هذا ما لمسته مع ابني خلال 6 أيام فقط من بداية العام الدراسي، فاستوقفني الأمر وجعلني أتأمل وأقارن بين جيلين: جيلٍ كنا فيه نتلقى المعلومة مرة واحدة، فتستقر في أذهاننا، ونحفظها ونستحضرها بعد سنوات، وجيلٍ رقمي اليوم تستطيع أن تعطيه المعلومة مرة، ثم تعيدها ثانية وثالثة، وربما رابعة، وبعد ذلك يقول لك: «ما أتذكر!».


فتتوقف وتسأل نفسك: هل تغيّر الجيل؟ أم تغيّر الزمن؟ في السابق، كان الكتاب مصدر المعرفة، وكان المعلم مرجعًا، وكان الطالب يجلس ليستمع ويركز ويحفظ، لم تكن أمامه عشرات المشتتات التي تنافس المعلومة في اللحظة نفسها.


أما اليوم، فأصبحت المعلومة في متناول اليد، اسم شخص؟ نبحث عنه. تاريخ؟ نبحث عنه. تعريف؟ نبحث عنه. سؤال؟ الهاتف يجيب خلال ثوانٍ. وهكذا نشأ جيل يعيش في بيئة تقول له بصورة غير مباشرة: لاتحتاج أن تحفظ كل شيء، يكفي أن تعرف أين تجد المعلومة.


وهنا يكمن أحد الفروق المهمة؛ فجِيلنا كان يعتمد بدرجة أكبر على الذاكرة، بينما يعتمد الجيل الرقمي على سرعة الوصول إلى المعلومات.
وليس من الإنصاف أن نقول إن أبناء اليوم أقل ذكاءً أو قدرة على التعلم؛ فلديهم مهارات مختلفة، ويستطيعون الوصول إلى مصادر متعددة والتعامل مع التقنية بمرونة كبيرة، لكن التحدي الحقيقي ربما أصبح في التركيز.


فالطفل قد يبدأ درسًا، ثم يصله إشعار، وينتقل إلى مقطع قصير، ثم رسالة أو لعبة، ثم يعود إلى الدرس. المعلومة لم تعد تدخل إلى ذهنه وحدها، بل وسط زحام من المشتتات.
لذلك، فالسؤال ليس: هل يعرف المعلومة؟ بل: هل ركز عليها بما يكفي حتى تبقى في ذاكرته؟ ولا ينبغي أن نلقي المسؤولية على الطفل وحده.

ربما نحتاج نحن أيضًا إلى تغيير أساليب التعليم. فبدل أن نقول له: “أنت لا تحفظ”، يمكن أن نقول: “افهمها أولًا، ثم أغلق الكتاب واشرحها لي بأسلوبك”، فالفهم والمناقشة والتطبيق والتكرار وسائل تجعل المعلومة أكثر رسوخًا.


التقنية ليست عدوًا، والهاتف ليس المشكلة وحده؛ المشكلة عندما تتحول الأدوات التي صنعناها لخدمتنا إلى أدوات تتحكم في وقتنا وانتباهنا.
نحن لا نريد إعادة أبنائنا إلى الماضي، وإنما نريد أن نأخذ أفضل ما في الماضي ونضيف إليه أفضل ما في الحاضر، نريد جيلًا يعرف التقنية ولا يكون أسيرًا لها، يستطيع البحث عن المعلومة، لكنه يعرف أيضًا ما الذي يستحق أن يحفظه ويفهمه ويطبقه.


ربما لو أغلقنا الهاتف قليلًا، وأعطينا أبناءنا وقتًا للكتاب والحوار والقراءة والقرآن، لاكتشفنا أنهم يستطيعون التركيز أكثر مما نظن.
في النهاية، ليس جيلنا أفضل من الجيل الجديد، ولا الجيل الجديد أفضل منا، كل جيل له أدواته وتحدياته.


لكن علينا أن ندرك أن الوصول إلى المعلومة لا يعني امتلاك المعرفة، والبحث عن الإجابة لا يغني عن الفهم.


ويبقى السؤال للآباء والأمهات والمعلمين:هل أصبح أبناؤنا أقل قدرة على الحفظ، أم أننا نعيش في زمن أصبح فيه الوصول إلى المعلومة أسهل من الاحتفاظ بها؟