استدعى العودة إلى الحديث عن الذكاء الاصطناعي وتحديث قراءتنا لطفراته الجديدة حدث ساخن جاء في تغريدة نشرها -قبل عدة أيام- أحد موظفي شركة «أنثروبك» المختصة بالذكاء الاصطناعي يُدعى «جاكوب كوكسون»، أعلن فيها استقالته من الشركة تبرئة لنفسه وضميره من المسؤولية الأخلاقية والإنسانية.

كشف «جاكوب» في تغريدة تجاوزت مائة وخمسين مليون مشاهدة في أقل من يومين عن تطوير مشروع مشترك بين «أنثروبك» و«أوبن أي آي» للذكاء الاصطناعي العام. وصنّفَ المشروع بالخطير وذي ذكاء خارق يعمل فيه الذكاء الاصطناعي على التطوير الذاتي المستمر، ويشكّل خطرا وجوديا على الإنسان ويحتمل أن يقتل البشر في غضون السنوات العشر القادمة. كذلك ألمح إلى السرية والغموض اللذين تحاول هذه الشركات التقنية أن تحيطه بهذه المشروعات الخطيرة.

من عجائب المصادفات التي تزامنت مع خروج هذا الخبر الصادم الذي نشره الموظف السابق لشركة «أنثروبك»، انتشار مقابلة مرئية -نادرة- سُجلت في عام 1962 لـ«وارن ماكلوخ» الذي يُعرف بأنه الأب الروحي للشبكات العصبية -العنصر الأهم في البناء الخوارزمي للذكاء الاصطناعي العميق-.

سُئل يومها «ماكلوخ» عن مستقبل البشرية مع التقدم التقني وصعود نجمه بما فيه الذكاء الاصطناعي -وإن كانت هذه المصطلحات في وقتها غير شائعة خارج الأوساط العلمية-. كان جوابه مباشرا وصريحا بأن البشرية مقبلة على حقبة انقراض شبيهة لما حدث للديناصورات، وأن الذكاء الاصطناعي يحل محل البشر.

لنسترجع أيضا تحذيرات مماثلة أطلقها عالم الفيزياء الراحل «ستيفن هوكينج» بشكل متكرر وفي مناسبات ومواضع متعددة بدءا من عام 2014 وإلى قبل رحيله بفترة قريبة؛ أوضح أن البشرية يمكن أن تواجه نهايتها مع تطويرات غير محسوبة للطفرات الخوارزمية وأبرزها الذكاء الاصطناعي العام.

هذا أيضا ما قام به عرّاب الذكاء الاصطناعي «جيفري هينتون»؛ فأطلق تحذيرات مشابهة لتحذيرات «هوكينج» عقب استقالته من «جوجل».

يتضح أن أمثال هؤلاء العلماء والمهندسين على علم بما يدور في الكواليس الرقمية وتجاربها غير المعلن عنها، ولعلهم كانوا يُستشارون، ويتضح أن بعضهم آثر أن يعتزل هذا العبث التقني، ويخرج بتحذيراته بشكل علني.

نعود إلى سنوات قريبة منصرمة، وتحديدا بعد عام الدهشة الرقمية «2023»؛ فكنا يومها نُكثر من الحديث التحذيري عن مواجهة ضارية مع الذكاء الاصطناعي تتمثل في عدة مخاطر منها استيلاؤه على وظائف البشر بأنواعها المتعددة. وتحقق جزء كبير من هذا الخطر، وتوشك بقية أجزائه أن تصبح واقعا. يؤكد ذلك حديث قريب لـ«إيلون ماسك» باقتراب احتلال الذكاء الاصطناعي لمعظم وظائف الإنسان عن طريق أكثر من مليار «روبوت» في غضون السنوات الخمس إلى العشر المقبلة وفق آلية صناعة خوارزمية ذاتية تقوم بها «روبوتات» أخرى بآلية مماثلة مثل ما أشار إليه «جاكوب». لا أعرف -على وجه الدقة- سر المدة الزمنية «السنوات العشر» التي حددها «إيلون ماسك» وأيضا التي ذكرها «جاكوب كوكسون»؛ فهل ثمة إطار زمني متفق عليه بين بعض الشركات التقنية العملاقة في تطوير مثل هذه المشروعات الكبيرة والخطيرة وتنفيذها؟ وهل تلتقي مشروعاتهم في بوتقة واحدة وغاية موحدة؟!مر زمن منذ أن كان معظم ما كنا نحذّر منه من مخاطر الذكاء الاصطناعي يتعلق بالمنظومة التعليمية والمعرفية نتيجة العبث الخوارزمي والاستعمال السيئ من قبل الإنسان الذي أوكل مهام التفكير والإبداع إلى الخوارزمية. وكنا محقين في هذا التحذير؛ إذ بدأتُ لا أرى ذلك سوى جزء من المشروع الأكبر الذي نُحذّر منه اليوم؛ لهدف البدء بإطفاء الطاقات البشرية وإبداعها الفطري قبل الانتقال إلى المراحل الأخرى الأشد وطأة؛ فتكون ذريعة لمنح الذكاء الاصطناعي بما فيها «روبوتات ماسك» صلاحية الإمساك بزمام حياتنا وكوكبنا.

ويكفي ما نلحظه من عبث في الإبداع الفني والكتابي والشعري، لنصل إلى درجة اختلاط الغث بالسمين؛ ليصعب على كثير منا التمييز فيما يخرج إلينا باسم الإبداع، ويتعسر تصنيفه: أيكون إبداعا بشريا صميما أم خوارزميا عابثا؟

نأتي أيضا إلى صور تقنية أخرى لا تخلو من الطرافة والمخاوف في آن واحد؛ فتجاوزت مرحلة الملامح والتوقعات، وكشّرت عن أنيابها الرقمية الشرسة، وتجاوزت رؤيتنا الإيجابية التي سبق أن تحدثنا عنها فيما يخص «الروبوتات الذكية» النافعة.

من هذه الصور ما شاهده بعضنا من مقاطع مرئية لـ«روبوتات» تهاجم البشر مثل هجوم «روبوت» على أحد الزبائن في متجر روسي بأسلوب قتالي محترف.

وما حدث أيضا في إندونيسيا عندما هاجم «روبوت» أحد الموظفين. وأمام هذه السلوكيات الروبوتية لا يسعني إلا أن أتخيّل سلوك روبوتات «إيلون ماسك» القادمة وتعاملها مع البشر؟!

وفق تحليلات متغايرة عُللت مثل هذه الحوادث باحتمال أن تكون جزءا من مشاهد تمثيلية أو ترويجية أو نتيجة أخطاء تقنية برمجية.

لا نسلّم بكل ما يطرح من تأويلات، ولا ننكر أيضا احتمالية وجود الخطأ التقني، لكن من حيث المبدأ الخوارزمي السائد في معظم «الروبوتات» الآلية الحديثة، نرجّح حدوث تمرد خوارزمي خارج عن السيطرة البشرية دون وجود ما يمكن أن نطلق عليه خطأ برمجي؛ إذ المنظومة البرمجية في البنية الدماغية الاصطناعية الخوارزمية غير مرئية في كثير من مستوياتها خصوصا بعد تجاوز مرحلة التدرّب ودخولها منطقة التعلّم الذاتي.

ما شاهده بعضنا، لا يعكس إلا ما أمكن رصده وتصويره؛ فيحتمل أننا مع مشاهد مشابهة كثيرة جدا منها حوادث سيارات ذاتية القيادة تعمل بالذكاء الاصطناعي.

وإن سلمنا بطموح «ماسك» في توليد مليار «روبوت» يستحوذ على وظائف الإنسان؛ فإننا على موعد مع موجات من الحوادث والكوارث التي يتوقع لعدد من هذه «الروبوتات» أن تحدثها في عالمنا، وأخطرها في الحقل العسكري والنووي الذي -وفق ما تشير إليه بعض الأخبار والدراسات- بدأت تشهد دخول الجنود الآليين على مستويات التخطيط والتنفيذ والقتال الميداني.

بحكم تخصصي وقربي من حقل الذكاء الاصطناعي الذي يمتد إلى سنوات طويلة، حاولتُ منذ بداية 2023 أن أقرأ مشهد الذكاء الاصطناعي خارج الحقل العلمي، وأن أفهم بعضا من كواليسه بحلوها ومرها.

وكتبت وتحدثت عن الذكاء الاصطناعي، ووصفته بأنه دماغ اصطناعي يفوق -جودة وسرعة- في كثير من أنماطه التحليلية والإبداعية البشر، ويظل جزءا لا يتجزأ من المنظومة البشرية العاقلة التي منحته حق الوجود والانتشار والتطور المعرفي دون منحه مرتبة العقلانية. وكل ما نراه من مميزات خوارزمية مدهشة أو من مظاهر مخيفة؛ فإنها تعكس حصيلة المكتسبات الخارجية التي استوطنت مستعمرات الخوارزمية؛ فأكسبتها كثيرا من الأنماط البشرية بمختلف أنواعها؛ فنرى كل الصفات البشرية ومعادنها الخيّرة والشريرة منعكسة في هذه الخوارزمية وسلوكها.

لست بحاجة إلى إعادة شرح آلية التعلّم عند الخوارزمية؛ فسبق أن شرحناها، وجل ما نحتاجه أن نفهم معادلة السلوك الخوارزمي وعلاقته بالعنصر البشري.

لا أريد أن أكون سلبيا وأبث الذعر في الآخرين عبر سرد وتحليل ما يخرج إلينا من بين كواليس المظاهر الرقمية الحالية وواقعها، وعبر ما يمكن أن نقرأه بين سطور التقارير والدراسات المنتشرة التي تحذّر من مخاطر الذكاء الاصطناعي. بيد أنني لا أريد أن أرى مجتمعا رقميا يذوب بكل مكونه البشري الصميم في الوحل الرقمي دون وعي وحدود أخلاقية وجودية.

وهذا ما يدعونا إلى تجديد طرق ناقوس الخطر، ونحذّر من الانفلات غير المقنن والموزون مع الاستعمالات الرقمية ومنحها صلاحيات واسعة، وأن ننصاع لكل ما تخرج به الصيحات الرأسمالية التي اتخذت من الذكاء الاصطناعي وسيلة جديدة للتكسّب على حساب الإنسان وحياته ومنظومته الأخلاقية والمجتمعية والمعرفية ومستقبل وجوده.

أكون صريحا إن قلت إنني لست مطمئنا إلى شكل المظاهر الرقمية القادمة، وعبر ما أدركه من سلوك الخوارزمية وبنيتها الرياضية المعقدة، وما يخرج إلينا من تحذيرات متتالية؛ فأرى قادمها أشد خطرا بداية من زحفها المخيف إلى وظائف البشر ومواطن إبداعهم وأدمغتهم المفكّرة.

ولا عجب أن نشهد في غضون سنوات قادمة انقراضا للإبداع البشري الصميم؛ لنقرأ مقالات وكتب وتقارير وأبحاث لا وجود للبصمة الإنسانية فيها، وليكون ذلك مقدمات مقصودة لما هو أخطر، تتمثل في التهديد الوجودي للبشرية جمعاء رغم عدم استطاعتي التكهن بشكل هذه المأساة القادمة، وإن كانت أقرب إلى هيمنة خوارزمية على النظم العسكرية والبيولوجية.

وعليه، وقبل فوات الأوان، علينا أن نراجع علاقتنا بالتقنيات المتقدمة، وأن نخرج بقوانين وحوكمة أخلاقية تستند إلى تحديد المخاطر للأنظمة الرقمية وأدواتها -وأهمها الذكاء الاصطناعي- على غرار الخطوات الأوروبية التي لا أستطيع التيقن من جديتها.

مع ذلك نؤكد أن للذكاء الاصطناعي كثيرا من المنافع والاستعمالات الأخلاقية التي يمكننا اعتمادها دون الحاجة إلى دخول نفقه المظلم وفق مسارات المشروعات الرأسمالية الخطيرة والمبهمة.

د. معمر بن علي التوبي أكاديمي وباحث عُماني