يُقارب مائتي ألف اختيار ويُفاضل بين أحسنها، ثم يُحدد للسيد آهن أي طريقٍ سيسلك، ويُحدّث خطته وتكلفة الرحلة ووقتها. والآن يُكمل السيد آهن طريقه في الشارع مهتديًا بإرشادات التنقل التي حددها له النظام؛ هذا الذي استغرق تطويره عشر سنوات، وكلّف شركة UPS مئات الملايين من الدولارات، قادر على تحديد مسار الرحلة بذكاء وسُرعة عن طريق خوارزمية حجمها ألف صفحة من التعليمات والإرشادات البرمجية!
يُعد نظام أوريون مثالًا على الخوارزميات التي تحل مشكلة «إيجاد الطريق» (الإنجليزية: Pathfinding)، مثل الخوارزميات التي تعتمد عليها خرائط جوجل لتحديد أفضل مسارات للتنقل، كذلك يعتمد نظام أوريون على خوارزميات مُعينة؛ ليختار أفضل ما هو ممكن. بالطبع يختلف الأفضل وفقًا للسياق؛ فخرائط جوجل تخدم مستهلكًا فرديًا بينما يخدم نظام أوريون شركة تجارية حجمها مئات الملايين من الدولارات، والأمتار التي تختصرها الشركة تُحسب على مدار عشرات الرحلات يوميًا حسبة تتجاوز المقدرة البشرية بكثير، وقد لخّصت مقالة لذا وول ستريت جورنال هذا النظام كالتالي: «في شركة UPS الخوارزمية هي السائق».
يُمكن أيضًا قراءة هذا المجاز حرفيًا، فالخوارزمية هي من تقود في الحالة - وقد حدث هذا بالفعل كما وثقته مقالة ذا وول ستريت جورنال - التي أخبرت فيها سائقًا بأن يتخطى مكان توصيل في نفس الحي على أن يعود إليه لاحقًا في نفس اليوم؛ لأن الخوارزمية هي من رأت -وليس السائق- أن هذا هو الأنسب.
كذلك في ملايين المرات يوميًا مع خرائط جوجل والـGPS، حيث يقود السائق بالاعتماد الكامل على اتجاهات خرائط جوجل بدون أن يعرف الطريق، وكل ما يفعله السائق هو القيادة يمينًا ويسارًا كما يرى على الخريطة. في حياتنا المعاصرة، ليست الخوارزميات سائقًا فقط، فالاعتماد على الخوارزميات في اتخاذ القرارات والوصول للمعلومات هو حالة تخترق كل الأفعال المعاشة يوميًا؛ المحتوى الذي تشاهده يوميًا على فيسبوك وتويتر وتيك توك يعتمد على الخوارزميات ليظهر لك كما تريد، اقتراحات اليوتيوب، ترشيحات نتفليكس، أنسب الفنادق والتذاكر في الرحلات السياحية، وحتى أبسط الأفعال: بحث جوجل عن معلومة هنا أو هناك هو نتاج عمل خوارزميات معقدة تُفاضل بين مليارات النتائج المحتملة.
يُعرّف البروفيسور روبرت سدجويك -واحد من أشهر باحثي مجال الخوارزميات الحسابية- الخوارزميات على أنها «طريقة لحل مشكلةٍ ما»، وعلى هذا فإن الخوارزميات التي تشارك في كل هذه المشاكل ليست سوى إجراءات حسابية وإحصائية طورتها كل شركة وفقًا لما تريد. يُناقش الكاتب إد فِن هذا التعريف في كتاب «عن الذي تريده الخوارزميات: التخيل في عصر الحوسبة»، ويدعو هذا التعريف بالتعريف «البراجماتي»؛ لأنه يُعرّف الخوارزميات من وجهة نظر مهندس يُحاول تقديم حل لمشكلةٍ ما.
لكن المشاكل التي تحلها الخوارزميات ليست مجرد مشاكل حسابية صِرفة، ليست اختيارات الأفلام -وهي المشكلة التي تحلها خوارزميات نتفلكس وغيرها من منصات البث- فعل مفاضلة واختيار عقلاني، لكن لها جانب بشري متعلق بالحس الفردي والآراء الجمالية. نحن نختار الأفلام التي نعتقد أنها تمثل ذوقنا السينمائي، وإذ نتخلى عن هذا الفعل للخوارزميات لتحدد هي ما نشاهده، فإننا نتخلى عن ذوقنا الجمالي ونشترك فيه مع الآلة التي تحدده لنا، ومثل الخوارزمية التي تقود السيارة، الخوارزمية هي أيضًا من تشاهد الأفلام. بكلمات أخرى، ليست المشاكل التي تحلها الخوارزميات مشاكل حسابية فقط، لكنها مشاكل ثقافية.
يُوضح البروفيسور جاي ماركوس هذه الصورة بمثال أكثر وضوحًا وحدّة: هب أنك في سيارة ذاتية القيادة وتسير على جسر ضيق، ثم فجأة رأيت حافلة مدرسية كبيرة تقترب منك في الاتجاه المعاكس، أللسيارة حق اتخاذ قرار الانحراف من على الجسر لتقتلك فتنقذ الأطفال؟ ما يُوضحه مثال البروفيسور جاي هو أن القيادة ليست مجرد فعل خالص على قيمته الحسابية في المسافات والوقت، لكن فيها قيمة أخلاقية، والتخلي عن السيارة للآلة لا يعني فقط التخلي عن قيادتها، لكنه يعني أيضًا إعطاءها الحق الأخلاقي للتحكم في مسائل كهذه.
مثال البروفيسور جاي نموذج لمعضلة التروللي الأخلاقية التي يُفاضل فيها بين الفرد والمجموعة، وهو مثال مُبالغ في تصويره ليوضح طبيعة أفعالنا الأخلاقية، كل ما نفعله له قيم أخلاقية وجمالية واجتماعية، والتخلي عن بعضها للآلة يعني التخلي عن بعض الجوانب الإنسانية في حياتنا. بل وقد لا يكون هذا التخلي للآلة في صورة خوارزمية خالصة، فالخوارزميات لها من يطورها ويُعدلها، أي أننا نشترك في أفعالنا مع المهندسين الذين صنعوا هذه الخوارزميات.
يذكر الكاتب فرانك باسكل أمر هذه المشكلة في نقاشه للخوارزميات التي تستخدمها الشركات في تقييم المتقدمين على الوظيفة: «تدعي هذه الأنظمة أنها تُقيم كل الأفراد بنفس الطريقة، بالتالي تتجنب التمييز والتحيز. [..] لكن المهندسين هم من يكوّنون قواعد البيانات التي تستخدمها هذه الأنظمة؛ وهم من يُحددون العوامل التي تدخل في تحليل البيانات، [..] وهم من ينشئون النماذج التنبؤية». إن كل قرار للمهندس أثناء تصميم الخوارزمية، هذا القرار الذي قد ينظر إليه المهندس من وجهة نظر حسابية بحتة، ينعكس على حيوات الآلاف الذين قد تُجهض رحلتهم في البحث عن الوظيفة قبل أن تبدأ.
لكن المشكلة لا تتوقف عند المهندسين، فالشركات التي توظف هؤلاء المهندسين هي المسؤولة النهائية عن كل قراراتهم، وهي من ترسم الرؤية للطريقة التي تتصرف بها الخوارزميات، وأحيانًا تعدّلها كما ترى. في عام ٢٠١٠، أجرى علماء فيسبوك بحثًا لمدة سبعة أسابيع، قاموا فيها عشوائيًا بإخفاء بعض الروابط (أي نوع كان، روابط أخبار أو روابط فيديوهات يوتيوب) التي يشاركها مستخدمو فيسبوك، كان غرض البحث أن يعرف العلماء كيف تنتشر المعلومات على فيسبوك وعلاقة ذلك بمشاركة الروابط، ووجدوا أن إخفاء الروابط المتعلقة بأخبار بعينها يُقلل من انتشارها.
ليست النتيجة غريبة، وليس غريبًا أن تقل نسبة انتشار الأخبار إذا رآها عدد أقل من الناس، لكن ما يدعو للانتباه هو قدرة فيسبوك على التلاعب بانتشار الأخبار بالتحكم في الخوارزميات التابعة لها. ليست الخوارزميات مجرد أدوات محايدة، ويُلخص إد فِن هذا بقوله: «إن طموح وضخامة شركات مثل شركة جوجل يعني أن تعريفهم للخوارزميات -ما هي المشاكل التي ستحلها الخوارزميات وكيف تحلها- يُمكن أن يُغير العالم جذريًا»، ونسيج الحياة المعاصرة مليء بالخوارزميات التي تُغير العالم باستمرار، هذا إذا لم تكن غيّرته فعلًا.
اليوم فعلًا، التنقل والحركة (دخلت فيه السيارات والمحركات أم كان مقتصرًا على المشي فقط) فعلان مختلفان عن فعلي التنقل والحركة في الزمن الماضي، مع ظهور الـGPS وخوارزميات التنقل تحولت كل رحلة إلى الرحلة الأسرع والأقل مسافةً، لا حاجة للاطلاع على الخرائط أو معرفة المنطقة ولا سؤال الآخرين حتى. ليس أثر الخوارزميات مقتصرًا على التغيير لأنماط جديدة من الأفعال، لكنه أيضًا يُلغي ويُفقدنا أفعالنا وجوانبًا من قدراتنا الذهنية، كما أثبتت كثرة من الدراسات العلاقة السلبية بين الاعتماد على الـGPS في التنقل وبين القدرة والوعي المكاني في العالم.
أثناء الحركة يُكوّن البشر ما يُعرف بـ«الخريطة الذهنية» (الإنجليزية: Mental map)، وهذه الخريطة تُعبر فرديًا عن استيعاب كل واحد للبيئة وجغرافيا الأماكن المحيطة، وتتضمن المشاعر والانفعالات المتعلقة بالمكان. تُعبر خرائطنا الذهنية عن من نكون ومن نحن في علاقتنا بالعالم، ونحن من نُكوّنها بالمشي والتنقل المعتمد على المعرفة. إذ نُعطي الفرصة للآلة بالتنقل والحركة معنا، نُعرّض خرائطنا الذهنية للنقص، أو كما تقول الباحثة كاثلن في حديثها عن أثر الـGPS على المشي: «مدينة على الوضع الصامت»، مثل الهاتف الصامت، لا نرى من المدينة، بعوالمها وأماكنها وشوارعها، لا نرى من كل هذا سوى الاتجاهات على خرائط الهاتف.
لا يعني هذا الحديث أن التنقل في الماضي خلا من الجانب المعلوماتي أو المعرفة لاختيار الطرق، لكن مصدر المعلومة كان مختلفًا عما هو عليه الآن: الإرشادات والمعلومات التي يقولها الآخرون، وهو جانب اجتماعي من فعل التنقل أثبتته الدراسات المختلفة التي أوضحت أهمية التواصل مع الآخرين أثناء مُحاولة البحث عن الطريق. لكن حتى في مصادر المعلومة التي لا يوجد فيها عنصر بشري، أي في الخرائط، ليست المعلومة سوى بيانات مجردة على رسم الخريطة، تحتوي الخرائط على معلومات جغرافية بحتة، للبشر اختيار تكييفها وفق ما يرون. أما في العصر الحالي، فخوارزميات خرائط جوجل لا تُقدم مجرد معرفة جغرافية، لكنها تُقدم معرفة إجرائية، مجموعة من الخطوات التي تسلكها إذا أردت الوصول للمكان الذي تطلبه.
بين أشكال المعرفة القديمة والجديدة تاريخ من التطور، وهذا التاريخ يُعبر عن رحلة البشر ورغبتهم نحو عالم أكثر عقلانية وذكاءً، وهو حلم ما عُرف تاريخيًا بعصر التنوير. يُشير الكاتب إد فِن إلى أن آخر مرحلة من هذا الحلم هي «خسارة البصيرة»، أي خسارة الجانب البشري في الحكم على الأشياء – بكل النقص الذي يعتور التفكير البشري المحدود. بكل بساطة، إذا اتبعنا مسار الخوارزميات لنهايته القصوى، حيث أفضل الخوارزميات بقدرتها على حساب الأفضل في كل شيء، لا مكان للإنسانية، أو كما يقول إد فِن: «[وقتها] نترك الإنسانية وراء ظهورنا – فهي لم تعد فعّالة أو كفؤة للدرجة التي تستحق فيها الاهتمام».
في مؤتمر جوجل بعام ٢٠١٣، عُنون اللقاء الافتتاحي «نهاية البحث الذي نعرفه»، في إشارة لبحث جوجل التقليدي، وذكر مُقدم اللقاء رغبة جوجل في الانتقال من مجرد عرض المعلومة كما هي إلى «مُحاورة» المستخدم ومحادثته، وثم «إخباره بما يجب أن يفعله». الآن، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات، تتحقق رؤية جوجل وأكثر في ذكائها الاصطناعي الذي يلازم المستخدم في بحثه، وفي كل مرة يبحث فيها المستخدم عن شيء، يرد عليه الذكاء الاصطناعي مباشرةً ويبدأ معه حوارًا يُمكن للمستخدم أن يكمله إذا رغب بذلك.
انتهى البحث كما نعرفه فعلًا، ومثلما تغير فعل الحركة البشري تمامًا عما كان عليه في الماضي، صار البحث الآن معتمدًا بشكل مُكثف على الآلة التي صارت تستبدل أجزاءً أضخم من الدور البشري. رُبما انتهى البحث نفسه بالكامل؛ لأن الذكاء الاصطناعي يُوفر وصولًا فوريًا للمعلومة بأقل مجهود ممكن، الآن هي ميزة أن يكون في البرنامج ذكاء اصطناعي من نوع ما، وبعض برامج الذكاء الاصطناعي مصممة لتقوم بتصفح الإنترنت بالنيابة عنك. صنعت الآلات عوالمنا التي نعيش فيها لوقتٍ طويل، لكنها على ما يبدو بدأت في استبدال وجودنا نفسه بهذه العوالم.
عمرو أحمد كاتب وصيدلاني