تعد الصناعات الحرفية رافدا اقتصاديا مهما يسهم في دعم التنويع الاقتصادي وتعزيز منظومة الاقتصاد الإبداعي، حيث تسهم في خلق فرص عمل ونمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ورفع مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.
وشهد القطاع الحرفي في سلطنة عُمان نقلة نوعية في مختلف مجالات العمل والأداء الحرفي، حيث أطلقت هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة البرنامج الوطني للصناعات الحرفية "حرف عُمان"، كأحد البرامج الوطنية الاستراتيجية بهدف تطوير القطاع وتمكين الحرفيين وتعزيز دورهم في دعم الاقتصاد الوطني، مع الحفاظ على أصالة الحرفة والهُوية العُمانية وتوظيف التقنيات الحديثة في تطوير المنتجات.

**media[3511643]**


وفي هذا الحوار تتحدث بدرية بنت محمد بن سعيد الفوري، مديرة دائرة الصناعات الحرفية بهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، عن مستقبل الصناعات الحرفية في سلطنة عُمان، وآليات تطوير المنتجات وتحويل الحرفة إلى منتج إبداعي يجمع بين الأصالة والتصميم العصري، وأبرز التحديات التي تواجه الحرفيين، وتستعرض الفرص المتاحة لبناء علامات تجارية عُمانية قادرة على المنافسة، إلى جانب المستهدفات التي تسعى "ريادة" إلى تحقيقها للقطاع خلال السنوات المقبلة.
كيف تنظرون إلى مستقبل الصناعات الحرفية في سلطنة عُمان، وما الذي يجب أن يتغير حتى تنتقل الحرفة من كونها منتجا تقليديا إلى صناعة إبداعية ذات قيمة اقتصادية وقابلة للتوسع والنمو؟
ننظر إلى الصناعات الحرفية في سلطنة عُمان باعتبارها قطاعا واعدا يمتلك مقومات كبيرة للنمو، ليس فقط لما يحمله من قيمة ثقافية وهُوية وطنية، وإنما لما يرتبط به من فرص اقتصادية في مجالات التصميم والسياحة والصناعات الإبداعية والتجارة والتقنية.
والانتقال بالحرفة إلى صناعة إبداعية مستدامة يتطلب العمل على منظومة متكاملة تبدأ من الحرفي وتنمية مهاراته، وتمر بتطوير المنتج والتصميم والإنتاج والجودة والتسويق، وصولًا إلى بناء العلامات التجارية وفتح الأسواق المحلية والخارجية.
وتركز "ريادة" على مسارين متوازيين، الأول: المحافظة على أصالة الحرفة والهُوية العُمانية التي تمنح المنتج خصوصيته وتميزه، والثاني: تطوير هذه الحرفة اقتصاديا وإبداعيا لتواكب احتياجات المستهلك والأسواق الحديثة، فالهدف ليس تغيير الحرفة بقدر ما هو تطوير القيمة التي تصنعها الحرفة، وتحويلها إلى نشاط اقتصادي قادر على النمو والاستدامة والمنافسة.
كيف يتم الإبداع في المنتجات الحرفية وتطويرها داخل منظومة "ريادة"؟ وما الآلية التي تساعد الحرفي على تحويل فكرة أو حرفة تقليدية إلى منتج جديد يجمع بين الأصالة والتصميم العصري واحتياجات المستهلك؟
تنطلق "ريادة" في تطوير المنتج الحرفي من فكرة أساسية، وهي أن الأصالة والابتكار ليسا مسارين متعارضين، وإنما يمكن للتصميم الحديث والتقنية أن يمنحا الحرفة فرصا جديدة للتوسع والاستخدام دون أن تفقد هُويتها.
ولهذا تنفذ "ريادة" برامج مستمرة لتمكين الحرفيين وتطوير المنتجات، مع التركيز على توظيف التقنيات الحديثة في التصميم والإنتاج، والاستفادة من المصممين والمبتكرين والطلبة والموهوبين في تقديم رؤى جديدة للمنتجات الحرفية العُمانية.
وتعمل الهيئة كذلك على توسيع مفهوم المنتج الحرفي، بحيث لا يقتصر على الجانب الجمالي أو التذكاري، وإنما يمتد إلى منتجات نفعية ومعاصرة يمكن استخدامها في الحياة اليومية وفي قطاعات متعددة.
كما تولي اهتماما بالأجيال الجديدة لدمجها في المحافظة على استمرار "حرف عُمان"، من خلال برامج تستهدف الأطفال وطلبة المدارس والجامعات والكليات، بهدف تعزيز ارتباطهم بالحرفة، وتشجيعهم على إعادة اكتشافها من خلال التصميم والابتكار والتقنية.
كيف يمكن تطوير المنتجات الحرفية وإدخال التصاميم والمواد والتقنيات الحديثة عليها، من دون أن تفقد هُويتها العُمانية وأصالتها؟ وأين ترون الحد الفاصل بين التطوير والمحافظة على الهُوية؟
الهُوية هي مصدر مهم للابتكار والميزة التنافسية، ويمكن للحرفي الاستفادة من أدوات التصميم الحديثة والتقنيات الجديدة ووسائل الإنتاج المتطورة، مع المحافظة على العناصر التي تمنح المنتج هُويته العُمانية؛ سواء في الخامات أو النقوش أو الألوان أو القصة أو أساليب التصميم المستوحاة من الموروث الثقافي والحرفي.
كما أن التقنية يمكن أن تسهم في رفع جودة المنتج وزيادة الإنتاجية وتقليل الوقت والجهد وتحسين كفاءة التكلفة، وهي عناصر مهمة لتحويل النشاط الحرفي إلى نشاط اقتصادي أكثر استدامة. ومن هنا فإن الحد الفاصل هو ألا يؤدي التطوير إلى فقدان الخصوصية التي تميز المنتج العُماني، وإنما أن توظف هذه الخصوصية في منتج معاصر قادر على المنافسة والوصول إلى شرائح وأسواق جديدة.
إلى أي مدى يمكن للتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والتصميم الرقمي والطباعة ثلاثية الأبعاد أن تغير طريقة إنتاج وتطوير وتسويق المنتجات الحرفية العُمانية؟ وكيف تستعد "ريادة" لتمكين الحرفيين من الاستفادة من هذه التقنيات؟
التقنية ستؤدي دورا متزايدا في مستقبل الصناعات الحرفية، حيث تعد أداة تعزز هذه المهارة وتفتح أمامها إمكانات جديدة، ولهذا نحرص على أن تتكامل برامج تطوير الصناعات الحرفية مع مجالات التقنية والابتكار والتصميم، إلى جانب ريادة الأعمال والإدارة والتسويق لأن استدامة المشروع يعتمد على قدرته على إدارة عملياته وتسويق منتجاته وفهم عملائه وأسواقه.
كما تعمل الهيئة على تعزيز التكامل بين الحرفيين والمصممين والمبتكرين والشركات الناشئة، والاستفادة من التصميم الرقمي والنمذجة والتقنيات الحديثة في تطوير المنتجات والنماذج الأولية ورفع الجودة والإنتاجية.
وتؤدي مراكز ريادة الأعمال والصناعات الحرفية دورًا مهمًا في هذه المنظومة من خلال الاحتضان والتدريب والاستشارات الفنية والإدارية والمالية والتسويقية، وتوفير البيئة التي تساعد على تطوير المنتج واختباره قبل الانتقال إلى مراحل أكثر تقدمًا من الإنتاج والتسويق.
وفي الجانب التسويقي، يأتي "البيت الحرفي العُماني" كإحدى القنوات المهمة لتعزيز حضور المنتج الحرفي، إلى جانب المعارض والفعاليات والمنصات والقنوات التسويقية المختلفة.
وبالتالي فإننا نتعامل مع التقنية كجزء من سلسلة متكاملة: فكرة، تصميم، نموذج أولي، إنتاج، علامة تجارية، تسويق، ثم الوصول إلى الأسواق.
كيف يعتمد تطوير المنتج الحرفي اليوم على دراسة السوق واحتياجات المستهلك، وليس فقط على مهارة الحرفي؟ وهل تعمل "ريادة" على مساعدة الحرفيين في اكتشاف المنتجات والفئات الأكثر طلبًا محليًا وعالميًا؟
المهارة الحرفية هي أساس المنتج، لكن تحويل هذه المهارة إلى مشروع اقتصادي مستدام يتطلب فهم السوق والمستهلك. ولذلك تركز برامج الهيئة على تعزيز قدرة الحرفي على دراسة السوق، وتحديد الفئات المستهدفة، وفهم توجهات المستهلكين، ومقارنة المنتجات والأسعار، وتحديد الميزة التنافسية التي يمكن أن يقدمها المنتج العُماني. وهذا مهم بصورة خاصة عند التوجه نحو الأسواق الخارجية؛ فليس كل منتج مناسبًا لكل سوق، حيث لكل سوق خصائصه وأذواقه ومتطلباته من حيث التصميم والجودة والسعر والتغليف.
ما أبرز التحديات التي تواجه المنتجات الحرفية العُمانية من ناحية الجودة والتصميم والتغليف والتسعير واستمرارية الإنتاج؟ وكيف يمكن رفع المنتج الحرفي إلى مستوى قادر على المنافسة في الأسواق الإقليمية والدولية؟
التحدي الأهم هو الانتقال بالنظر إلى الحرفة من نشاط إنتاجي محدود إلى مشروع اقتصادي متكامل. وهذا يرتبط بمجموعة من العناصر منها جودة المنتج، واستمرارية الإنتاج، والتصميم والتغليف، والتسعير، والتسويق، وفهم الأسواق، والقدرة على تلبية الطلب عند التوسع.
وتعمل "ريادة" على معالجة هذه الجوانب من خلال التدريب ورفع الكفاءات، وتشجيع استخدام التقنيات الحديثة، وتعزيز جودة المنتجات، ودعم الوصول إلى الأسواق والمشاركة في المعارض والفعاليات التي تتيح للحرفيين التعرف على الممارسات والتوجهات العالمية.
كما أن حماية المنتج الحرفي والهُوية المرتبطة به، وتطوير البيئة الداعمة للقطاع، تمثل عناصر مهمة في بناء قطاع قادر على المنافسة، حيث تقوم المنافسة عالميا على الجودة والتصميم والهُوية والقدرة على الاستمرار في تلبية الطلب.
كيف يمكن مساعدة الحرفي على الانتقال من مجرد بيع قطعة حرفية إلى بناء علامة تجارية حرفية عُمانية لها هُوية وقصة وقيمة مضافة وقاعدة عملاء؟ وما الدور الذي تلعبه "ريادة" في هذه المرحلة؟
هذه من أهم التحولات التي تركز عليها الهيئة لأن الهيئة تسعى إلى أن يفكر الحرفي فيما هو أبعد من بيع المنتج، وأن ينتقل إلى بناء مشروع وعلامة قابلة للنمو، حيث إن العلامة التجارية هي هُوية المنتج وقصته وجودته وطريقة تقديمه وتجربة العميل معه، والقيمة التي تجعله مختلفا عن المنتجات الأخرى.
لذلك تعمل الهيئة من خلال برامج التدريب والتطوير على تعزيز مفاهيم الهُوية التجارية والبصرية والتسويق والتسعير وتجربة العميل، إلى جانب رفع الوعي بأهمية حماية الأصول المرتبطة بالعلامة التجارية، وعندما يمتلك الحرفي منتجا واضح الهُوية، وجودة مستقرة، وقصة مميزة، وفهما للسوق، فإنه ينتقل تدريجيا من بيع "قطعة" إلى بناء علامة حرفية عُمانية قابلة للنمو والتوسع.
ما الفرص التي ترونها أمام المنتجات الحرفية العُمانية للوصول إلى الأسواق الخارجية؟ وما الأسواق أو القنوات الأكثر قابلية لاستقبال المنتج العُماني، وما الذي يحتاجه الحرفي للوصول إليها؟
يمتلك المنتج الحرفي العُماني عناصر تميز مهمة أبرزها الهُوية والأصالة والتنوع والارتباط بثقافة عُمانية غنية، وهذه عناصر لها قيمة في العديد من الأسواق، خاصة مع زيادة الاهتمام عالميا بالمنتجات الأصيلة والمبتكرة وذات القصة.
لكن الوصول إلى الخارج يجب أن يكون مبنيًا على دراسة، فيحتاج الحرفي إلى معرفة طبيعة المستهلك، ومستوى الأسعار، ومتطلبات الجودة والتغليف والشحن، والمنتجات المنافسة، والقنوات الأنسب للوصول إليه.
وتمثل التجارة الإلكترونية والمنصات الرقمية فرصة واسعة لتجاوز الحدود الجغرافية والوصول المباشر إلى المستهلك، إلى جانب المعارض المتخصصة والشراكات التجارية والقنوات الأخرى التي يمكن أن تفتح فرصًا للتوسع.
كما يمكن الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي والتسويق الرقمي في تحليل الجمهور وإنتاج المحتوى والوصول إلى شرائح أكثر دقة والهدف هو بناء منتجات وعلامات عُمانية لديها القدرة على الاستمرار والنمو في الأسواق المستهدفة.
كيف يمكن استقطاب الجيل الجديد، خصوصا الشباب، إلى الصناعات الحرفية باعتبارها مجالا للإبداع وريادة الأعمال وليس مجرد مهنة تقليدية؟ وما الفرص التي يمكن أن توفرها الصناعات الحرفية للشباب والحرفيات تحديدًا؟
استقطاب الجيل الجديد يبدأ من تغيير الصورة الذهنية عن الحرفة نفسها، فالحرفة اليوم يمكن أن تلتقي مع التصميم والفنون والتقنية والذكاء الاصطناعي والتجارة الإلكترونية وريادة الأعمال، وهذا يفتح أمام الشباب مساحة واسعة جدًا للابتكار.
ولهذا تعمل الهيئة على غرس ثقافة الحرف والصناعات الإبداعية لدى الأجيال الجديدة من خلال البرامج والأنشطة الموجهة للأطفال وطلبة المدارس، إلى جانب البرامج التي تستهدف طلبة الجامعات والكليات وتشجعهم على تطوير أفكار وتصاميم ومنتجات جديدة.
كما تنفذ الهيئة بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة برامج تدريبية وتعريفية تتيح للطلبة تجربة عدد من الحرف والتعرف عليها بصورة عملية.
ويجب على الشباب أن يرى الحرفة ليس فقط بوصفها إرثا للحفاظ عليه وإنما فرصة يمكن أن يصمم حولها منتجًا، ويؤسس من خلالها مشروعا، ويبني علامة تجارية، ويصل بها إلى أسواق جديدة، وهذا التحول في الصورة الذهنية يمثل أحد المفاتيح الأساسية لاستدامة الصناعات الحرفية وانتقال مهاراتها إلى الأجيال القادمة.
إذا نظرنا اليوم إلى الصناعات الحرفية باعتبارها جزءا من الاقتصاد الإبداعي، فما المستهدف الذي تسعى "ريادة" إلى تحقيقه خلال السنوات المقبلة من حيث نمو المؤسسات الحرفية ورفع القيمة الاقتصادية للمنتجات وخلق فرص العمل وزيادة حضور المنتج العُماني في الأسواق؟
تعمل الهيئة من خلال البرنامج الوطني للصناعات الحرفية على إحداث تحول متكامل في القطاع، يرتكز على تطوير المنتج، وتمكين الحرفي، وتوظيف التقنيات الحديثة، وتعزيز المحتوى المحلي، وتطوير سلاسل الإمداد، وفتح فرص استثمارية وتسويقية جديدة.
ويستهدف البرنامج الوطني للصناعات الحرفية خلال الفترة من 2026 إلى 2028 إلى تعزيز حضور الهوية العُمانية في المنتجات الحرفية، وتدريب نحو 1100 مستفيد، إلى جانب تطوير واعتماد 100 منتج مبتكر، وتسويق 1000 منتج مبتكر.
كما تسعى الهيئة إلى بناء قطاع حرفي أكثر قدرة على الاستدامة والنمو، ورفع القيمة الاقتصادية للمنتج، وتوسيع ربط الصناعات الحرفية بالتصميم والتقنية والسياحة والصناعات الإبداعية وسلاسل الإمداد.
وتعمل كذلك الهيئة على إيجاد فرص استثمارية جديدة في القطاع، وتطوير المنتجات وتوفير المواد الخام، بما يسهم في رفع القيمة الاقتصادية للصناعات الحرفية، وتعزيز حضور المنتج العُماني في الأسواق المحلية والخارجية.

**media[3511641]**