مع احتفاء المؤسسات التعليمية - بداية العام الدراسي الجديد- بعودة الحياة لجنباتها عبر أعداد الطلبة المقبلين على التعليم في كل التخصصات، نطيل التفكير في تحديات الواقع ورهانات التعليم في هذا العصر المتسارع تقنيا ومعرفيا.
وإن كان المنطق يشير إلى تعاظم الحاجة إلى العلم والتعلم فإن الواقع مهدد بتقويض ذلك اليقين الراسخ عبر عقود، في الوقت الذي يظن الأهل بأنهم بلّغوا أبناءهم وبناتهم مرحلة جامعية يطمئنون بها ومعها على مآلات مستقبلهم بعد قلق الدراسة قبلها وصولا لمرحلة تتلقى فيها مؤسسسات التعليم العالي تلك الأمانة بعظيم شعور بالمسؤولية عبورا بتلك الأجيال من مرحلة التمهيد إلى مرحلة التشكل، ومن قلق المدرسة إلى يقين التخصص؛ غير أن الأمر ليس هينا إن وضعنا في الاعتبار كل منافذ التأثير والتشتيت في واقع الشباب اليوم.
لم يعد التعليم يحظى بالتقدير الاجتماعي الذي كان يتمتع به خلال العقود الماضية، وليس هو السبيل الأوثق للترقي الاجتماعي والاقتصادي بعد ظهور موجة متزايدة من التشكيك في جدواه لدى شباب اليوم، ومن مؤشرات تلك الموجة انخفاض الدافعية للتعلم وتنامي ظاهرة التسرب المقنع، وتزايد الإقبال على المسارات البديلة غير الأكاديمية، إضافة إلى التشكيك في العلاقة التقليدية بين الشهادات العلمية والنجاح المهني.
إن خطورة هذه الأزمة لا تتوقف على مجرد ضعف الرغبة الفردية في الدراسة وإنما تمس العقد الاجتماعي الذي قام عليه النظام التعليمي الحديث أساسا؛ أي الوعد الضمني بأن الجهد التعليمي يقابله مستقبل أفضل.
وعندما يتزعزع الإيمان بهذا الوعد تصبح المؤسسات التعليمية موضع مساءلة ونقد، فما هي أبرز إشكاليات الدافعية والتعلم؟ وكيف يمكن تجاوز التحديات الواقعية التي أسهمت في تكوين هذه الأزمة؟
أزمة الحافز للتعليم هي حالة من التراجع في الدافع الداخلي أو الخارجي نحو التعلم تنشأ عندما يصبح المتعلم غير قادر على إدراك قيمة الجهد التعليمي أو جدواه، ولا ينبغي اختزال هذه الأزمة في الكسل أو ضعف الإرادة الفردية وحدها؛ إذ تشير الأدبيات التربوية الحديثة إلى مجموعة عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية متداخلة مُشَكّلة هذه الظاهرة.
فالطالب اليوم لا يسأل «هل أستطيع النجاح؟» بل يسأل «هل يستحق النجاح كل هذا الجهد؟»وهنا تظهر الأزمة الحقيقية، حين ارتبط التعليم الحديث تاريخيًا بنظرية الحراك الاجتماعي وتقليص الفجوة بين الطبقات الاجتماعية وجد محدود الدخل في التعليم وسيلة فعالة للخروج من الفقر وتحسين الوضع الاجتماعي، لكن هذا التصور تبدل نتيجة عدة متغيرات من أهمها تضخم أعداد الخريجين، وتراجع القدرة الاستيعابية لسوق العمل، وارتفاع معدلات البطالة بين أصحاب المؤهلات، وصعود الاقتصاد الرقمي الذي أتاح لبعض الأفراد تحقيق نجاحات مالية دون مسارات تعليمية طويلة، وظهور نماذج مؤثرة لرواد أعمال ومؤثرين رقميين على وسائل التواصل الاجتماعي لم يعتمدوا على التعليم التقليدي.
صارت منصات التواصل الاجتماعي تقدم مكافآت نفسية ومادية سريعة ومستمرة، أما التعليم فيقوم على التأجيل والصبر والاستثمار طويل المدى؛ وهكذا يجد المتعلم نفسه بين ثقافتين متعارضتين: المكافأة الفورية والعائد المؤجل وفي كثير من الأحيان تنتصر الأولى تماشيا مع النبرة الاستهلاكية المتسارعة للواقع مع ضبابية المستقبل المهني وانفصال المناهج عن الواقع. المقارنات الاجتماعية مع أشباح التواصل الاجتماعي إضافة إلى الضغوطات الاقتصادية والاجتماعية، كل ذلك أدى إلى اهتزاز العلاقة الوطيدة بين التعليم والعائد المتوقع وفقا لنظرية التوقع والقيمة؛ فحتى الطالب المتفوق قد يفقد حافزه إذا شكك في قيمة المردود المستقبلي للتعليم، ومن هنا، فإن تأخر التوظيف لا يمثل مشكلة اقتصادية تعاني منها الدول فحسب، بل هي مشكلة تربوية تعاني منها المجتمعات لتؤثر في أجيال كاملة.
ختاما: لا يمكن قبول فقدان التعليم قيمته بالكامل؛ إذ لا يتوافق هذا الحكم مع الواقع المتضمن الحاجة إلى تعليم معمق تماشيا مع معطيات العصر، كما لا يمكن قبول الخطاب التقليدي في أن التعليم وحده كفيل بالنجاح، لكن الأقرب إلى الواقع أن التعليم لم يفقد جدواه لكن شروط تلك الجدوى تغيرت لتنتقل للاقتصاد المعرفي الحديث؛ حيث لم تعد القيمة في الشهادة وحدها، بل في القدرة على التعلم المستمر واكتساب المهارات الرقمية، والتفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة، والتكيف مع المتغيرات والتعلم الذاتي الدائم.
الأزمة المعاصرة ليست أزمة تعليم، بل أزمة تصور للتعليم، فالتعليم الذي أُسس لوظائف مستقرة وعالم بطيء التغير يواجه اليوم عالمًا شديد السيولة وسريع التحول، أزمة الحافز للتعليم تكشف عن تحولات عميقة في العلاقة بين الفرد والمعرفة والمستقبل، فالتراجع الحالي في الدافعية لا يمكن تفسيره بضعف الإرادة الفردية أو تغير أخلاق الأجيال الجديدة بل تفسره التحديات البنيوية متضمنة الاقتصاد وسوق العمل والثورة الرقمية وتغير أنماط الحياة، النظريات الحديثة للدافعية تؤكد أن الإنسان يتعلم بصورة أفضل عندما يدرك المعنى والجدوى ويشعر بالاستقلالية والكفاءة والانتماء.
ومع كل تلك المتغيرات لا تتحقق استعادة الحافز للتعليم بالمزيد من الاختبارات أو الخطابات التحفيزية، بل بإعادة بناء الثقة في العلاقة بين التعلم والحياة الواقعية، وبإعادة تصميم التعليم ليصبح أكثر اتصالًا باحتياجات الإنسان المعاصر وأكثر قدرة على إقناعه بأن المعرفة ما تزال واحدة من أكثر الاستثمارات الإنسانية قيمة، وإن كانت لم تعد تُقاس بالشهادة وحدها.
حصة البادي أكاديمية وشاعرة عمانية