أَلِفتُ تلفازنا الأحمر المحبوب، يتنقلُ بشاشته الصغيرة من غرفة المعيشة في الصيف إلى حوش البيت في الليالي الباردة، دون أن يُبدي والدي شعورا بالمشقة.
تتجاورُ أجسادنا الصغيرة أنا وإخوتي تحت الأغطية، رؤوسنا فوق الوسائد، أقدامنا مرفوعة على نحو متقاطع على درج مكتبة التلفاز، حتى نغدو جزءا مما تنسجه الشاشة من عوالم سحرية، مأخوذين بكل الفقرات، ابتداء من الكرتون والمسلسلات والأفلام العربية والأجنبية والهندية، وليس انتهاء بنشرات الأخبار والمصارعة الحرّة.
ولذا لا عجب أن نتحدث نحن وجيراننا وزملاء المدرسة عن ذات الأشياء.. ففي فترة الثمانينيات والتسعينيات شكّل التلفاز جزءا من ذاكرتنا الجمعية، فلم نكن آنذاك مغمورين بشعورٍ بائسٍ بالفوت.. يدا أمّي مشغولتان بتقطيع الفاكهة وأبي يُعدل «الإيريل» في صراخ مُتبادل بين السطح ونافذة غرفة المعيشة «صافي التلفزيون.. صافي؟». تنتابنا الخشية اليوم من انفلات الأبناء إلى الغرف المُغلقة والمشاهدات الفردية، وكأنّنا على نحو نوستالجي نرغبُ بتجميد بقائنا مُلتحمين في غرفة المعيشة، يجمعنا فيلمٌ ما أو مسلسل، فناجين القهوة وأكواب الشاي وبعض الكعك والضحك، فلطالما تبدت لي وعلى نحو شخصي صورة العائلة في أبهى تمثلاتها هناك.. حيث أتخيلُ أمّي تُخفي دموعها في عينيّ وضحكة أبي تملأُ فمي.
لكن يغدو العثور اليوم على مسلسل عائلي مهمة شاقة، على نقيض المسلسلات التي أولعنا بها في طفولتنا ومراهقتنا: «المال والبنون»، «ليالي الحلمية»، «الوقوع في بئر سبع»، «رأفت الهجان»،«خالتي قماشة»، «ولاد بوجاسم»، «سعيد وسعيدة» و«جمعة في مهب الريح» والقائمة تطول.. هناك حيث يمكن لأصغر طفل أن يتشارك المشاهدة مع أبويه وجديه دون مواربة.
يتململُ الأبناء اليوم بسرعة، يقدمون نقدا لاذعا لنوع مشاهداتنا، يتحدثون عن حقهم في أن يشاهدوا مقترحات مُغايرة، فضلا عن صعوبة مشاهدة عمل لا تتخلله ألفاظ نابية أو مشاهد غير لائقة!
تمكنتُ وأبنائي مؤخرا من متابعة الأجزاء الثلاثة من المسلسل المصري «موضوع عائلي» على منصة شاهد.
ورغم تفاوت الأجزاء في القوة والمتانة وتماسك الحبكة، فإنّ ظهور فكرة العائلة الممتدة المتآزرة والتي تعيش معا عبر أجيال مختلفة في شقة واحدة، بدا لافتا حقا، وربما وفّر بيئة خصبة لتصاعد رتم الكوميديا.
تقعُ الأحداث في بيت بسيط من بيوت الطبقة الوسطى التي قلما نراها. فقد صرنا أمام دراما تكشفُ طبقات الثراء الفاحش أو تنبش في القاع ومجتمعات الجريمة.
رأينا عائلة تتشاركُ المكان والطعام، وتتشابكُ يومياتها وتتعقد لحث العائلة لأن تساند بعضها البعض.
ولعل أكثر ما استوقفني في هذا المسلسل، «صورة الأب». فبعد أن تعودنا أن تظهر «الأمّ» في سردية الدراما العربية داخل البيت، مُتماهية في كل تفاصيله، ابتداء من تربية الأبناء ومراقبة نمو المشاعر والاصطدام اليومي بأدق الهواجس، يظهرُ الأب في معركة أبعد قليلا، في البحث عن العمل والمال أو في صورة السلطة القامعة.
لكن الأب هنا مغايرٌ لذلك التنميط قليلا، فهو طباخٌ مُتشبثٌ بنسيج عائلته المُمتدة. وهو -وإن كان يلوذُ بنفسه خارج معترك المسؤوليات- إلا أنّ كل بنت ستتمنى لو كان أباها، فهو شديد الحساسية، عطوفٌ على نحو غامر، ويخافُ أن يخذل ابنته.
تلك الكوميديا الطريفة والعائلة المُتعاضدة، جعلتنا نصمدُ لمتابعة الأجزاء الثلاثة -على اختلاف قوتها- فالقوة الناعمة تؤثر فينا شئنا أم أبينا، فنحن نتمثلُ غالبا ما نشاهد. فعندما نرى مركزية الأمّ في البيت ومركزية الأب خارجه، ستبدو أجزاء كثيرة من طبيعة «الأبوة» مُشوهة، كأننا نزيحُ عنه عبئا، بينما من المهم أن يلعب دوره أيضا.. أن يُحبّ ويُضحي ويُصغي.
الانتصار لفكرة العائلة، الالتفاف حول طاولة واحدة كلما تكاثرت المصائب، الشقة الضيقة والكراسي المحدودة؛ حيث يضطرُ الأبناء لأن يجلسوا على الأرض، مُتعلقين بالقصص والأحاديث، بدت لي كصورة مُضادة للانعزال في الغرف، ككشف عن محاولات دؤوبة لبناء روابط وذكريات فيما بينهم، لنغدو جميعا في حالة يقظة من التذكر العذب.
منازلنا صارت أكبر، شاشاتنا أوسع، ومن المؤكد لن يُطلق أحدهم صراخه فوق السطح البيت صائحا: «صافي التلفزيون.. صافي؟»، ولكن ما ينبغي أن نُربي الخشية منه.. أن يغدو اشتباكنا الأسري الحميمي في غرفة المعيشة عُرضة للانقراض!
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»