هناك ثلاث عوامل تعمل على تأسيس الطفل منذ نعومة أظافره وتساعده في زيادة تحصيله الدراسي، أولها دور "الأسرة" الفاعل في مرحلة التكوين الذاتي للطفل، فهناك أدوار بطولية كثيرة تقوم بها الأسرة لا تنحصر في جانب معين وتغفل عن جانب آخر، فالأسرة عليها واجبات تجاه أطفالها عبر مراحل سنية متتالية، وليس مطلوبا من الأسرة أن تطلع فقط على سجل درجات أبنائها مع نهاية كل فصل دراسي لتعرف مدى قدرتهم على اجتياز الامتحانات والدرجات التي تحصلوا عليها ليكون شاهد إثبات على ناجحها في رعايتهم ودعمهم في مجال التعليم، ولكن هناك أدوار أخرى تتعلق بالتربية وغيرها.
إن من الواجب علينا أن نشير ونحن نعيش أجواء عام دراسي جديد للدور المهم الذي تقوم به الأسرة بداية من توفير مناخ أسري حاضن للطفل، وحياة هادئة مستقرة، مرورا بتعزيز روح الانضباط المدرسي المتمثل في عملية الحضور والغياب، والاستماع بعناية وتفاعل إلى وجهات نظر الأبناء ومعرفة أحوالهم داخل المدرسة وخارجها، إضافة إلى المتابعة الحثيثة لما تعلمه الابن خلال يومه الدراسي والوقوف على الصعوبات التي يواجهها، بحيث يمكن تذليلها وإيجاد الحلول المناسبة لها، وهذه بعض من الواجبات الحقوقية والالتزامات الأسرية التي تهتم بها الأسرة حتى يستطيع الأبناء من تحقيق مستويات عليا من الفائدة التربوية والتعليمية معا.
يستحضرني قول طالما أعجبني تريده لغاية في نفسي لا أكثر: "لو كنا نطلب العلم لنبلغ غايته، كنا قد بدأنا العلم بالنقيصة، ولكنا نطلبه لننقص في كل يوم من الجهل، ونزداد في كل يوم من العلم".
العنصر الثاني الذي يجب التركيز عليه في سياق هذا الحديث هو "الطالب" الذي تلقى على عاتقه مسؤولية عظيمة تجعله يستطيع أن يكون متفوقا في دراسته، مستفيدا مما تعلمه في مدرسته في حياته.
نظرتنا في هذا الأمر تأتي من زاوية المختصين في المجال التربوي والذين يرون بأن "الطالب" مهما كانت حداثة سنه فهو يتعلم من أخطائه فيصلحها بنفسه أو بمساعدة الغير، فكما يقال "ليس المطلوب أن يمضي الطالب عامه الدراسي كاملا بدون أخطاء تذكر"، إنما عليه أن يبدأ مشواره الدراسي وهو يعلم تماما بأن مهمته ليست سهلة، لكن قيمه الدينية وعزيمته الصادقة في تحقيق النجاح تعينه على مواجهة الظروف والتغلب عليها.
لذا من الواجب على الطالب أن يكون بين يديه خطة واضحة مدروسة منها كيفية تنظيم وقته وحرصه على الحضور المدرسي دون كسل أو تكاسل، أضف إلى قيامه اليومي باستذكار الدروس وأداء الواجبات المدرسية، وأن يجعل القراءة عادة يومية يحرص عليها، فكما يقال دائما "النجاح الباهر لا يأتي فجأة، بل تصنعه خطوات صغيرة تتكرر كل يوم".
أما إذا نظرنا إلى الشطر الثالث من النجاح لوجدنا أن "المدرسة" التي تعد بيئة البناء الفكري والتربوي لدى الطلاب، فالطالب منذ نعومة أظافره يلتحق بقطار التعليم، ويكتسب المهارات والسلوكيات مثل احترام الوقت والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية، وخدمة نفسه وعائلته حتى وإن كانت في صورة مشاركات بسيطة.
إذًا المدرسة في واقعها تقدم له وجبة دراسية متكاملة، وتجعله ينغمس في ثناياها، ويشارك في الأنشطة الطلابية سواء كانت عبارة عن نشاط رياضي أو ثقافي أو اجتماعي، ثم تكمل ذلك بالجانب العلمي والمنهج الدراسي، وفي النهاية يكون المستخلص صناعة شخصية متوازنة ومبدعة تقوم بواجبها وتتحمل مسؤولياتها وتشق طريقها نحو غد مشرق سعيد.
لم يكن التعليم يوما بمعزل عن توليفة البناء الفكري والأسري، فالمدرسة وحدها لا تستطيع أن تؤدي كافة الأدوار الأخرى، ولكن بتظافر الجهود يمكن أن يصنع الكثير من الشخصيات الناجحة في المجتمع.
يقول أحد الشعراء:
رَضِينا قِسْمَةَ الجَبَّارِ فِيْنَا
لَنَا عِلْمٌ وللجُهَّالِ مَالُ
فَعِزُّ المالِ يَفْنَى عنْ قَرِيبٍ
وَعِزُّ العِلْمِ بَاقٍ لَا يزالُ
وطالما تكلمنا عن الطالب، فإننا لن نكون مجحفين في حق صانع الأجيال وهو "المعلم" ومنزلته عند أبنائه الطلبة، فهو يمثل قيمة عظيمة جدا، لذلك أجمع العلماء على منزلة المعلم بطرح مجموعة من الوصايا المهمة نقتبسها للفائدة فقالوا: "مِنْ حقِّ أستاذكَ عليكَ أن تتواضعَ له وتحِبه حبّ الفناءِ، ولا تخرجَ عن رأيهِ وتوجيهِه، وأن تشاورَه فيما تقصده، وتتحرى رِضَاه فيما يعتمده، وتنظر إليه بعين الإجلال، وتعتقد فيه درجة الكمال، وأن تعرف حقَّه ولا تَنْسى له فَضْله، وتحضر إلى درسه قبل أن يأتي، ولا تنتقل أثناء درسه، ولا تتقدم في السير عليه، وأن تدعوَ له مدةَ حياتِهِ، وترعَى ذريتَه وأقاربَه وتزورَه بَعْدَ وفاته وأن تصبرَ على صُحْبَته، وتجلسَ بين يديه بسكونٍ وتواضعٍ واحترامٍ.
إذًا من خلال مسيرة التعليم يستطيع الإنسان منا أن يصل إلى مراتب متقدمة في مجاله الوظيفي، لأن العلم يعلو بنا ويجعلنا نحقق طموحاتنا ونطبق أفكارنا بما يتناسب مع تطورات التعليم وتقنياته المتعددة.