وأنا أتابع زيارة بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي ووزير دفاعه يسرائيل كاتس لجبل الشيخ في سوريا يوم الأربعاء الماضي، خطر على بالي الرئيس السوري السابق بشار الأسد، وتخيّلتُه وهو في موسكو يتابع المشهد عبر الشاشة باهتمام.
شاهد الرئيس بشار الرجلين وهما يتجولان بثقة وأريحية على قمة الجبل، وهما يرتديان سترة واقية، ويشيران بأيديهما نحو عُمق الأراضي السورية الممتدة أمامهما. استمع بشار إلى نتنياهو، وهو يقول: «نحن نقف هنا في قمة جبل الشيخ؛ فدمشق هنا، ولبنان هناك، وهضبة الجولان السورية هناك، ونحن نسيطر على المنطقة بأكملها، من جبل الشيخ حتى نهر اليرموك، ومن هناك وصولًا إلى البحر الأبيض المتوسط، وهي سيطرة مطلقة لم يسبق لها مثيل».
أخذ بشار نفسًا عميقًا وهو يتابع تعهد نتنياهو بعدم السماح «لأيّ جيش إرهابي بأن يرسخ وجوده على حدودنا»، بل يتبجح أنّ الوصول إلى هذا الوضع هو أحد «الإنجازات العظيمة» التي حققتها إسرائيل في ما سمّاها «حرب النهضة». ولم ينس نتنياهو إيران وهو في قمة الجبل إذ قال: «إنّ المحور الإيراني بأكمله سيسقط نهائيًّا، وإنّ سقوطه قريب جدًّا».
أخذ حديث نتنياهو عن إيران الرئيس بشار بعيدًا، وتساءل في نفسه: هل صحيحٌ ما يقال بأنّ إيران باعته؟ وهل كانت هناك صفقات سرية لا يعلمها؟! ذهب ذهنه وفكره إلى ما تتعرض له إيران الآن، واستغفر الله واستعاذ به من وسوسة الشيطان.
مدّ بشار يده إلى كوب عصير ليمون كان بجانبه، وارتشف منه قطرات، إلا أنه أعاد الكوب إلى مكانه ولم يكمل الشرب، وفتح عينيه متابعًا يسرائيل كاتس، وهو يوجّه خطابه إلى الرئيس السوري أحمد الشرع: «نحن موجودون في المنطقة الأمنية، ولن نتحرك من هنا. نوجه من هنا رسالة قوية وواضحة جدًا إلى رئيس سوريا، الذي يجلس على بُعد 35 كيلومترًا من هنا، في قصره بدمشق، نحن هنا على جبل الشيخ، نحن في المنطقة الأمنية، ولن نتحرك من هنا».
كان المشهد أقرب إلى كابوس، لكنه واقع فرض نفسه بقوة؛ فقمة الجبل الذي طالما ظلّ في الأدبيات الوطنية والإعلام الرسمي رمزًا للشموخ والسيادة، أصبحت اليوم منصة لالتقاط الصور التذكارية وتوجيه الرسائل الميدانية، بينما تقف دمشق على بعد كيلومترات قليلة عاجزة عن إطلاق صفارة إنذار واحدة، واكتفت ببيان لم يتجاوز مفردات الشجب المستهلكة.
كان جبل الشيخ حاضرًا دائمًا في المقررات المدرسية السورية وفي الأغاني الوطنية، وظلّ في ذاكرة حرب أكتوبر 1973 رمزًا للردع وحارسًا أمينًا لدمشق؛ لكن انكسار هذه الرمزية أمام الشاشات، وأمام أحذية وأقدام نتنياهو وكاتس تدوس قمته، أظهر حجم الفجوة بين «الرمز التاريخي» المكتوب في الكتب، وبين الواقع الحاضر الذي يُرسم بأقدام القيادة الإسرائيلية فوق أرض الجبل.
شكلت جولة القيادة الإسرائيلية أعلى جبل الشيخ تحوّلًا استراتيجيًّا عميقًا في المنطقة، من خلال فرض أمر واقع جديد، إذ عكست قدرة إسرائيل على التحرك بحرية كاملة في أكثر النقاط حيوية وحساسية، ممّا يعني عمليًّا سقوط قواعد الاشتباك القديمة، التي استمرت لعقود.
الوقوف على أعلى نقطة استراتيجية تطل على دمشق والريف الجنوبي هو رسالة تذكير بأنّ الجغرافيا السورية باتت مكشوفة أمنيًّا وعسكريًّا وأنّ سوريا مستباحة بالكامل، فيما أظهرت المشاهد تفكك شبكة الدفاع والتغطية السورية، ممّا حوّل الجبل من حصن منيع إلى نقطة رصد واستطلاع متقدمة للطرف الآخر.
ولم تقتصر رسالة هذه الزيارة على الداخل السوري، بل امتدت لتطال الأطراف الإقليمية كإيران والدول العربية والمجتمع الدولي، لتأكيد أنّ التوازنات في المنطقة قد أُعيد رسمها بالكامل لصالح الكيان الإسرائيلي.
فكر الرئيس بشار الأسد - وهو يشاهد تلك اللقطات -، أنّ المشهد يُعبِّر بامتياز عن غياب الطرف الآخر، حيث تجسدّت في تلك اللحظات الحقيقةُ المُرّة، التي حاول النظام التغطية عليها عبر السنوات، وهي أنّ الردع السوري قد انهار تمامًا.
لقد كشفت الزيارة عمق الفجوة بين الخطاب السياسي القائم على «الاحتفاظ بحق الرد في المكان والزمان المناسبين»، وبين الواقع الميداني. وقديمًا كان منتقدو الرئيس بشار الأسد يرون فيه ظاهرة صوتية خطابية، ولكن عجز الحكومة السورية عن اتخاذ أيِّ موقف حاسم سواء كان ردعًا ميدانيًّا، أو تحرّكًا دبلوماسيًّا، أو حتى خطابًا سياسيًّا – مثل خطابات الرئيس بشار - أظهر حجم الشلل، حيث تحوّل العجز العسكري إلى شلل سياسي وإعلامي تام.
فكر بشار فيما يشاهده الآن، وتذكّر أنه سبق لنتنياهو أن اقتحم الأراضي السورية مرتين على الأقل، الأولى في ديسمبر 2024، بعد فترة وجيزة من سيطرة إسرائيل على المنطقة العازلة، والثانية في نوفمبر 2025، والمؤكد أنّ بشار في قرارة نفسه حمد الله على أنّ ما يشاهده الآن لم يحدث في عهده، ومدّ يده ببطء وأغلق الشاشة.
كانت صور تلك الزيارة، وثيقة تاريخية تُسجل مرحلة تحوّل فيها «جبل الشيخ» من رمزيته التاريخية كحصن للمقاومة والسيادة الوطنية، إلى شاهد عيان على انكسار حقبة بأكملها، وسقوط كامل لسردية المقاومة.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.