ما الذي سيبقى من عمان كما نعرفها بعد مائة عام من الآن؟ ما الذي سيتغير؟ هل تبقى الثقافة كما هي؟ هل نستطيع اليوم أن نعدد سمات الثقافة التي نظن أنها ستعيش مائة عام أخرى؟ وماذا لو حاولنا الاستعانة بالماضي، وعدنا إلى عمان ١٩٢٦م فهل سيساعدنا ذلك أم سيربكنا أكثر؟ هل يمكننا تحديد الجوهري في ثقافة هذه التجربة الإنسانية التي نعيشها والتي ستعيشها الأجيال القادمة، أم ما زلنا نجهل الكثير من كينونتنا نفسها؟
زادت في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ الأعمال والكتابات المتعلقة بالذات الجمعية. وكل هذه الأعمال سواء البحوث والكتب أو حتى الخواطر والتأملات التي يصورها بالفيديو مستخدمو منصات التواصل الإلكترونية، كلها تسعى لإعادة تشكيل وتصور الذات، أو استنطاق تصورنا عنه، ويمكن الإشارة هنا إلى مقال الكاتبة هدى حمد الأسبوع الماضي على هذه الجريدة لا يمثلنا كعمانيين، وكأن مجتمعنا يعيد استظهار نفسه في العصر الرقمي، لكن بشكل أكثر دقة وضخامة ووضوح وأكثر سيطرة.
لدينا كذلك كتاب - العمانيون- للكاتب المعتصم الريامي، وهو كتاب حاول فيه مؤلفه تشكيل صورة متعددة الطبقات لماهية العماني، أو كيف يمكن النظر إليها، واحتوى الكتاب على إشارات لكثير من البحوث العلمية المتعلقة بأنماط السلوك والعادات والحالة النفسية للعمانيين، والكتاب يستحق المزيد من المراجعة المتوسعة أكثر من هذه العجالة والإشارة؛ ذلك أن الكتاب لديه الكثير ليقوله، ولعل أكثر ما شد انتباهي هو نسبة القلق المرتفعة لدى العمانيين حسب الدراسات، وهو الأمر الذي له فوائده حسب الكتاب.
«من نحن» هو تصور ينهض على نظرتنا وفهمنا وتصورنا لأنفسنا وللعالم، وكما يبدو أن مثل هذا التصور الداخلي لم نعرّضه للمراجعة بمثل هذا الاتساع من قبل، وكما يبدو فإن جيلنا المعاصر يستشعر ضرورة الأمر وأهميته؛ وهذا يعيدني لتجربتي الشخصية في مشروع كتاب السماوات والأرض ٢٠١٦م.
كانت فكرة المشروع هي محاولة إنتاج عمل شعري فني عن الأرض والإنسان العماني، وكانت خطة العمل تقوم على إعادة جمع وتشكيل لبنات الصورة التي تركها لنا العلماء والأدباء والفنانون والشعراء العمانيون عن المكان، عن عمان وعن العمانيين، وذلك مبني على الفرضية القائلة أن كل الكتاب العمانيين عبر التاريخ قالوا كلمتهم حول هويتهم، وأنهم اعتبروا المكان والإنسان موضوعًا يستحق التطرق، لكن كانت نتيجة البحث هي أن غالبية كتابنا القدماء لم يكونوا مهتمين بأمر الهوية الجزئية والذات هذه اهتمامهم بالهوية الدينية والإسلامية والمذهبية، ذلك ما يعني لربما أن تصورهم للعالم ولموقعهم منه مختلف عن تصورنا وفهمنا اليوم، وأن مواضيع الهوية المكانية والذات لم تصل لتشكل قضية مع الكتاب الكلاسيكيين، أو مسألة بحثية كما هو الحال مع أجيالنا المعاصرة؛ حيث يلح السؤال بقوة عن الهوية.
ويكفي أن تكتب اسم عمان على أحد محركات البحث الأكاديمية لتحصل على عشرات وربما مئات الصفحات بالعربية والإنجليزية لبحوث منشورة وكتب ودراسات تتعلق بعُمان والعمانيين.
إن الإنسان الفرد المعاصر على الأرجح بسبب تأثيرات العولمة والاستلاب الغربي والخطاب العالمي والتأثير الأمريكي المتعدد، وغيرها من تأثيرات الهيمنة يبدو مشغولًا أكثر بهويته ومكانه وبلده وثقافته، وينظر لكل ذلك ككتلة واحدة، وللشعب المتعدد كمجموعة بشرية واحدة، ويفترض أن هذه المجموعة البشرية لها سمات خاصة مشتركة.
والواقع أن مثل هذا التصور برمته نسبي ولا يمكن تعميمه، وما يمكن تكوينه من تصور عن مجموعة بشرية كالعمانيين لا شك سيتقاطع ويتشابه مع المجموعات البشرية الأخرى، خاصة المجاورة لهم في الإمارات أو السعودية واليمن.
أين يكمن الفارق إذًا؟ الواقع أن الفارق يخلقه تفاعلنا المعرفي والفكري مع الموضوع، والعمل عليه يجعل هذا التصور أو ذاك يترسخ بشكل أو بآخر، ولا شك أن كل بحث وإنتاج في حقل سؤال الهوية العمانية، أو عن المواضيع العمانية المختلفة، أو ما ندعوه بهذا الاسم أو نطلق عليه هذه التسمية، يصب في المحصلة في تكوين تصورنا الذاتي عن أنفسنا، والذي يمكن ببساطة أن لا يكون هو الصورة الحقيقية، وكأي صورة فإنها ليست سوى لحظة مجمدة من الزمن، لحظية ووقتية، وثيقة عن اللحظة التي التقطت فيها، ولا يمكن تعميمها كشيء ثابت وحتمي لا يتغير ولا يتبدل.
كل فعل إنساني هو نتاج تصور، ونحن حين نفكر ببلادنا بعد عشرة أعوام، مدفوعين مثلًا بمشروع مثل رؤية عمان ٢٠٤٠م، فهذا نوع من التصور يتجاوز المشروع إلى الذات، ويعيد صياغة الصورة التي نتخيل بها أنفسنا، أو نتخيل بها بلادنا، ويكشف أن لدينا تصورًا تأسيسيًا وصورة للمكان ولسكانه، وهذا ما يختصر عادة بالإقليم الجغرافي وحدوده والمجموعة التي تسكنه، وهذا أبسط ما يمكن وهو كاف للتحديد، لكنه لا يكفي للزعم مثلًا بسمات خاصة يمكن تمييزها بين العمانيين مقارنة بغيرهم، فكل ذلك هو ما ندعوه الثقافة، وهي تيار حي متجدد غير جامد ويسع الكثير من التنوع والاختلافات.
لعل أبرز دلائل ولادة مثل هذه الثقافة الاجتماعية، هو موضوع القيم، وإعادة رسم ملامح الهوية، والذي انطلق منذ العقد الماضي حتى أصبح يدعى اليوم باسم السمت العماني، والمراد بكل ذلك هو الثقافة العمانية، لكن ما هي هذه الثقافة العمانية أولًا؟ هل هي مجرد صورة وشكل وعادة وأسلوب وبروتوكول، دشداشة ومصر وملحقاتهما، وطريقة تصرف وكلام؟
لكن كما في مقطع مدرسة السنع الابتدائية الساخر، فإن هذا مجرد جزء شكلاني، وليس جوهريًا فيما ندعوه الثقافة؛ فالثقافة حقل صراع كما كان يصفها إدوارد سعيد؛ ذلك أن محاولات إنتاج الثقافة النقية، أو تطهير الثقافة هو أمر كارثي عادة يفتت البنى الاجتماعية أكثر مما يلحمها كما قد يتخيل.
ظل خطاب الشكل الجاهز والأنماط والقوالب المحددة هو خطاب النظم الشمولية، وتجده في الأرشيفات الشيوعية والنازية وغيرها، وهو نفسه الخطاب الذي يريد ترامب بعثه عبر حركة العظمة الأمريكية، وهذا خطاب يتغذى على كراهية الآخر وتضخم الأنا، ويرمي إخفاقاته على الآخرين. والمحصلة أحزاب متطرفة قومية تطالب بطرد المهاجرين، أو قتلهم.
لا ننسى أن النظام الرأسمالي المعاصر دفع ملايين الشباب للهجرة حول العالم، من مناطق تعاني الفقر، وأصبحت ظاهرة العمالة المهاجرة ظاهرة تشمل العالم بأسره، هذه التي يدعوها آشيل مبيمبي العبودية الجديدة، وهذه العمالة الرخيصة أصابت حركة المجتمعات المحلية في البلدان الغنية بنوع من العطالة؛ إذ احتكرت بعض المهن والحرف والتجارات، ومدت نفوذها عليها، وهذا بدوره غير منظومة الإنتاج برمتها، وكذلك خلق مشكلة قلة فرص العمل، هذا غير التحويلات النقدية.
وكل ذلك يخلق تحديات اجتماعية جديدة على المجتمعات أن تتعامل معها بشكل يومي، لكن لا يمكن أن يحدث ذلك بالعنف والإقصاء، بل بالاستيعاب والفهم.
اليوم تحول الاهتمام من سؤال الهوية والبحث عنها إلى محاولة خلق الهوية أو اختلاقها بالقوة، وأخطر ما في الأمر أن تبنى مراكز حدودية على الثقافة بحرسها وجماركها، فهذا لا يحمي الثقافة بقدر ما يدمرها، ويشكل خطرًا على الهوية الحقيقية ولبها نفسه، وما سينتج من هذه الثقافة هو كائن محطم بلا مسؤولية، لا ينهض بذاته ولا أسرته ولا وطنه؛ لأنه يؤمن أنه يحوز أفضليته بالولادة، بالجنسية، ويتوهم أن لدمه درجة أعلى من النقاء العرقي، وبالتالي على بقية العالم أن يهرع لتلبية رغباته.
الثقافة هي محصلة عوامل كثيرة، بما فيها تأثير الحاضر والمستقبل؛ فحتى التوقعات تعيد تشكيل الثقافة، ولقد لعبت عوامل كثيرة عبر تاريخ طويل لتكوين مجموعات بشرية استطاعت أن تتجانس وتتفاعل وتحقق تجانسها عبر مكابدات ومواجهات دامية، وهي اليوم تختزن كل ذلك داخلها، ومن المهم فهم ذلك بدل التلاعب به وتنميطه وتحجيمه، فالعمانية والعماني هي صورة ذهنية مرتبطة بتصوراتنا لها، وهذه المجموعة البشرية على أرض الواقع تختزن تنوعًا وخبرات ثقافية متظافرة، وهي تنتمي للأرض والإنسان، وتمد جذورها فيهما وتؤمن بانتمائها لكل هذا بكل ما فيه، ولعل هذا هو المرتكز الرئيسي الذي سيبقى لمئات الأعوام القادمة.
إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني