تعد السياحة محركا أساسيا للنمو الاقتصادي على الرغم من التحديات التي تواجهها خلال السنوات الأخيرة، خاصة على مستوى التوترات الجيوسياسية وما يسمى بعدم اليقين الاقتصادي، إلاَّ أن هذا القطاع بحسب التقارير الدولية يحاول دوما من خلال التحولات الهيكلية إعادة تشكيل كيفية تطويره وإدارته وتجربته؛ إذ يشير تقرير اتجاهات السياحة وسياساتها للعام 2026، الصادر عن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، أن القطاع تأثَّر بشكل كبير جرَّاء العديد من التحديات آخرها الأزمة في الشرق الأوسط وتعرقُل السفر وحركة الطيران في المنطقة مما انعكس على حركة السفر في العالم عموما، فعلى الرغم من بعض التهدئة بين الفترة والأخرى إلا أن الوضع لا يزال هشا ومهددا.
ولذلك، فإن المنظمة تدعو إلى أهمية تعزيز أطر السياسات لإدارة نمو القطاع السياحي وتعزيز التأهب للأزمات، إضافة إلى أهمية إعادة التفكير في تنمية القطاع وفق استراتيجيات تستطيع تحقيق التوازن بين النتائج الاقتصادية والاجتماعية والبيئية من ناحية، ودعم القدرة التنافسية والمرونة من ناحية أخرى، وتعزيز الاستدامة البيئية والنتائج الإيجابية للمجتمعات المحلية من ناحية ثالثة؛ فالسياسات الداعمة توفِّر آفاق تطوير وحوكمة تمكِّن بيئة الأعمال في هذا القطاع، وتشجِّع الاستثمار في المهارات، وتدعم كذلك التحولات الرقمية والابتكارات التقنية المساندة.
إن المرحلة القادمة تحتاج إلى رؤية سياحية مواكبة للتطلعات ومستفيدة من دروس حالات عدم اليقين والتحولات الجيوسياسية والاضطرابات السياسية المختلفة، مما يتطلَّب بناء قطاع أكثر قدرة على المنافسة على كافة المستويات، ولا يمكن تحقيق ذلك سوى عن طريق إيجاد سياسات مرنة للاستثمار وموائمة لإمكانات الشركات الصغيرة والمتوسطة؛ بحيث تستطيع تحسين مواردها وخدماتها وتعزيز جودتها.
ففي ظل هذه المتغيرات يحتاج القطاع للاستفادة من الفرص الرقمية والتقنية المتنامية، إضافة إلى دعم الاعتبارات الاجتماعية والثقافية والميزات التنافسية التي تعزِّز من الاستثمار وتدعم البيئة التمكينية للشركات السياحية وتوجِّه ابتكاراتها وتنميتها.
إن تعظيم القيمة المضافة للسياحة، والاستثمار في البنية السياحية المرنة وبناء القدرات والمهارات لأبناء المجتمع المحلي ليكونوا شركاء، أبرز ما تسعى إليه الدولة في هذا القطاع الحيوي؛ إذ شهد تطورا متزايدا على المستوى العام وعلى مستوى المحافظات من خلال العديد من الخدمات والمبادرات والمهرجانات المختلفة؛ حيث نالت عُمان جائزة (الوجهة السياحية الصاعدة لعام 2026) من مجلة «فياخار» (Viajar) الإسبانية المتخصصة في السفر، كما ارتفعت مساهمة السياحة بشكل مباشر في الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الأول من عام 2026 حسب ما أورده المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، الأمر الذي يكشف التطوير المتصاعد لهذا القطاع.
ويأتي اختيار ولاية الجبل الأخضر في محافظة الداخلية عاصمة للسياحة الخليجية لعام 2027، ليكون نافذة جديدة لإبراز الوجهات السياحية في عُمان؛ فهذه الولاية لها تاريخها الحضاري والثقافي الضارب في القدم، وتمتلك ميزات سياحية تنافسية خاصة على مستوى موقعها الجغرافي وارتفاعها الشاهق، وما يرتبط بذلك من مواقع جبلية وكهوف وغيرها، إضافة إلى التفرُّد المناخي الذي يجعلها وجهة سياحية صيفا وشتاء، كما أن ما تتميَّز به من تنوُّع ثقافي وإمكانات إبداعية في التراث الثقافي والصناعات القائمة عليه، والمواسم الزراعية المختلفة جعلها إحدى أبرز محطات الزوار والسيُّاح ممن ينشد التجارب البيئية المتميِّزة.
إن اختيار ولاية الجبل الأخضر عاصمة للسياحة الخليجية يمثِّل إضافة مهمة للقطاع السياحي، وفرصة للولاية والمحافظة لتسريع تطوير البنية الأساسية والمرافق وتجويد المشاريع الإنشائية بما يُسهم في تحقيق الأهداف التي يسعى إليها القطاع؛ فالولاية بما تتميِّز به من مقومات فإنها تحتاج إلى خطة تنفيذية قادرة على تطوير المواقع والخدمات وتهيئتها لتكون جاهزة لاستقبال الإقبال المتزايد خلال العام المقبل، ولهذا فإن الدولة ماضية في تنفيذ العديد من المشروعات التنموية لإنشاء الحدائق والمرافق والخدمات المختلفة التي ستسهم في دعم هذه التوجهات.
ولأن هذا الحدث ستكون له أهمية كبرى للمجتمع المحلي فإنه لا يكفي الاعتماد على ما هو قائم من مؤسسات صغيرة ومتوسطة لتقديم الخدمات، بل يجب تعظيم القيمة المحلية المضافة من خلال دعم هذه المؤسسات وتمكينها وتوفير البنية الأساسية المواتية والمناسبة لتمثل مشاركتها فرصة لتعزيز جودة خدماتها وتمكين قدرتها على المنافسة؛ فهذه المؤسسات لا يمكن أن تنافس في ظل الخدمات الحالية ما لم يكن هناك تمكين وتعزيز قادر على الدفع بها نحو المنافسة وتحفيزها على النمو والتطوير، إضافة إلى زيادة الاستثمارات الفندقية والخدمات السياحية عالية المستوى.
إن اختيار ولاية الجبل الأخضر يدل على القيمة السياحية المضافة التي تتمَّيز بها؛ ولهذا فإن هناك أنواع مختلفة من السياحة التي يمكن أن يُستفاد منها كالسياحة الرياضية بأنواعها خاصة، سياحة المغامرات والأنشطة الجبلية والكهوف، وكذلك السياحة البيئية والزراعية بما تتفرَّد به من تنوُّع، والسياحة الثقافية ذات التنوُّع في التراث الثقافي وما تتميَّز به من صناعات إبداعية في مختلف الحِرف واستثمارات ثقافية في التاريخ الحضاري والمعماري، إضافة إلى سياحة المهرجانات وسياحة الاستجمام وغير ذلك.
لذا فإن تجارب السياحة في الجبل الأخضر لا توفِّر مساحة واسعة للاستثمار في المناشط والمبادرات والمهرجانات السياحية وحسب بل تفتح آفاقا واسعة لتنشيط الصناعات الإبداعية والثقافية، وإبراز الابتكارات الثقافية من خلال تشجيع الشباب على ابتكار مشروعات تعزِّز تجارب الزوار إلى الولاية، وتدعم الاستثمار في الثقافة وتقدمها في أشكال تجمع الأصالة والمعاصرة باعتبارها قوة ناعمة قائمة على القيم الحضارية العمانية؛ ولهذا، فإن هذا الاختيار يُعد فرصة لتعزيز الثقافة العمانية ودعم الاستثمار فيها.
إن اختيار ولاية الجبل الأخضر عاصمة للسياحة للعام 2027، يمثِّل قيمة مضافة على المستوى الوطني عامة، وعلى مستوى المحافظة بشكل خاص، لما ستوفره من إمكانات سياحية إذا ما تم التخطيط له بالشكل المطلوب، إذ ستكون المحافظة مركزا تنمويا سياحيا للعام 2027، بما توفره من آفاق جديدة لزوار الجبل الأخضر، وبما ستتكامل به مع خدمات الولاية ومرافقها، وبما يمكن أن يُسهم به أبناء المحافظة من تعاون وشراكة محلية تنموية سيكون لها مردود ثقافي واقتصادي على الدولة؛ فكونها عاصمة للسياحة الخليجية في ظل الظروف القائمة يمثِّل رسالة مهمة في تنشيط السياحة الإقليمية وتعزيز مكانتها ودعمها وتعظيم قيمتها المضافة.
عائشة الدرمكي باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة بمجلس الدولة.