قبل نحو عام، أدركنا في «بتسيلم»، المنظمة الإسرائيلية لحقوق الإنسان التي أتولى إدارتها، أننا نجد صعوبة في تفسير ما يحدث في الضفة الغربية.

لم تكن المشكلة نقصًا في المعلومات؛ على العكس تمامًا: كنا قد أمضينا، حتى ذلك الحين، ما يقارب ثلاثة أعوام نوثّق، يومًا بعد يوم، إحراق المنازل وهدمها، وتهجير التجمعات السكانية، وإطلاق النار على الأطفال وقتلهم، وإغلاق الطرق، وممارسات مُذلّة يكرّس بها المستوطنون والحكومة الإسرائيلية على السواء التفوّق اليهودي.

وكانت أشكال من العنف نادرة نسبيًا في الضفة الغربية، منها القصف الجوي وتدمير المناطق السكنية على نطاق واسع والتهجير الجماعي، قد أصبحت ممارسات اعتيادية.

وكان السؤال الذي نعود إليه مرارًا هو كيف نجد كلمات تصف واقعًا لا يمكن لأي حادثة منفردة أن تحيط به. وأدركنا في النهاية أن وصف المنظومة الأوسع يقتضي الإصغاء إلى لغتين سياسيتين في آن واحد، وهما ليستا معجمين متوازيين؛ إحداهما اللغة التي تستخدمها المنظومة الإسرائيلية لشرح ما تفعله وإضفاء الشرعية عليه؛ والأخرى لغة الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت الحكم الإسرائيلي، ويصف بها ما يفعله هذا الحكم بحياته. وتتجاوز اللغة السياسية وصف الواقع؛ فهي ترسم حدود ما يستطيع الناس تبريره وما يستطيعون تجاهله.

فبالنسبة إلى الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي، وإلى كثير من المراقبين حول العالم، تشكّل الطرق المغلقة والمنازل المهدّمة وعمليات الطرد والعنف أوجهًا لهيمنة سافرة الظلم. وتستطيع اللغة السياسية الإسرائيلية أن تجعل الواقع نفسه يبدو ضروريًا، بل طبيعيًا.

بوصفي إسرائيلية يهودية، نشأت داخل هذه اللغة. كانت تحوّل السيطرة العنيفة إلى «أمن»، وسلب الأرض والممتلكات إلى «استيطان»، والعنف واسع النطاق إلى «دفاع عن النفس». وتستمدّ هذه اللغة جانبًا كبيرًا من قوتها من خوف حقيقي. أعرف هذا الخوف. لقد نشأت معه. وله مصادر عديدة، منها عقود من الهجمات المسلحة على الإسرائيليين. وقد زاد الهجوم الذي قادته حماس في السابع من أكتوبر 2023 من حدّته. وتتلاعب اللغة السياسية الإسرائيلية بهذا الخوف عبر تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، واختزالهم في خانة واحدة: التهديد.

وتستخدم العنف الذي يمارسه بعضهم لتبرير السيطرة على شعب بأكمله واضطهاده. وهذه إحدى الوسائل التي يحافظ بها نظام الفصل العنصري على بقائه.

لم تكن اللغة التي نشأت عليها تقتضي مني إنكار معاناة الفلسطينيين. كان بوسعي أن أقرّ بها، بل أن تروّعني، وأن أظلّ مع ذلك أرى المنظومة التي أنتجتها مشروعة في أساسها.

أما اليوم، بعد سنوات من الإمعان في تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، فمعاناتهم تُتجاهَل ببساطة في جانب كبير من الخطاب العام الإسرائيلي. ولهذا تكتسب لغة من يعيشون تحت هذه المنظومة كل هذه الأهمية.

فالذين يشهدون ما يجري، ويكابدونه، ويبقون على قيد الحياة تحت تلك السلطة، يستطيعون وصف حياتهم كما هي: حياة بلا حماية، يطبعها الخوف والهشاشة وانعدام اليقين.

يوم الاثنين، تنشر «بتسيلم» تقريرًا عن المسار الذي يتكشّف في الضفة الغربية. ويروي التقرير قصة ذات جذور عميقة؛ فمن الطرد والتهجير الجماعي للفلسطينيين خلال نكبة عام 1948، حين شُرّد مئات الآلاف من الفلسطينيين أو طُردوا، وما أعقب ذلك من حرمان اللاجئين من حقهم في العودة، مرورًا بالاحتلال والاستيطان والفصل العنصري، دأبت السياسة الإسرائيلية على ترسيخ السيادة اليهودية، فيما جعلت الوجود الفلسطيني والحياة السياسية الفلسطينية أكثر هشاشة.

ينفر كثير من الإسرائيليين من مصطلح «الاستعمار الاستيطاني». وردّ الفعل هذا ليس عَرَضيًا؛ لقد علّمتنا اللغة السياسية الإسرائيلية أن نسمع في هذا المصطلح إنكارًا لتاريخ اليهود وانتمائهم.

والروابط التاريخية والدينية والثقافية لليهود بهذه الأرض حقيقة، كما أن ما تعرّضوا له من اضطهاد وعنف على امتداد تاريخ طويل في أنحاء كثيرة من العالم حقيقة أيضًا. ولا يغيّر شيء من ذلك حقيقة أن السيادة اليهودية الحصرية قامت على سلب الفلسطينيين أرضهم وممتلكاتهم.

تبدّلت التوجّهات السياسية بمرور الزمن، لكن المنطق الذي يحكمها ظلّ واحدًا: حافظت إسرائيل على نظام سياسي يضع اليهود فوق الفلسطينيين في الحقوق والسلطة والسيطرة على الأرض.

وخلال الأعوام الثلاثة الماضية، تسارعت وتيرة هذا المشروع القائم منذ زمن طويل في الضفة الغربية، وازداد عنفًا وأصبح أكثر علانية. وأخذ القادة الإسرائيليون يجهرون بهذه الأهداف أكثر فأكثر: سيادة يهودية دائمة، وحرمان الفلسطينيين من تقرير مصيرهم، ودفعهم إلى الرحيل.

وقد طرح بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي الذي يشغل أيضًا منصب وزير في وزارة الدفاع ويتمتّع بصلاحيات واسعة في إدارة الحكم الإسرائيلي بالضفة الغربية، خطة عام 2017 تضع الفلسطينيين أمام ثلاثة خيارات: التخلّي عن مطالبهم الوطنية وقبول العيش في ظل التفوّق اليهودي، أو الرحيل، أو مواجهة القوة العسكرية إذا قاوموا.

لم يبتكر سموتريتش هذا المشروع، لكن خطته تكشف منطقه بوضوح غير معهود، وهو يقول الآن إنه يستخدم صلاحياته للمضيّ به قدمًا. وتُعرف الخطة بالإنجليزية باسم «الخطة الحاسمة».

غير أن الكلمة التي يستخدمها بالعبرية، «هَخْراعاه» (hachra’ah)، تحمل دلالة سياسية أشدّ من كلمة «حاسمة». فهي تعني إنهاء صراع على نحو لا رجعة فيه، بإلحاق هزيمة نهائية بالطرف الآخر.

وليست «هَخْراعاه» مثالًا منفردًا؛ فهناك معجم سياسي وعسكري كامل يحوّل الإكراه إلى أمر يبدو تقنيًا واعتياديًا. وتعني عبارة «المبادرة إلى الاحتكاك» تعمّد افتعال مواجهات مع السكان الفلسطينيين حول أراضيهم، غالبًا باستخدام العنف والترهيب، إلى أن تُنهَك التجمعات السكانية ويرحل أهلها.

وفي الاستخدام العسكري الإسرائيلي الراهن، تصف عبارة «عمليات التشكيل» إعادة تشكيل معالم الأرض فعليًا، بما في ذلك اقتلاع آلاف أشجار الزيتون التي يعتمد عليها الفلسطينيون في معيشتهم. وتُقدّم عبارة «تشجيع الهجرة» الفرار من الترهيب والعنف بوصفه خيارًا طوعيًا.

ثم هناك «النصر الكامل»، وهي عبارة احتلّت موقعًا محوريًا في الخطاب السياسي الإسرائيلي خلال الهجوم على غزة، وجرى تبنّيها على نطاق واسع بوصفها هدفًا وطنيًا.

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فالواقع وراء هذه العبارات ملموس: القيود والاعتداءات تحاصرهم من كل اتجاه. قد يُغلق الطريق إلى العمل، وقد يدخل مستوطن مسلّح أرضك، وقد يُعتقل أحد أفراد أسرتك.

ولا تُصاغ اللغة السياسية بالكلمات وحدها. إنها تُكتَب أيضًا في معالم الأرض. وخلال العامين الماضيين، رفع المستوطنون، في حملات منظّمة، آلاف الأعلام الإسرائيلية على امتداد الطرق، وفوق قمم التلال، وعند مداخل القرى الفلسطينية.

وبالنسبة إلى كثير من الإسرائيليين اليهود، تمثّل هذه الأعلام مصدر فخر، وتُقدّم السيادة الإسرائيلية على الأرض بوصفها أمرًا قائمًا بالفعل.

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فتعلن الأعلام نفسها سيادةً مفروضة عليهم، تسندها قوة لا يملكون قدرة حقيقية على تحدّيها. وقد يؤدي نزع أحد الأعلام إلى مجيء مستوطنين مسلّحين أو جنود، وينتهي الأمر باعتقال أو اعتداء أو ما هو أسوأ.

في التقرير الذي أعدّته «بتسيلم»، حاولنا قراءة هذه اللغات السياسية معًا. والكلمة التي استقرّ رأينا عليها لوصف محصّلة هذه الأفعال التي تبدو منفصلة هي «المحو». ولا يقتضي منطق المحو أن يختفي كل فلسطيني. إنه يسعى إلى جعل الحياة الجماعية للفلسطينيين مستحيلة على نحو متزايد، مع ضمان سيطرة يهودية إسرائيلية دائمة. وفي غزة، اتّخذ منطق المحو أشدّ صوره تطرّفًا: الإبادة الجماعية. أما في الضفة الغربية، فهو يقوّض المقوّمات التي تتيح للفلسطينيين البقاء على أرضهم والعيش بوصفهم مجتمعًا وشعبًا.

ومع ذلك، حتى حين تعلن إسرائيل أهدافها صراحة، تواصل الحكومات والمؤسسات الدولية إعادة صياغة تلك الأهداف بلغة سياسية تقليدية: صراع ينبغي إدارته، واحتلال يُتوقّع أن ينتهي، وحكومة متطرّفة ينبغي كبحها. وتتيح هذه الصياغة للحكومات إدانة العنف من دون مواجهة المنظومة التي تقف وراءه. وتسمح لها بالبقاء داخل سردية سياسية مطمئنة، عوضًا عن الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي وممارسة الضغط المتواصل اللازم لعكس هذا المسار.

وهي تحجب الواقع الأوسع: مرحلة جديدة من المشروع السياسي الرامي إلى جعل السيطرة اليهودية الإسرائيلية دائمة، مع تقويض مقوّمات الحياة الجماعية للفلسطينيين.

بدأنا هذا العمل لأننا عجزنا عن العثور على كلمات تفي بوصف واقع يتكشّف أمامنا، وربما كانت هذه الصعوبة جزءًا من الكيفية التي يعمل بها النظام الاستعماري: فبمرور الوقت، قد يبدو حتى الواقع المشبع بالعنف والخوف والدمار غير قابل للتغيير ولا مفرّ منه.

كانت مهمّتنا أن نعيد إظهاره بوصفه واقعًا صنعه البشر، لا أمرًا مفروغًا منه؛ فما بدا أحداثًا منفصلة ينبغي أن يُفهم على حقيقته: خيارات سياسية ضمن مشروع لتكريس التفوّق وسلب الأرض والممتلكات والمحو. إن رفض اللغة التي تسوّغ العنف الممارَس ضد الفلسطينيين يقتضي أيضًا رفض المنظومة التي تنتجه، والإصرار على إنهائها.