يعيش الإنسان المعاصر، في قلب المجتمعات الرأسمالية النيوليبرالية، مفارقة صريحة: كلما اتسعت المفردات النفسية والطبية لتسمية الألم وتصنيفه وعلاجه، وتضخمت الصناعات المخصصة لإدارة المعاناة؛ بدت المشكلات النفسية أكثر انتشارا وإلحاحا في الخطاب العام. وقد أصدرت الجمعية الأمريكية للطب النفسي أول دليل تشخيصي عام 1952؛ حيث ضم نحو مائة وستة تصنيفات، وبحلول النسخة الخامسة عام 2013، تجاوز العدد ثلاثمائة تصنيف. لم تتضاعف المعاناة الإنسانية ثلاث مرات في نصف قرن، لكن أدوات تسميتها فعلت. وبقدر ما نملك اليوم من أدوات لتشخيص هذا الشقاء، نفتقر إلى الأدوات المفاهيمية لفهمه بوصفه، في جزء منه، نتاجا بنيويا لعلاقات اجتماعية واقتصادية بعينها. غير أن هذا لا يبرر الانزلاق نحو اختزالات معاكسة: فالمعاناة النفسية واقعة بيولوجية حقيقية ذات ركائز عصبية وجينية موثقة، والتشخيص والعلاج وفّرا -تاريخيا- تخفيفا حقيقيا للألم واعترافا وموارد لملايين كانوا عرضة للوصم أو الإهمال. نناقش هنا فكرة ثالثة: أن الرأسمالية، وخصوصا في صورتها النيوليبرالية، طورت آلية مزدوجة تحول معاناة منتجة بنيويا إلى اضطرابات فردية قابلة للتصنيف ثم إلى التسليع، فتنزع الصفة السياسية عن المعاناة الاجتماعية بإحالتها إلى الفرد المريض، وتفتح أمام رأس المال حقولا جديدة للتراكم.
وقبل البدء في الحجاج، تجدر الإشارة إلى إشكالية مصطلحية: فمفهوما «Medicalization» و«Pathologization» الأنجلوفونيان لا أعرف لهما مقابلا عربيا موحدا اعتمده اﻻستعمال الأكاديمي. لذا في هذا المقال سأستخدم «التطبيب» ترجمة لـ «Medicalization» والتي عرفها بيتر كونراد بأنها تحويل مشكلات غير طبية بالأصل إلى مشكلات طبية، و«الإمراض» ترجمة لـ «Pathologization» وهي تأطير سمات أو تجارب أو سلوكيات إنسانية عادية بوصفها أعراضا مرضية تستدعي التدخل، و«الأدونة» لـ«Pharmaceuticalization» حين يتعلق الأمر بدور صناعة الأدوية في توسيع هذه الفئات.
يبدأ ماركس تحليله للرأسمالية من ظاهرة تقديس السلعة، حيث تختفي العلاقات الاجتماعية والعمل البشري وراء السلعة فتبدو قيمتها نابعة منها بذاتها. وفي «المخطوطات الاقتصادية والفلسفية» يقدم مفهوم الاغتراب بوصفه انفصال العامل عن منتج عمله وعن فعل الإنتاج وذاته الإنسانية والآخرين، وهو بنية موضوعية تفرضها علاقات الإنتاج لا تجربة نفسية عرضية. ويوسع جورج لوكاش هذا التحليل عبر مفهوم التشيؤ حيث يخترق تقديس السلعة الوعي ذاته، فيغدو الإنسان في علاقته بمشاعره عرضة لأن تُعامَل بوصفها أشياء قابلة للقياس والاستهلاك.
وحين نستحضر هذا في سياق إمراض التجربة الإنسانية يتضح أن تسليع المعاناة ليس انحرافا عرضيا للرأسمالية، بل امتدادا منطقيا لتقديس السلعة إلى الحياة الداخلية نفسها.
يوازي هذا تحليل فوكو الذي وضح كيف شكل الجنون موضوعا للمعرفة والسلطة الطبية، وكيف أن النظرة الطبية ليست انعكاسا محايدا لحقيقة بيولوجية، بل بنية معرفية تاريخية تحدد سلفا ما يمكن رؤيته مرضا؛ فالطبيب يمتلك المعرفة؛ وبالتالي السلطة التي تجعله يحدد ما هو طبيعي وما هو مرضي. أما النيوليبرالية في هذا التحليل فليست سياسة اقتصادية فحسب، بل عقلانية حكومية تعيد صياغة الإنسان بوصفه رأس مال بشريا، ومقاولا لذاته، مسؤولا وحده عن استثمار قدراته وإدارة مخاطره، وهو الأساس الذي يبنى عليه لاحقا تصور الذات المسؤولة عن علاجها بقدر مسؤوليتها عن نجاحها.
وعلى المستوى نفسه يشرح أنطونيو غرامشي كيف تجعل الطبقة المهيمنة أفكارها تبدو طبيعية وبديهية دون استخدام القوة عبر مؤسسات كالتعليم والإعلام والطب. فحين تفسر معاناة اجتماعية بوصفها خللا في كيمياء الدماغ -ويعتبر هذا حقيقة علمية لا تحتاج نقاشا- تكون الأيديولوجيا قد نجحت تماما. ويقدم بيير بورديو مفهوم العنف الرمزي موثقا كيف تعاش معاناة العمال والمهمشين بوصفها فشلا شخصيا لا نتيجة موقع بنيوي، وهو ما يلتقي مع آرثر كلاينمان وفيينا داس ومارغريت لوك في أن جانبا كبيرا من المعاناة النفسية في جوهره الأولي أثر مادي لعنف بنيوي اقتصادي وسياسي واجتماعي يعامل في النهاية بوصفه مشكلة فردية محضة.
هذا الإطار يتجسد مباشرة في سوسيولوجيا التطبيب؛ حيث قدم بيتر كونراد تعريفه الكلاسيكي، وهو ببساطة العملية التي تعرف بموجبها مشكلات غير طبية، وتعالج بوصفها مشكلات طبية، وطرح مع جوزيف شنايدر أن آليات الضبط الاجتماعي انتقلت تاريخيا من الديني«الخطيئة» إلى القانوني «الجريمة» ثم الطبي «المرض»، وهذا الانتقال في جوهره إعادة توزيع لسلطة التسمية لا تقدم إنساني بالضرورة. كما يسجل تحولا مهما في دوافع التطبيب؛ فبينما كان الأطباء هم المحرك الرئيس في منتصف القرن العشرين أصبحت اليوم شركات الأدوية والمستهلكون أنفسهم محركات أكثر حسما. وهو ما يتقاطع مع ما اقترحته أديل كلارك وزميلاتها في «التطبيب الحيوي»؛ حيث تجاوز التطبيب التقليدي نحو تحويلات تقنو-علمية أعمق تعيد تشكيل الجسد والذات بوصفهما مشروعين قابلين للتحسين المستمر لا العلاج فقط.
ويتجلى هذا في الدليل التشخيصي نفسه؛ فمنذ نسخته الثالثة عام 1980 تبنى الدليل نهجا غير نظري قائما على عد الأعراض سهل توحيد طرق التشخيص، وإجراء الأبحاث، لكنه سهل أيضا فوترة شركات التأمين وتسويق الأدوية. ويقدم آلان هورويتز وجيروم ويكفيلد نقدا دقيقا لأثر هذا النهج؛ فمعايير الاكتئاب الجسيم لم تميز كفاية بين حزن متناسب مع سياقه وحزن مختل وظيفيا، وهي مفارقة تتضح أكثر حين نتذكر أن استثناء الحداد ألغي من النسخة الخامسة عام 2013، فأصبح حزن الفقد قابلا تقنيا لتشخيصه اكتئابا بعد أسبوعين فقط. وهذا التوسع ليس بريئا من المصالح الاقتصادية: يوثق راي مويناهان وإيان هيث وديفيد هنري كيف تمول شركات الأدوية أبحاثا وجمعيات مرضى لتوسيع حدود المرض القابل للعلاج؛ فالخجل يصبح اضطراب القلق الاجتماعي، والحزن العابر اكتئابا. فما يسميه الباحثون تسويق المرض ليس مؤامرة خفية، بل منطق بنيوي: الشركة مسؤولة أمام مساهميها عن تعظيم الأرباح، وحين يكون توسيع تعريف المرض أفضل سبيل لتوسيع السوق يصبح هذا التوسع حتمية اقتصادية.
وعلى مستوى الذات نفسها يرى الفيلسوف بيونغ-شول هان أن المجتمع المعاصر تجاوز مجتمع فوكو الانضباطي إلى مجتمع الإنجاز المستمر؛ حيث يقول الفرد لنفسه: «أستطيع ويجب أن أستطيع»، فيصبح مستغلا لنفسه وضحية لهذا الاستغلال في آن. ويتفق هذا مع نيكولاس روز، الذي يرى أن علوم النفس أصبحت وسيلة لتوجيه سلوك الأفراد من الداخل عبر خطابات تحقيق الذات. ويسيس مارك فيشر الفكرة حين يتحدث عن خصخصة التوتر، أي إعادة صياغة أزمة الصحة النفسية الجماعية الناتجة عن انعدام أمان اقتصادي بنيوي بوصفها أزمات فردية معزولة قابلة للعلاج الكيميائي. وترتبط هذه الفكرة بمفهوم البريكاريا Precariat الذي صاغه جاي ستاندينج من دمج «غير المستقر Precarious» و»الطبقة العاملة Proletariat» قاصدا فئة اجتماعية تعاني من انعدام الاستقرار في العمل والدخل، والقلق الناتج عن هذا ليس بالضرورة مرضا منفصلا عن الواقع، بل استجابة منطقية لظروف غير مستقرة فعلا.
غير أن هذا التحليل يستدعي العودة إلى ثلاثة نقاد سبقوه، ويكشف تباينهم افتراقا يغفل غالبا. يحلل إريك فروم كيف يصبح عبء الحرية الفردية بعد تفكك الروابط التقليدية مصدرا لقلق وجودي يدفع إلى آليات هروب مثل الخضوع السلطوي أو المسايرة التلقائية، ثم يطرح أن المجتمع بأسره قد يكون مريضا حتى لو توافقت معه غالبية
أفراده، وهو ما يسميه بالخلل النمطي الاجتماعي، ويقدم مفهوم الشخصية التسويقية؛ حيث يعامل الفرد قدراته بوصفها سلعة تسوق. ويطرح رونالد لينج أن أعراض الفصام ليست بالضرورة أعطالا بيولوجية عشوائية، بل استجابات مفهومة لمواقف عائلية غير قابلة للعيش دون إنكار معاناة المريض، بل يصر على فهم سياقها. ويقدم توماس ساز نقدا شرسا قائلا: إن المرض النفسي في جوهره مشكلات عيش تسمى مرضا لتبرير تدخل مؤسسي. والمقارنة بينهم تكشف الافتراق: نقد ساز ليبرتاري فرداني، ولينج إنسانوي وجودي، ووحده فروم يربط صراحة بين بنية الاقتصاد الرأسمالي وأنماط الشخصية المريضة اجتماعيا.
ويميز إيفان إيليتش ثلاثة أشكال من الأذى الطبي المنشأ: العيادي المباشر، والاجتماعي بإنتاج الطب حاجة متزايدة إلى ذاته بتحويل الناس مستهلكين دائمين عبر إمراض أحداث الحياة، والثقافي الأخطر، وهو تدمير قدرة الأفراد والمجتمعات على مواجهة الألم والمرض والموت بوصفها أبعادا طبيعية من التجربة الإنسانية واستبدالها باعتماد كلي على الخبير الطبي. ويستعير من ماركس مفهوم نزع الملكية: فكما نزعت ملكية الفلاحين عن أرضهم، ينزع من الأفراد اليوم امتلاكهم لتجربتهم الجسدية والنفسية الخاصة. غير أن أخذ هذا النقد إلى أقصاه يجازف بإغفال أن كثيرا من الاعتماد على الطب الحديث استجابة عقلانية لتحسن حقيقي في معدلات البقاء لا وهم أيديولوجي، فالدرس المستخلص ليس رفض الطب النفسي كليا، بل التنبه إلى أن كل توسع في سلطته التفسيرية يحمل كلفة، أي تآكل القدرة الذاتية والجماعية على معالجة المعاناة بأشكال غير طبية.
ويمثل صعود مضادات الاكتئاب من فئة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية حالة دراسية؛ حيث رافق تسويقها حملة روجت لفكرة اختلال التوازن الكيميائي رغم أن أدلتها العلمية كانت أضعف بكثير مما أوحى به الخطاب الشعبي. وتقدم جوانا مونكريف نقدا منهجيا لما تسميه «نموذج الفعل الخاص بالمرض»، أي الافتراض بأن الدواء النفسي يعالج خللا كيميائيا محددا مقابل «نموذج الفعل الخاص بالدواء» الذي يرى أن الأدوية النفسية تحدث حالات عقلية معينة قد تخفف الأعراض دون معالجة خلل مؤكد بيولوجيا. هذا لا يعني أن هذه الأدوية عديمة الفائدة؛ فالأدلة على فعاليتها موجودة، وإنما يعني أن الثقة الشعبية المفرطة في الحل الكيميائي البسيط هي في جانب كبير منها أثر لحملة تسويقية ناجحة.
ويمتد المنطق نفسه إلى صناعة العافية، وتطبيقات التأمل المدفوعة، وثقافة تحول الراحة نفسها إلى مهمة يجب إنجازها بكفاءة. وتوثق باربرا إرينريك إلزامية التفكير الإيجابي في الثقافة الأمريكية، فتوثق كيف تطالب مريضات سرطان الثدي أن يكن إيجابيات، وكيف يلام العاطلون على موقفهم السلبي بدل محاسبة سوق العمل. ولا يمكن إغفال البعد الرقمي: تطبيقات الصحة النفسية التي تتبع المزاج لا تكتفي ببيع خدمة، بل تستخرج -وفق ما تسميه شوشانا زوبوف «رأسمالية المراقبة»- بيانات سلوكية وعاطفية حميمة تصبح مادة خام لتوقع السلوك والتأثير فيه؛ فالمعاناة تسلع بوصفها مشكلة تباع حلولها، وبوصفها بيانات تباع هي نفسها في حلقة تراكم لا تكتفي بمعالجة الألم، بل تعيد إنتاجه مصدرا دائما للقيمة.
أمام هذا كله يصبح السؤال الملح: أين نرسم الخط الفاصل بين التدخل الطبي المشروع والإمراض الإشكالي لتنوع إنساني عادي أو معاناة منتجة اجتماعيا؟ هذا السؤال يخفي ثلاثة أسئلة متمايزة يخلط الخطاب الشائع بينها: سؤال تصنيفي «من يقرر ما يدخل أدلة التشخيص؟ وبأي معايير؟»، وسؤال إكلينيكي فردي: «هل تستوفي معاناة شخص بعينه أمام طبيب بعينه معايير اضطراب معترف به؟»، وسؤال سياسات اجتماعية: «أي التصنيفات يمنح اعترافا مؤسسيا؟». وإجابات هذه الأسئلة لا تتفق بالضرورة. وقد حاول النموذج الحيوي-النفسي-الاجتماعي الذي اقترحه جورج إنجل تصحيح الاختزال الطبي-الحيوي الصرف بإصراره على أن أي فهم للمرض يجب أن يجمع العوامل الثلاثة، لكن هذا النموذج، كما بين ناصر قائمي، قد يتحول عمليا -رغم حسن نيته- إلى انتقائية غامضة غير ملزمة تفتقر إلى معيار واضح لترجيح عامل على آخر.
قدم جورج كانغيلام بديلا يتجاوز قطبي الجدل بين الموقف الطبيعاني الذي مثله كريستوفر بورس ورأى إمكانية تعريف المرض موضوعيا بوصفه انحرافا عن الأداء النمطي للنوع بمعزل عن أي سياق، والموقف البنائي الاجتماعي عند كونراد وروز الذي يرى التصنيف بناء سلطويا. فالكائن الحي عند كانغيلام ذات معيارية، بمعنى أنه ينتج بنفسه عبر تفاعله مع بيئته معايير جديدة لما يشكل له حياة ممكنة، والمرض عنده حالة تضاؤل القدرة على إنتاج معايير جديدة والتكيف الخلاق. مما يفتح مسارا لسؤال مختلف: هل لا يزال هذا الشخص قادرا على أن يكون معياريا لذاته ويبتكر لنفسه طرقا جديدة للعيش أمام ظرف صعب؟
ويضاف إلى هذا معضلة إيان هاكينج بين «الأنواع غير التفاعلية» و«الأنواع التفاعلية»: فالجراثيم أو الكواكب أنواع غير تفاعلية ﻻ يغير تصنيفها العلمي من سلوكها في شيء. عكس الأنواع التفاعلية كالبشر المصنفين نفسيا، إذ يعيد التصنيف نفسه تشكيل فهمهم لأنفسهم ومستقبلهم، وهو ما يجعل رسم حد فاصل ثابت في هذا المجال أصعب بنيويا مما هو عليه في الطب الجسدي. ويضيف ديريك بولتون أن آليات نفسية كالقلق والحزن لم تتطور لتعمل بمعزل عن سياق اجتماعي بل صيغت لتكون حساسة له ومرنة اﻻستجابة له.
ويضاف بعد تاريخي: فحتى عام 1980 اعتمد الدليل التشخيصي على أطر تفسيرية سببية متأثرة بالتحليل النفسي، فكان يمكن لطبيبين مختلفين أن يصلا إلى تشخيصين مختلفين تماما للمريض نفسه. وهذه مشكلة موثوقية حادة حلتها ثورة الدليل الثالث بالتخلي عن الافتراضات السببية لصالح الأعراض ومدتها فحسب. رفع هذا الموثوقية الإحصائية، لكنه حقق ذلك على حساب الصدق، فالمعايير الوصفية الخالصة هي بالضبط ما يجعل تمييز الحزن الطبيعي عن الاكتئاب المرضي بهذه الصعوبة؛ لأنها تكتفي بالأعراض دون تمحيص السياق. وقد اعترفت المؤسسة ذاتها بحدة هذه المعضلة حين أعلن توماس إنسل، مدير المعهد الوطني للصحة النفسية، أن المعهد سيعيد توجيه أبحاثه بعيدا عن فئات الدليل لافتقارها إلى الموثوقية العلمية، مقترحا بدلا منها إطار «معايير مجالات البحث» القائم على أبعاد مستمرة لا فئات منفصلة.
تتجسد هذه التعقيدات في حالات فعلية. ففي عام 2019 قررت منظمة الصحة العالمية اعتبار الاحتراق النفسي ظاهرة مهنية لا حالة مرضية. مثل هذا اعترافا بواقعية المعاناة مقترنا برفض تصنيفها فرديا وإحالة صريحة لسببها إلى بيئة العمل. وفي الاتجاه المعاكس، أحدث إدراج «اضطراب سوء المزاج ما قبل الحيض» انقساما داخل الحركة النسوية ذاتها: فحذرت باحثات من أن تصنيف تقلبات مزاجية دورية طبيعية بوصفها اضطرابا يعيد إنتاج تاريخ من إمراض الجسد الأنثوي، بينما رأت أخريات أن غياب التصنيف كان يعني تاريخيا تجاهل معاناتهن وحرمانهن من علاج جاد. أما متلازمة التعب المزمن فتعرض الوجه المعاكس: مرضى نازعوا طويلا لإثبات واقعيتها البيولوجية، إذ تعامل كثير من الأطباء لعقود مع أعراض كالإرهاق المنهك بوصفها نفسية المنشأ. وهذا تذكير بأن لنقد الإمراض المفرط صورة معكوسة: مرضى حرموا تاريخيا من إمراض ضروري فبقوا بلا اعتراف ولا رعاية. وأخيرا، تحرك تصنيف التوحد من فئة ضيقة إلى طيف واسع، لكن هذا التوسع أنتج انقساما: فالمدافعون عن الذات في الطيف الأخف يرون التوحد اختلافا عصبيا يستحق التكيف لا الشفاء، بينما يخشى أهالي أطفال في الطيف الأشد حدة أن يقوض تخفيف الطابع المرضي قدرتهم على الحصول على موارد رعاية تشترط اعترافا طبيا رسميا بالإعاقة.
في ضوء هذه الحالات، يمكن صياغة خمسة أسئلة نقدية لفحص أي تصنيف: هل يوسع فعليا قدرات الشخص وحرياته الواقعية أم يبرر ضررا بنيويا بإعادة تسميته مشكلة فردية؟ من المستفيد ماديا من توسيع الفئة؟ هل يفتح التشخيص إمكانية لاستجابة جماعية سياسية أم يجهضها؟ هل استندت المعايير إلى دليل متراكم على ضرر حقيقي أم إلى ضغط تسويقي؟ هل يحافظ العلاج على قدرة الشخص على صنع المعنى والفعل؟ لكن إجابات هذه الأسئلة نفسها محل جدل، وهذا التعارض في الإجابات هو الفكرة الأهم، إذ يشير إلى أن الحالة تقع بالضبط على الحد الفاصل.
وقد اقترح بيل فولفورد ما أسماه «الممارسة القائمة على القيم» بوصفها مكملة للطب المبني على الأدلة، منطلقا من أن قيم المرضى والأطباء تتقارب حول حالات كالسرطان وتتباعد في الطب النفسي. وهذه الممارسة لا تزعم حل التعارض القيمي، بل تجعل التفاوض حوله جزءا أصيلا من الإجراء الإكلينيكي بدل إخفائه خلف موضوعية علمية زائفة.
ربما لا يكون السؤال، في النهاية، أين ينتهي المرض ويبدأ الحزن، أو أين تنتهي مسؤولية الفرد وتبدأ مسؤولية المجتمع، فهذه الحدود ليست خطوطا مرسومة سلفا في طبيعة الأشياء، بل حدود متحركة تتشكل عند تقاطع البيولوجيا والتاريخ والسلطة والاقتصاد. لكن الاعتراف بهذه السيولة لا يعني أن كل شيء نسبي، بل يعني أن نكون أكثر حذرا في الطريقة التي نمنح بها الألم اسما، والاسم سلطة، والسلطة حق التدخل. قد يحتاج الإنسان إلى دواء وعلاج نفسي، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى أجر عادل ومسكن آمن ووقت للراحة ومجتمع لا يحول كل إخفاق إلى تقصير شخصي. والمشكلة تبدأ حين نطلب من الطب أن يصلح ما أفسده المجتمع، ثم نستخدم نجاحه في تخفيف الأعراض دليلا على براءة المجتمع. لذا فأكثر الاستجابات إنسانية هي التي ترفض الاختيار الزائف بين المرض والمجتمع، إذ قد يكون الأمران صحيحين معا: قد يكون الألم متجذرا في الجسد ومصوغا في النفس ومشروطا بالتاريخ ومفاقما بالاقتصاد. وليس الاعتراف بالجذر البيولوجي للمعاناة خيانة للنقد الاجتماعي، كما أن البحث عن أسبابها الاجتماعية ليس إنكارا للبيولوجيا. والتحدي الحقيقي امتلاك لغة تقول هذا كله دون اختزال أحد طرفيه في الآخر، لغة تعامل كل تصنيف نفسي بتواضع، لا باعتباره اكتشافا نهائيا ولا مؤامرة، بل أداة لها ثمن وفائدة. لهذا لا ينبغي أن تكون غايتنا الوصول إلى خط نهائي يفصل السليم عن المرض، بل مؤسسات أكثر قدرة على الإصغاء إلى ما يقع على جانبي هذا الخط: تعالج دون مصادرة معنى التجربة، وتعترف بالمرض دون اختزال الإنسان فيه، وترى الحزن حزنا قبل أن تراه عرضا، وفي الوقت نفسه ألا تترك من يعاني فعلا وحيدا باسم رفض الإمراض. ففي عالم تزداد فيه قابلية كل شيء للقياس والتصنيف والتسعير، لعل الفعل النقدي الأهم هو رفض تحويل كل معاناة إلى سلعة، وكل فشل إلى ذنب، وكل حزن إلى مرض، وكل مرض إلى سوق. وربما تبدأ السياسة الحقيقية للصحة النفسية من هنا: أن نعيد للإنسان حقه في أن يتألم دون اختزاله في ألمه، وألا نسأل كلما ظهر الألم «كيف نعالجه؟ فحسب بل: كيف سبب العالم هذا الألم؟
عمر محمد كاتب وطبيب مصري