تستحضر أزمات الخليج، أو تلك الأزمات التي تعبر دول الخليج العربي وما حولها مفردات ومفاهيم جاهزة إلى الأذهان؛ من قبيل أهمية التكامل الخليجي، والسوق الخليجية المشتركة، وبعض المشروعات التعاونية التي ظلت ملازمة للخطاب السياسي الخليجي (التعاوني) المشترك.
والحقيقة أنه منذ التأسيس حافظ مجلس التعاون لدول الخليج العربية على استمرار عضوية دوله المؤسسة، رغم الأزمات السياسية والعسكرية التي اعترضته.
وتبرز هذه القيمة حين المقارنة بتجارب إقليمية أقصر عمرًا وأكثر هشاشة في وجه الأزمات.
وعلى مستوى العمل الاقتصادي - الذي يعد رافعة المجلس الأكثر بروزًا فقد تبلورت مشروعات جيدة خلال الفترة الماضية، على الأقل في المجالات التي تحقق مصلحة مشتركة لا تتعارض مع احتفاظ كل بلد بتنافسيته الاقتصادية والعالمية.
ولعل من أبرز ما يشار له في هذا الصدد مشروع الربط الكهربائي الخليجي، وبعض الاتفاقيات الخليجية المشتركة في الجوانب الاقتصادية، بالإضافة إلى مشروع الاتحاد الجمركي، والجهود التي تمضي قدمًا في السوق الخليجية المشتركة.
إذن، كان العمل والتفاهمات الاقتصادية رافعة رئيسية لاستمرار أعمال المجلس، وحقق مكاسب يبنى عليها؛ فيما تختبر الأزمات سواء التي تنشأ داخل المنطقة، أو تلك التي تتعرض لها من خارجها صلابة المجلس وصموده وقوة مواقفه المشتركة.
ولا يغيب عن الذهن خاصة في القضايا السياسية أن لكل دولة مساحة مختلفة في قناعاتها وأجندتها السياسية ومصالحها التي تتحرك من منطلقها، وهو اعتبار حافظ المجلس - إلى حد ما - على استقلاليته، لكن ما يحدث اليوم من تواتر للأزمات والعوارض، وما يتوقع أن تحمله السنوات القادمة من اضطرابات سياسية وجيوسياسية واقتصادية حول المنطقة يستلزم إيجاد صيغ توافقية للمواقف السياسية الواضحة، وآليات لبناء تلك المواقف والقرارات توازن بين حفظ استقلالية مواقف الدول، وبين التحرك الجماعي تجاه الأزمات والمشكلات والمخاطر.
في نظريته، يرى عالم الاجتماع كارل دويتش أن الجماعات تتحرك من موقف مشترك حين يتبلور مفهوم (الجماعة الآمنة)، فهوى يقول «يصبح التكامل راسخًا عندما ينشأ بين المجتمعات «شعور بالجماعة»؛ أي حين يرى الناس بعضهم جزءًا من دائرة مشتركة من الثقة والمسؤولية، وتوجد مؤسسات وممارسات تستجيب لاحتياجاتهم المتبادلة.
وهنا تتجاوز العلاقة حسابات المنفعة الآنية إلى توقع مستقر بأن الشريك سيبقى شريكًا حتى عند الاختلاف».
هذه النظرية مهمة في تقديرنا لبلورة مستقبل مجلس التعاون الخليجي؛ فالمواقف المشتركة ستتطلب إعادة النظر في أساسها وهو حسب تقديرنا (الوعي المشترك وإدراك أصل المشكلات) إلى جانب مساءلة وتقييم دور المؤسسات وأطر التعاون الأخرى.
ينبع الوعي من المستويات الأوسع لهرم المجتمع (القاعدة الشعبية) ويحمل عبر السياسات والإجراءات والتدابير المشتركة التي تحميه وتعززه وتؤطره، منطلقًا إلى الخطاب بأوجهه المختلفة، سواء عبر منصات الإعلام أو الخطاب السياسي، أو خطاب مؤسسات التعاون الضامنة له.
وهو مشروع كبير يتعدى المشروعات الاقتصادية لكنه في الآن ذاته يسهل الطريق لأي مشروعات في مجالات أخرى، كون أن الجميع سينطلق من نفس القناعة، وتفسير الواقع والوقائع، وإدراك المستقبل القادم بفرصه واحتمالات مخاطره، وما يحدق بالمنطقة من تداعيات وما يرسم لها من سياسات خارجها.
إن عناوين العقد القادم باتت شبه واضحة، وكلها تمس وحدة المجلس، واستقرار دوله، وبنية الضمانات التي قام عليها التعاون.
وإن كان من تسمية للحظة الراهنة في عمر الخليج وما تحمله من استحقاق (فهي لحظة الوعي الخليجي المشترك) قبل أي شيء آخر.
هذا الوعي رهان في مواجهة توقعات بامتداد الصراعات الإقليمية وتنافس القوى الكبرى مما يدفع إلى تضييق هامش القرار الخليجي، وهذا الوعي كذلك رهان أمام توقعات بتفاوت الفرص بين الأجيال، وتسارع التحولات الثقافية، وتعقيد التركيبة السكانية مما ينذر اتساع المسافة بين فئات المجتمع إذا ضعفت قنوات المشاركة والاندماج.
وهذا الوعي كذلك رهان أمام تجاذبات السيادة الرقمية والمعلوماتية، وما تحمله من احتمالات تطور التزييف العميق والتأثير الخارجي الموجّه، مما يجعل التحقق من الوقائع أصعب، بما يرفع قابلية استغلال الأزمات لإثارة الاستقطاب وتقويض الثقة بالمؤسسات.
والوعي المنشود بقدر ما هو اجتماعي بقدر ما هو استراتيجي ومؤسساتي لمواجهة تزامن تقلب الإيرادات النفطية مع تحول الوظائف أسرع من قدرة التأهيل؛ حيث يقدّر صندوق النقد تعرض 40% من الوظائف عالميًا لتأثير الذكاء الاصطناعي، بما يشمل التعزيز والإحلال.
وللوعي المنشود روافع يبنى عليها ولن يتحقق بمحض الخطاب أو الصدفة وحدها ومن روافعه تعزيز برامج مستدامة ومؤسسية للتبادل المدرسي والجامعي، في مختلف الدول ومختلف الاختصاصات؛ فأجيال الخليج السابقة استقت معارفها ووعيها الخليجي من خلال التعلم والتعليم والمعايشة في المراحل الدراسية في بعض دول الخليج الرائدة تعليميًا في حينه، والتعليم وتجربته من أفضل روافع بناء الوعي وتقريب الفهم والمعايشة وصناعة النخب الواعية خليجيًا.
ومن الروافع كذلك إتاحة التدريب والتوجيه المهني والمشروعات الشبابية عبر الحدود، وربط الجمعيات المهنية والجامعات وأصحاب الأعمال بشبكات مستمرة ودائمة ومؤسسة، لا أن تكون مجرد فعاليات مؤقتة تنشطها رغبة المؤسسات وحدها.
وكذلك مما يمكن أن يدفع الوعي المنشود تسهيل حياة الأسر الممتدة عبر حدود الخليج عبر معالجة شمولية وواسعة لتعقيدات الوثائق والتعليم والرعاية والتقاعد التي تواجه الأسر ذات الارتباطات الخليجية المتعددة، وتوفير مسار واضح لحل تحدياتها، كما يمكن أن يدفع الوعي مسألة وجود شبكات مشتركة للتطوع والاستجابة للأزمات، وتبادل خبرات رعاية كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة ودعم الأسرة، مع تنظيم المشاركة العابرة للحدود ووضعها كذلك ضمن أطر مؤسسية جامعة مستدامة.
إن ما يميز اليوم هذه المنطقة هو قدرتها على التطوير التدريجي لآليات تعاونها، فهي لم تقفز لبناء مؤسسات وأنظمة تلغي هامش الاستقلالية والتنافسية والخصوصية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لدولها، بل ظلت في رحلة بحث وتأطير للمشتركات (الممكنة) لتبني عليها، وهو في تقديرنا ما جعل وسيجعل المجلس مؤسسة مستدامة رغم التحديات.
إلا أن رهان الوعي هو المحرك الأهم والأكثر إلحاحًا للحضور اليوم في معادلة بناء واستدامة العمل التعاوني الخليجي المشترك.
مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عُمان