ترجمة - بدر بن خميس الظفري
يزخر تاريخ الفيزياء ببقايا نظريات ظننّا، في وقت من الأوقات، أنها قادرة على تفسير كل شيء. فقد تهيمن نظرية ما على الفكر العلمي عقودًا، بل قرونًا، ثم تسقط عندما تظهر نتائج تجريبية جديدة أو تبرز فكرة أكثر قدرة على تفسير الظواهر. وسرعان ما تتحول تلك النظريات إلى ماضٍ يشبه الأحافير في السجل العلمي.
لكن الديناميكا الحرارية، وهي فرع الفيزياء الذي يدرس الحرارة والطاقة وتحولاتهما، تبدو أشبه بتمساح الفيزياء؛ كائن قديم ظل على حاله ونجا من «انقراضات» كبرى شهدها هذا العلم، مثل ظهور ميكانيكا الكم، واندماج المكان والزمان في نسيج واحد هو الزمكان، واكتشاف قابلية توسع الكون. صمدت الديناميكا الحرارية أمام كل هذه التحولات. حتى ألبرت أينشتاين كان يعتقد أنها ستبقى أطول عمرًا من نظرية الكم ونظرية النسبية العامة، وهما مجالان أسهم بنفسه في تأسيسهما.
لكن الديناميكا الحرارية ربما تواجه الآن تحديًا حقيقيًا متمثلًا فيما يسمى بالثقب الأسود المتطرف، وهو نوع نظري من الثقوب السوداء تبلغ خصائصه أقصى الحدود التي تسمح بها نظرية النسبية العامة. فأحد القوانين الأساسية للديناميكا الحرارية للثقوب السوداء يشير إلى أن الطبيعة لا يمكنها تكوين مثل هذا الثقب، غير أن أبحاثًا حديثة أظهرت أن الطبيعة ربما وجدت ثغرة تسمح بذلك.
ولفهم أهمية هذا الأمر، علينا العودة إلى أوائل سبعينيات القرن الماضي، حين كان فهمنا الحديث للثقوب السوداء لا يزال في بداياته. في ذلك الوقت، أشار عالم الفيزياء النظرية جاكوب بيكنشتاين، وكان طالب دراسات عليا في جامعة برينستون، إلى أن المادة التي تسقط في ثقب أسود تبدو وكأنها تختفي من الكون القابل للرصد، حاملة معها إنتروبيتها.
والإنتروبيا مفهوم أساسي في الديناميكا الحرارية، وهي مقياس لعدد الحالات المجهرية المختلفة التي يمكن أن ينتج عنها الوضع الظاهري نفسه. ولتبسيط الفكرة، تخيل كوبًا من الماء يمكننا قياس درجة حرارته وحجمه وضغطه بسهولة، لكن جزيئات الماء داخله يمكن أن تتخذ عددًا هائلًا من الترتيبات والحركات المختلفة، مع بقاء الكوب في نظرنا بالحالة نفسها تمامًا.
وهنا تكمن قوة الإنتروبيا، فحساب عدد هذه الترتيبات يساعد العلماء على فهم المكونات المجهرية التي يتألف منها النظام وكيفية سلوكها. ووفقًا للقانون الثاني للديناميكا الحرارية، فإن الإنتروبيا الكلية لنظام معزول تزداد دائمًا مع مرور الزمن.
لكن ماذا يحدث عندما يسقط شيء في ثقب أسود، متجاوزًا حدًا لا يستطيع بعده أي شيء العودة إلى الخارج؟ هل تختفي إنتروبيته ببساطة من «حساب» إنتروبيا الكون؟ إن ذلك لا يمكن أن يحدث دون انتهاك قوانين الفيزياء.
ومن هنا طرح بيكنشتاين حلًا جريئًا، وهو أنه لا بد أن تكون للثقوب السوداء إنتروبيا خاصة بها.
القانون الثالث الذي لم يصمد
اعترض الفيزيائي ستيفن هوكينغ في البداية على هذه الفكرة. فإذا كان للثقب الأسود إنتروبيا، فإن قوانين الديناميكا الحرارية تقتضي أن تكون له أيضًا درجة حرارة، وكل جسم له درجة حرارة يُفترض أن يُصدر إشعاعًا. وهنا ظهرت المفارقة، لأن السمة الأساسية للثقب الأسود هي أن لا شيء يستطيع الإفلات منه. لكن عندما أجرى الفيزيائيون، ومن بينهم هوكينغ، الحسابات وأدخلوا ميكانيكا الكم، وهي النظرية التي تصف سلوك المادة والطاقة على المقاييس شديدة الصغر، اكتشفوا أن الثقوب السوداء تصدر بالفعل وهجًا إشعاعيًا خافتًا، يُعرف اليوم باسم إشعاع هوكينغ. وهذا يعني أن للثقوب السوداء درجة حرارة بالفعل.
وأثناء إجراء هذه الحسابات، لاحظ الفيزيائيون تشابهًا لافتًا بين القوانين التي تحكم الثقوب السوداء وقوانين الديناميكا الحرارية، التي تتناول تحولات الشغل والطاقة والإنتروبيا في الأنظمة الفيزيائية، ومنها المحركات. بل وجدوا تطابقًا قويًا بين سلوك الثقوب السوداء والقانونين الأول والثاني للديناميكا الحرارية: الأول ينص على أن الطاقة لا تُخلق ولا تفنى، والثاني على أن الإنتروبيا لا يمكن أن تتناقص في نظام مغلق.
ولذلك لم يكن لدى الفيزيائيين سبب وجيه للاعتقاد بأن القانون الثالث للديناميكا الحرارية سيكون مختلفًا. وينص هذا القانون، في جوهره، على استحالة تبريد نظام حتى يصل تمامًا إلى الصفر المطلق، وهي أدنى درجة حرارة ممكنة نظريًا، وتساوي صفرًا على مقياس كلفن. فكلما انخفضت درجة حرارة النظام، ازدادت صعوبة انتزاع ما تبقى فيه من حرارة، حتى يصبح بلوغ الصفر المطلق بحاجة إلى زمن أو جهد غير ممكن عمليًا.
وكان يُعتقد أن الثقوب السوداء تخضع للقاعدة نفسها. ويمكن وصف الثقب الأسود بثلاث خصائص فقط: كتلته، وشحنته الكهربائية، ودورانه. ومن هذه الخصائص يمكن حساب مساحة أفق الحدث، أي مساحة الحد المحيط بالثقب الأسود الذي لا يستطيع أي شيء تجاوزه إلى الخارج، إضافة إلى درجة حرارته وإنتروبيته. وانسجامًا مع القانون الثالث، بدا أن الثقب الأسود لا يمكن أن يصل تمامًا إلى درجة حرارة الصفر، وبالتالي لا يمكن أن يتوقف كليًا عن إصدار إشعاع هوكينغ.
لكن في عام 2024، أثبت كريستوف كيلي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وريان أونغر من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أن ما يُعرف بـ«الثقوب السوداء المتطرفة» يمكنها أن توجد بالفعل. وبذلك، ربما لا يكون القانون الثالث في فيزياء الثقوب السوداء «قانونًا» ثابتًا كما كان يُعتقد.
يقول كيلي: «كان يُنظر إلى الثقوب السوداء المتطرفة على أنها حد مثالي يستحيل بلوغه؛ أي يمكنك أن تكتبها كحل رياضي، لكن لا يمكنك الوصول إليها عبر أي عملية فيزيائية حقيقية. إلا أننا أثبتنا أن هذا الاعتقاد خاطئ».
ولم يكن الاعتقاد بصحة القانون الثالث للثقوب السوداء قائمًا فقط على تشابهه مع القانون الثالث للديناميكا الحرارية، بل لأنه كان يبدو أيضًا ضروريًا للحفاظ على اتساق بقية قوانين الفيزياء.
يمكن للثقوب السوداء المشحونة والدوّارة أن تمتلك أفقين. الأول هو أفق الحدث المعروف، أي الحد الذي لا يستطيع أي شيء العودة بعد تجاوزه. وفي عمق أكبر داخل الثقب الأسود يقع أفق كوشي، وهو حد داخلي تفقد عنده النسبية العامة قدرتها على التنبؤ بما سيحدث لاحقًا. فإذا عبر جسم هذا الأفق، فلن تعود حتى المعرفة الكاملة بالماضي كافية للتنبؤ بالمستقبل.
كان عالم الفيزياء الرياضية روجر بنروز يرى أن أفق كوشي سيظل دائمًا داخل أفق الحدث، بحيث تبقى المنطقة المتفردة في قلب الثقب الأسود محجوبة عن بقية الكون. والمنطقة المتفردة هي منطقة يُعتقد أن كثافة المادة وانحناء الزمكان فيها يبلغان قيمًا هائلة تنهار عندها أوصاف الفيزياء المعتادة. وأطلق بنروز على هذه الفكرة اسم الرقابة الكونية، وهي أشبه بآلية مدمجة في الكون تمنعنا من رؤية منطقة تنهار فيها القوانين الفيزيائية المعروفة، وهي ما يسمى المتفردة العارية، أي متفردة غير محجوبة خلف أفق حدث.
لكن قوة الجاذبية في الثقب الأسود تقابلها تأثيرات ناتجة عن شحنته ودورانه. وكلما زادت الشحنة أو سرعة الدوران، تمدد أفق كوشي، في حين انكمش أفق الحدث. وفي نهاية المطاف، يمكن أن يتطابق الأفقان عند حد يُعرف باسم الحالة المتطرفة. وعندها تنخفض شدة الجاذبية عند أفق الحدث إلى الصفر، وهي كمية تسمى الجاذبية السطحية.
ولأن درجة حرارة هوكينغ للثقب الأسود تتناسب مع جاذبيته السطحية، فإن الثقب الأسود المتطرف تكون درجة حرارته صفرًا، ولا يصدر إشعاع هوكينغ الحراري.
تقف الثقوب السوداء المتطرفة على حافة هذه المنطقة الخطرة كونيًا، عند النقطة التي يوشك فيها أفق كوشي أن يبلغ أفق الحدث، بما يهدد بكشف متفردة عارية. ولهذا كان يُعتقد أن تكوّن مثل هذه الثقوب أمر مستحيل. لكن كيلي وأونغر توصلا إلى طريقتين يمكن من خلالهما تجاوز هذه العقبة.
لقد أظهرت نماذجهما أن ثقبًا أسود متطرفًا يمكن أن يتكوّن إذا أُضيفت إليه مادة مشحونة تدريجيًا. كما يمكن أن يتكوّن بطريقة أخرى، عبر إطلاق حزمة من الجسيمات المشحونة في منطقة من الفضاء الخالي، بحيث تنهار هذه المنطقة مباشرة لتشكّل ثقبًا أسود متطرفًا. والأهم أن أيًا من هاتين الآليتين لا يؤدي إلى خطر تكوّن متفردة عارية.
تقول كيارا تولدو، من جامعة بروكسل الحرة في بلجيكا: «إن إثبات هذا البحث إمكانية تكوّن الثقوب السوداء المتطرفة وفق الفيزياء الكلاسيكية يعني أن هذه الأجسام ليست مجرد حدود رياضية افتراضية، بل يسمح بوجودها إطار الجاذبية الكلاسيكية. لكن السؤال عما إذا كانت ميكانيكا الكم تسمح بتكوّنها لا يزال مفتوحًا».
ما فائدة الحالة المتطرفة؟
تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن هذه الأجسام الغريبة قد تشكل جسرًا بين الثقوب السوداء الموجودة في كوننا المتغير والمعقد، وتلك النماذج المثالية التي طالما ظهرت في نظرية الأوتار، وهي نظرية تفترض أن المكونات الأساسية للمادة ليست جسيمات نقطية، بل «أوتار» متناهية الصغر، وظهرت في نظرية ميكانيكا الكم أيضًا.
فعلى مدى عقود، حاول الفيزيائيون معرفة ما تتكون منه الثقوب السوداء على المستوى المجهري. وتشير إنتروبيا الثقب الأسود إلى وجود عدد هائل من الحالات المجهرية، أي الترتيبات الداخلية المختلفة التي يمكن أن تعطي الخصائص الظاهرية نفسها للثقب الأسود. لكن السؤال الأساسي يظل قائمًا: ما الذي يُعاد ترتيبه داخل الثقب الأسود بالضبط؟
وهذا أحد الأسباب التي دفعت علماء الفيزياء النظرية، ومن بينهم كيارا تولدو، إلى الاهتمام بالثقوب السوداء المتطرفة منذ فترة طويلة. وتنبع أهميتها إلى حد كبير من أن درجة حرارتها تساوي صفرًا، وهي حالة يُتوقع معها عادة أن تكون الإنتروبيا صفرًا أيضًا. لكن الغريب أن الثقوب السوداء المتطرفة، رغم انعدام درجة حرارتها، يمكن أن تظل لها إنتروبيا. ولذلك توفر نموذجًا مثاليًا ومبسّطًا لدراسة طبيعة الحالات المجهرية التي تكمن وراء إنتروبيا الثقب الأسود.
لكن معظم الدراسات حتى الآن تعاملت مع الثقوب السوداء المتطرفة بوصفها نماذج رياضية مثالية. أما إثبات إمكانية تكوّنها فعليًا من خلال عمليات فيزيائية، فيقرّب هذه الأفكار خطوة من الأجسام التي يمكن أن تنشأ بالفعل في كوننا.
وقد تكون هناك حتى وسيلة لرصد أحد هذه الثقوب. فعندما تهوي المادة نحو ثقب أسود، تتعرض لضغط وتسخين شديدين إلى درجة تجعلها تطلق دفعة من الإشعاع. وهذا الإشعاع مختلف تمامًا عن إشعاع هوكينغ، لأنه يصدر عن المادة الساقطة نفسها، وليس عن الثقب الأسود.
وحول الثقب الأسود العادي، سرعان ما يتلاشى الاضطراب الناتج عن سقوط هذه المادة. أما أفق الثقب الأسود المتطرف فلا يمتلك تأثير التخميد المعتاد الذي يؤدي إلى تلاشي الاضطرابات تدريجيًا، ما يسمح لجزء من الاضطراب بالبقاء، بل وربما بالتزايد. وفي العام الماضي، أظهر باحثون أن هذا السلوك ينبغي أن يترك بصمة مميزة في المراحل الأخيرة من الإشعاع المنطلق إلى الخارج، ويمكن من حيث المبدأ أن تصل إلى راصدين بعيدين.
ومع ذلك، لا يزال الكشف الفعلي عن ثقب أسود متطرف احتمالًا بعيد المنال. وفي الوقت الراهن، تظل أهم نتائج هذه الأبحاث مجرد نتائج نظرية. فإذا كان من الممكن خرق القانون الثالث لفيزياء الثقوب السوداء، فقد يعني ذلك أن التشابه بين الثقوب السوداء وأنظمة الديناميكا الحرارية ليس تامًا كما كان الفيزيائيون يعتقدون.
لكن عمل كيلي وأونغر لم يكشف مجرد فجوة في فهمنا للثقوب السوداء، بل يثير احتمالًا أكثر إرباكًا: ربما كان فهمنا للديناميكا الحرارية نفسها غير مكتمل.
يقول كيلي: «جعلني هذا البحث أدرك أنني أفهم الثقوب السوداء أكثر مما أفهم الديناميكا الحرارية الكلاسيكية. وربما يوجد في أعماق هذه المسألة مبدأ أكثر عمقًا لم نكتشفه بعد».
أما أونغر فيقول: «لقد أثبتنا عدم صحة القانون الثالث بصيغته المعروفة، لكننا لم نفهم هذه المشكلة فهمًا حقيقيًا حتى الآن. ولا يزال أمامنا الكثير لنقوم به بهذا الخصوص».
جاكلين كوان
مجلة نيو ساينتست