ذات صباح، بينما كنت أشرح لطلبتي دور الخلايا الصارية mast cells في التفاعلات الالتهابية وإطلاق الوسائط المناعية، سألني أحدهم عن أصل التسمية: لماذا نسميها «صارية»؟ وهل للكلمة علاقة بصارية السفينة؟ ثم أضاف: بعض الكتب العربية تسميها «الخلايا البدينة»، فهل هي حقًا خلايا بدينة؟

كان السؤال لغويًا في ظاهره، لكنه يقود إلى قصة صغيرة تكشف جانبًا مهمًا من الطريقة التي تتشكل بها لغة العلم. فاسم mast cell لا صلة له بصواري السفن. أصل المصطلح ألماني؛ إذ أطلق بول إرليخ على هذه الخلايا عام 1878 اسم Mastzellen. وترتبط كلمة Mast في الألمانية بالتسمين والإطعام حتى الامتلاء، ولذلك يمكن فهم الاسم على أنه «الخلايا المُسمَّنة» أو «جيدة التغذية». كان إرليخ قد شاهدها تحت المجهر ممتلئة بحبيبات سيتوبلازمية كثيفة، ظهرت بوضوح بعد صبغها بأصباغ الأنيلين وعكست ظاهرة التلوّن المتغاير، فافترض أن امتلاءها ناجم عن ابتلاع كميات كبيرة من المواد الغذائية، وأن حبيباتها علامة على فرط تغذيتها.

ورغم بقاء التسمية في أدبيات علم الأحياء إلى اليوم، لم يكن تفسير إرليخ صحيحًا. فهذه الحبيبات ليست مخازن غذاء، والخلية ليست «بدينة» بالمعنى الذي يوحي به الاسم. نعرف اليوم أن الخلايا الصارية خلايا مناعية ذات منشأ مكوِّن للدم، تستقر في الأنسجة وتختزن داخل حبيباتها وسائط فعالة بيولوجيًا، من أشهرها الهيستامين والهيبارين، وتؤدي أدوارًا مهمة في الحساسية والالتهاب والدفاع المناعي.

تزخر لغة العلم بالصور والاستعارات، ولا سيما حين يحاول العلماء وصف ظواهر معقدة لا يمكن رؤيتها مباشرة: جسيمات دون ذرية، أو تفاعلات جزيئية، أو عمليات دقيقة تجري داخل الخلية. ومع كل اكتشاف جديد لا تكون الكلمات اللازمة لوصفه جاهزة دائمًا، فيستعير العلماء ألفاظًا من العالم المألوف ويمنحونها دلالات جديدة. وهكذا ظهرت تعبيرات مثل «المقصات الجينية»، و«الخلايا النجمية»، و«الواسمات الجزيئية». وحين تنتقل هذه اللغة إلى الكتب الدراسية والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، تصبح الصور أكثر حيوية: فالخلايا «مصانع»، والبروتينات تحمل «رموزًا بريدية»، والميتوكندريا «بيوت الطاقة»، وخلايا الجهاز المناعي «تتعلم» التمييز بين الصديق والعدو.

تكمن قوة هذه الاستعارات في أنها تحول غير المرئي إلى صورة قابلة للتصور. وهي تكشف أيضًا شيئًا من الطريقة التي يفكر بها العلماء أنفسهم، إذ تساعدهم على بناء نماذج ذهنية لعوالم يتعذر إدراكها مباشرة.

غير أن الاستعارة لا تنقل الظاهرة كاملة؛ فهي تبرز جانبًا وتحجب آخر، وقد تحمل معها إيحاءات لم يقصدها صاحبها. وحين تُحمَّل أكثر مما تحتمل، لا تعود مجرد أداة للتقريب، وإنما تبدأ في صناعة تفسير للظاهرة.

ويظهر ذلك بوضوح حين تُنسب إلى الخلايا والجزيئات أفعال بشرية هادفة: جزيء «يبحث» عن شريك، وخلية «تقرر» مصيرها، وأخرى «تنتحر». تفيد هذه العبارات في اختصار عمليات معقدة، لكنها قد توحي بوجود نية أو وعي أو مركز قيادة لا وجود له بالمعنى الحرفي. ولذلك تؤدي الاستعارة دورًا معرفيًا مزدوجًا: تفتح طريقًا إلى فهم الظاهرة، وقد تضيق هذا الطريق إذا نُسيت حدودها وتحولت الصورة إلى حقيقة.

ولعل أكثر الاستعارات رسوخًا في علم الأحياء الحديث تلك التي تصف الحمض النووي DNA بأنه «معلومات» أو «شيفرة». فمنذ زمن بعيد، افترض العلماء أن شيئًا ما، خطة أو خصوصية أو قوة موجِّهة، يكمن في الحيوان المنوي والبويضة، بحيث تنشأ السلحفاة من بيضة سلحفاة، وينجب البشر بشرًا مثلهم. لكن هذا «الشيء» لم يبدأ يُفهم ويُوصف بلغة المعلومات إلا في أواخر أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته، حين دخل الفيزيائيون والرياضيون ميدان علم الأحياء الجزيئي.

وكان إرفين شرودنغر من أبرز العلماء الذين رسخوا صورة «الشيفرة» في كتابه (ما الحياة؟)، إذ تحدث عن وجود مخطط للتطور المستقبلي للكائن الحي ووظائفه في الكروموسومات على هيئة «شيفرة». وقد ترك الكتاب أثرًا عميقًا في جيل من علماء الأحياء الجزيئية، ومنهم فرانسيس كريك وجيمس واطسون. وبعد اكتشاف بنية الحمض النووي، استخدم واطسون وكريك لغة قريبة من ذلك حين أشارا إلى أن التتابع الدقيق للقواعد يمكن أن يحمل المعلومات الوراثية.

ومع مرور الوقت، أصبحت استعارتا «الشيفرة» و«المعلومات» مألوفتين إلى حد يصعب معه تصور علم الوراثة الحديث من دونهما. غير أن هذا الاعتياد قد يحجب تاريخ الفكرة نفسها. فقد رأت ليلي كاي، في كتابها (مَن كتبَ كتاب الحياة؟)، أن التعامل مع DNA بوصفه «معلومات» ليس وصفًا محايدًا فرضته المادة الوراثية بنفسها، وإنما ثمرة سياق فكري وعلمي تشكل في القرن العشرين تحت تأثير مفاهيم الاتصال والحوسبة.

ومن الشيفرة كان الانتقال إلى استعارات «اللغة» و«النص» و«الكتاب» سهلًا. فإذا كانت القواعد الأربع أشبه بحروف مرتبة، بدا الجينوم رسالة قابلة للقراءة. وكتب جورج بيدل أن فك شيفرة الحمض النووي كشف عن «لغة» قديمة قدم الحياة. ثم خرجت هذه الصورة من المختبر إلى الفضاء العام، فأخذت الصحف تتحدث عن «قراءة كتاب الحياة» و«فك شيفرة الإنسان». وبلغت الاستعارة ذروة حضورها مع مشروع الجينوم البشري؛ فعند الإعلان عن المسودة الأولى عام 2000، شاع الحديث عن «كتاب الحياة» و«كتاب التعليمات»، وتحدث بيل كلينتون عن تعلم «اللغة التي خلق الله بها الحياة».

ولا تخلو هذه الاستعارات من أساس علمي. فترتيب عدد محدود من الوحدات الجزيئية في تسلسل محدد يؤدي بالفعل وظيفة معلوماتية، كما يرتبط ترتيب القواعد بإنتاج RNA والبروتينات وبوظائف خلوية بعينها. بيد أن الخلل يبدأ عندما توحي عبارات مثل «فك الشيفرة» أو «قراءة الكتاب» بأن معرفة تسلسل القواعد تعادل فهم الكائن الحي كله.

ومع اتساع معرفة العلماء بتنظيم الجينات، تغيرت كذلك اللغة التي تصف العلاقة بين الجينوم والكائن الحي. ومن أكثر المجالات التي كشفت حدود صورة الجينوم باعتباره «كتاب تعليمات» ثابتًا علمُ التخلّق epigenetics. يحمل المصطلح نفسه تاريخًا دلاليًا لافتًا. فقد صاغ كونراد وادينغتون في أربعينيات القرن العشرين مفهوم epigenetics لبحث الكيفية التي تتفاعل بها الجينات مع عمليات النمو لتنتج الصفات الظاهرة، واستعان بصورة «المشهد التخلّقي» epigenetic landscape، حيث تتدحرج كرة عبر مسارات متفرعة ترمز إلى المصائر المختلفة التي يمكن أن تتخذها الخلية أثناء التطور. أما الاستعمال المعاصر للمصطلح فيشير، في كثير من السياقات، إلى آليات تنظم نشاط الجينات من دون أن تغيّر تسلسل DNA نفسه، مثل مثيلة الحمض النووي، وتعديلات الهستونات، وإعادة تشكيل الكروماتين، وبعض أشكال التنظيم بوساطة RNA. ومن هنا اكتسبت السابقة epi- إيحاءً شائعًا بطبقة من التنظيم تقع «فوق» مستوى التسلسل الجيني، وإن كان تاريخ المصطلح أوسع من هذا المعنى الحرفي.

وقد ولّد هذا المجال استعاراته الخاصة. فإذا كان الـDNA «نصًا»، فليست جميع أجزائه مفتوحة للقراءة في الوقت نفسه، ولا تُقرأ بالطريقة ذاتها في كل خلية. فالخلية العصبية والخلية الكبدية تحملان في الغالب التسلسل الجيني نفسه، ومع ذلك تختلفان جذريًا لأن مجموعات مختلفة من الجينات تكون متاحة للتعبير أو مقيدة عنه. لذلك يتحدث العلماء عن جينات «تُشغَّل» أو «تُطفأ»، وعن كروماتين «مفتوح» أو «مغلق»، وعن علامات تخلّقية «تُكتب» أو «تُمحى» أو «تُقرأ». وهذه صور جيدة لتقريب عمليات تنظيمية معقدة، لكنها تظل مجازًا؛ فلا توجد يد تكتب على الجينوم، ولا قارئ منفصل يفسر علاماته، وإنما شبكات من الإنزيمات والبروتينات والتفاعلات الجزيئية المتبادلة.

تمتد الاستعارة من الشرح إلى بنية التفكير العلمي نفسه. لذلك نتحدث عن جينات «تتحكم» في النمو، ومسارات «تحدد» مصير الخلية، وبرامج جينية «تقود» التطور. تختصر هذه العبارات شبكات شديدة التعقيد، لكنها قد توهم بوجود مركز قيادة، فيما تنشأ كثير من الظواهر البيولوجية من تفاعلات موزعة ومتبادلة تتغير مع الزمن.

وتصبح حدود الصورة أوضح عندما تمتزج استعارات «الشيفرة» و«الكتاب» و«التعليمات» بفكرة أن معرفة الجينوم تعني معرفة الإنسان نفسه. وكان والتر جيلبرت، أستاذ البيولوجيا الجزيئية في هارفارد وأحد رواد تسلسل الـDNA، يرفع في بعض محاضراته قرصًا مدمجًا يمثل تسلسلًا جينيًا ويقول: «هذا أنت». وهي عبارة بالغة الاختزال تعكس فكرة الحتمية البيولوجية، لكنها تكشف في الوقت نفسه حدودها.

أسهمت اللغة التي أحاطت بمشروع الجينوم في تضخيم بعض التوقعات والمخاوف المرتبطة بالتشخيص الوراثي، وبراءات الاختراع الخاصة بالجينات، وتقدير الاستعداد للأمراض، وقواعد بيانات الحمض النووي، وتقنيات تعديل الجينوم. وهي قضايا تثير أسئلة علمية وأخلاقية حقيقية، لكن الاستعارة قد تضخم صورتها في الوعي العام؛ فقراءة لغة الحياة توحي بقدرة تتجاوز مجرد تحديد تسلسل جزيئي، وإعادة كتابة الحياة أوسع بكثير من تعديل موضع أو بضعة مواضع في الجينوم.

وقد تدفع هذه المخاوف العلماء إلى استخدام لغة أكثر حسمًا وإثارة، فتتسع المسافة بين ما يثبته العلم وما توحي به عباراته، وتتكرر دائرة المبالغة وسوء الفهم. وليس المطلوب التخلي عن الاستعارة؛ فهي من أهم وسائل تقريب المفاهيم المعقدة، ويصعب تصور العلم من دونها. المهم أن نعرف حدودها، وأن نميز بين الصورة التي تعيننا على الفهم والآلية التي تعمل بها الطبيعة فعلًا.

فالاستعارة الجيدة تفتح نافذة على الظاهرة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى الظاهرة نفسها. وحين ننسى هذا الفرق، قد نبدأ في رؤية الطبيعة من خلال الكلمات التي اخترعناها لوصفها، بدل أن نستخدم الكلمات طريقًا إلى فهمها. ولعل محمود درويش لخّص مفارقة اللغة ذاتها حين قال: «لوصف زهر اللوز، لا موسوعةُ الأزهار تسعفني، ولا القاموسُ يسعفني... سيخطفني الكلام إلى أحابيل البلاغة، والبلاغةُ تجرح المعنى وتمدح جرحه».

سعد صبار السامرائي جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالرستاق