يوجد لدينا مرض وراثي من قبل الزوج والزوجة، قمنا بتجميد أربعة أجنة من الذكور واثنين من الإناث، هل يجوز اختيار الأجنة، سواء كان ذكرًا أو أنثى، في مثل هذه الحالة؟

اللجوء إلى الإخصاب بين زوجين حيين حال قيام الزوجية بينهما، برضاهما، لوجود أسباب معتبرة شرعًا، وسيلة من وسائل العلاج والتداوي.

هذا تأصيل المسألة ابتداءً، إذا طُرح سؤال: لماذا يعمد الزوجان إلى اللجوء إلى ما يُعرف بالتلقيح الصناعي؟ فإن من جملة الأسباب التي تبيح اللجوء إلى أن يكون الإخصاب بهذه الطريقة وجود أمراض وراثية تنتقل إلى الأجنة، وقد تكون هذه الأمراض أمراضًا مميتة، أو تورث عللًا وعاهات وتشوهات، فيعمد الزوجان إلى الإخصاب خارج الرحم، وإذا لُقحت البويضة، فإنه يمكن أن يُحتفظ بهذه البويضات الملقحة أو المخصبة بطريقة آمنة تمنع اختلاط الأنساب، وتُحفظ هذه اللقاحات، كما تُسمى المخصبة، إلى حين احتياج الزوجين، برضاهما، ومع الاحتياطات التي تمنع الاختلاط أو التداخل أو الانفراد بالرأي، يعمدان إلى غرس هذه البويضة الملقحة في رحم الأم.

المعيار الأول الذي يُعوّل عليه هو الخلو من الأمراض الوراثية؛ لأن هذا كان السبب الذي من أجله أُبيح للزوجين أن يلجآ إلى استعمال هذه الطريقة، فتُفحص هذه اللقاحات من حيث خلوها من الأمراض الوراثية التي كانت تنتقل أو التي كانت تصيب الأجنة لهذين الزوجين، فيكون الاختيار ابتداءً لما كان في ظاهر الأمر سليمًا من تلك الأمراض وبعيدًا عن الإصابة بالتشوهات والعلل، في ظاهر الفحوصات الطبية، وإلا فكل شيء بيد الله تبارك وتعالى.

وأما اختيار جنس الجنين، فإن هذه القضية فيها مداخل كثيرة، فالإباحة مقيدة بأن يوجد سبب معتبر شرعًا، كأن تكون بعض الأمراض تصيب الإناث أكثر، أو العكس، بعض الأمراض تصيب الذكور، فمن باب مزيد من الاحتياط والوقاية من الإصابة بتلك الأمراض الوراثية، فإنهم يلجؤون إلى اختيار جنس الجنين بناءً على هذا الأساس، أو أن يكون الله تبارك وتعالى قد رزقهم جملة من الذكور، يطمح الوالدان في أن تكون لهما ابنة أنثى.

فهذا لا مانع منه إذا تحقق الشرط الأول، وهو الخلو من الأمراض، وكان لا بد من الاختيار، بمعنى أنه سيقوم الفريق الطبي، أي الموصوف بالأمانة والثقة، بالغرس في رحم الأم، فلا بد لهم من الاختيار، فالأولى أن يكون هذا الحق للوالدين، على ألا يكون هذا تسخطًا لقضاء الله تبارك وتعالى أو إيثارًا لجنس من المواليد على جنس آخر، وإنما يكون لابتغاء نعمة من النعم التي امتن الله تعالى بها على عباده، حين بيّن أنه جل وعلا يهبهم الذكور والإناث، فإن لم يكونوا متسخطين ولا مؤثرين مفضلين، وإنما يرغبون أن يكون اختيارهم لمولودهم بناءً على هذه الأسس، ففي الأمر سعة بإذن الله تعالى، والله تعالى أعلم.

إذا كان الزوجان فيهما مرض وراثي فعلًا، فإنهما يتوقفان عن الولادة التي تكون طبيعية، عادة يكون الإخصاب فيها في الرحم، وينتقلان إلى هذه الطريقة، هذا التوقف على سبيل الوجوب أم الجواز؟

لا، لا يقال بأنه على سبيل الوجوب؛ لأن إصابة المواليد بالأمراض الوراثية أمر احتمالي، تتفاوت هذه النسب بحسب شيوع أمراض وراثية معينة في بيئة ما، ولكن الاحتمال قد يكون راجحًا غالبًا، فحينئذ يُستحب لهم، وإلا فكل شيء بيد الله تبارك وتعالى، وقد تُكتشف أدوية وعلاجات لهذه الأمراض مما لا يُعرف له دواء اليوم، وقد يمكن أن يكون العلاج حتى والجنين في رحم أمه، إذا كان علاجًا جينيًا، العلم يتطور والطب في تطور ونمو، فلا يبلغ الأمر حد الوجوب، بل الكلام في الجواز، وهذا الذي حكيته إنما هو قول جماهير الفقهاء المعاصرين، مع وجود طائفة من أهل العلم لا تزال متحفظة على اللجوء إلى هذه الطريقة.

إذًا، علميًا الآن أصبح من الممكن التحقق من خلو هذه البيضة أو البويضة من الأمراض، من جملة من أمراض الدم الوراثية، أو الأمراض المرتبطة أيضًا بالجينات التي قد تنتشر في بيئة فتكون معروفة مشهورة، أما أن يكون ذلك على سبيل الحصر، فإن شفرة الخريطة الوراثية لم تُفك كلها بعد، وقد لا يكون من الممكن أن يتم فحص كل الأمراض الوراثية، وإنما هي المعروفة المشهورة في المجتمع أو في تاريخ الأسرة، في تاريخ الأبوين، هذا هو المتاح علميًا.

هناك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: «أغلقوا الأبواب، وأوكوا السقاء، وخمروا الإناء، وأطفئوا المصباح، فإن الشيطان لا يفتح غلقًا، ولا يحل وكاءً، ولا يكشف إناءً، وإن الفويسقة تضرم على الناس بيتهم»، يسأل عن صحة هذا الحديث؟

نعم، الحديث صحيح، الحديث عند الشيخين البخاري ومسلم، وعند غيرهما، وإذا ثبت أن الحديث صحيح، فينبغي التنبيه على ما يشتمل عليه من الآداب التي يدعو إليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عليه الصلاة والسلام، في هذا الدين الذي جاء رحمة للعالمين. هذه المراشد والهدايات النبوية فيها خير كثير للناس، فيها وقاية للبيوت من الشرور الظاهرة والباطنة، أما الباطنة فهي التي أشار إليها الحديث بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «فإن الشيطان لا يحل غلقًا ولا يفتح بابًا»، فهناك شرور تأتي مما لا يراه المسلم المكلف، هذه الإرشادات بإغلاق الأبواب، وبوكاء الأسقية، وتخمير الأوعية والآنية، كلها داعية إلى منع مثل هذه الأضرار والشرور.

ثم هناك الجانب المادي الظاهر، أما المتعلق بمسببات الأمراض والعلل أو المتعلق بما يمكن أن يُحدث ضررًا، وهو الذي أشار إليه الحديث بالفويسقة، تضرم النار في البيت، الفويسقة أي الفأرة، وإطفاء المصابيح؛ لأن المصابيح كانت بالزيت والنار، فيمكن أن تُحدث، أن تشعل حرائق في البيوت والناس نيام، فرحمة هذا الدين تبلغ إلى هذا الحد، إلى تنبيه الناس على ما فيه صيانة وحفظ لهم من مثل هذه الأضرار والأذى الذي قد لا ينتبهون إليه، لا سيما في أوقات راحتهم، في وقت منامهم، وفي بيوتهم.

فجاءت هذه الإرشادات النبوية لحماية بيوت المسلمين من هذه الأضرار، من الأضرار الخفية التي لا يرونها من الشياطين ومرأى الجن والأبالسة وما يحدثونه في بيوت المسلمين، وهذا نفعله امتثالًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المسدد بالوحي من عند ربه تبارك وتعالى، فنفعله طاعة لله عز وجل، وإن لم تظهر لنا كيفيته.

والأمر الثاني هو ما يتعلق بما يمكن أن نراه من ضرر، كالحرائق، ولا يقال بأن الأجهزة اليوم تعمل بالطاقة والكهرباء، وإنما ليس المقصود هو الوقوف عند ظاهر نص هذا الحديث، وإنما النظر إلى مقاصده وغاياته باتخاذ كافة الوسائل التي تمنع الضرر من الحرائق وما سواها، بإطفاء ما لا يحتاج إليه من الكهرباء، من المصابيح والسروج وغير ذلك من الأدوات الكهربائية، والتنبه لذلك.

والمعنى الثالث هو المتعلق بمسببات الأمراض، من الجراثيم التي تنقل العدوى، فلا يُترك الإناء مفتوحًا، وإذا كان هناك سقاء، فإن عليهم أن يغلقوا ذلك السقاء، وأن يغطوا الأوعية، ولو قالوا: ولو بشيء بسيط، ولو بعود، إن لم يوجد ما يمنع، ما يمكن أن يخمر الإناء بالكامل، فهذه هي بعض التنبيهات على ما ورد في هذا الحديث النبوي الشريف، ولا ينبغي التهاون في هذه الهدايات والمراشد النبوية، ينبغي للناس أن يأخذوا بها، وأن يحملوها على محمل الجد، وأن يعوّدوا عليها الأطفال في البيوت، والله تعالى أعلم.

فتاة عمرها 15 سنة تعيش مع والدها الذي يشرب الخمر، وأحيانًا تبقى وحدها معه في البيت عندما تذهب الأم للعمل، وفي بعض الأحيان يقوم بتهديدها فتخاف منه، كما أنه لا يلتزم بالستر ويلبس ملابس قصيرة أمامها، كيف تتعامل الفتاة مع هذا الوضع، وما التوجيه الشرعي؟

نعم، هذا الوضع خطير، وينبغي للأم أن تتخذ موقفًا حاسمًا، فلا تترك البنت وهي في هذه السن مع والدها السكير الذي يعاقر الخمر، فتذهب بعقله، فلا يُدرى ما الذي يفعل، وقد رأينا حالات يُستحيا من ذكرها، ويندم فيها هؤلاء الذين يتعاطون المسكرات بعد أن يفيقوا من سكرهم على ما وقعوا فيه مع بناتهم، فالمسألة خطيرة، ولا يصح التهاون في مثل هذه الأمور، فإن كان الرجل ممن يتعاطى الخمر، فإن على الأم أن تأخذ ابنتها معها، أو أن تتركها في بيت أهلها وذويها وأوليائها.

ولا ينبغي لها بحال أن تتركها منفردة مع أبيها، وهي تعلم أنه يسكر ويشرب الخمر، وهذه الأمور المذكورة في السؤال من اللبس غير المحتشم أمام ابنته، ومن تهديدها، لا يُدرى إلى أين تصل، فإن كان الله تبارك وتعالى قد سلّم من وخيم العواقب إلى الآن، فلا ينبغي التهاون بعد الآن.

وهذا لا يعني أيضًا أن يُهمل أمر الأب، فيجب أن يُنصح، وأن يُنهى عن المنكر، وأن تُبيّن له العواقب، وأن يُجتهد معه في قطع الأسباب التي تدعوه إلى معاقرة الخمر، وإذا كانت له رفقة سوء، فيجب أن ينقطع عن رفقة السوء، إذا كان قلبه فارغًا من ذكر الله عز وجل وتعظيمه، فيجب أن تُتخذ الوسائل لعمارة قلبه بعد التوبة والإنابة إلى الله عز وجل، بتعظيم الله تبارك وتعالى، وبالإكثار من ذكره، وبملازمة الصلوات في جماعة، وبحضور حلقات العلم.

فأيضًا لا يُهمل الأب، يجب أن يُوجّه التوجيه الصحيح الراشد الذي يخرجه من أسر الشيطان الذي هو فيه، لكن فيما يتعلق بالبنت، لا يصح أن تُترك منفردة مع أبيها إذا كان ممن يُعرف أنه يعاقر الخمر، والعياذ بالله، نسأل الله تبارك وتعالى الهداية للجميع.

هل تأثم المرأة التي ترى زوجها يفعل المنكر، رغم محاولتها في نصحه، ولكن دون فائدة، ثم توقفت لأنها رأت أن ذلك يسبب ضيقه أو يضايقه منها بعد أن استمرت في نصحه لمدة سنتين؟

أما إذا كان هذا هو السبب في تركها لنصحه ونهيه عما هو فيه من غي وضلال، فإن هذا السبب غير معتبر شرعًا، وهو الخشية من أن يكون في ضيق، بإتيانه للمنكرات، هو في ضيق لأنه منحرف عن سواء السبيل، مسخط لربه جل وعلا، ومن أجل ذلك، فإن على المرأة ألا تترك نصحه، لها أن تنوع في الأساليب، وأن تغير في المداخل التي يمكن أن ينفذ بها نصحها إلى قلبه، وأن تجتهد قدر استطاعتها، وأن تستعين بمن يمكن أن تستعين به لأجل هدايته وعوده إلى الصراط المستقيم.

أما أن تيأس وترضى بالحال، وأن تتركه على حالته تلك، فليس هذا من شيم المسلم مع عموم الناس، فكيف بالمرأة مع زوجها أو الرجل مع زوجه، أو الأخ مع أخيه، كيف بأصحاب البيت الواحد؟ يجب أن يأتمروا بالمعروف، وأن يتناهوا عن المنكر قدر استطاعتهم، وأن ينوعوا في الأساليب، وألا يدخروا وسعًا في سبيل إرشاد بعضهم بعضًا.

ونظرًا لأنها لم تبين نوع المعصية التي يقارفها الرجل، فليس من الحكمة أن نخوض في تفاصيل لا نعرفها، هل يترتب على هذه المعصية، كما كان في السؤال السابق، معاقرة خمور أو مسكرات أو مخدرات أو غير ذلك، يمكن أن يترتب ضرر على المرأة، ويمكن أن يقارف أفعالًا شنيعة في البيت، أو هي أعمال أخرى، فلا يمكن لنا أن نخوض في تفاصيل لا نعرفها، وإنما نقتصر على هذا التوجيه العام أو الحكم العام، والله تعالى أعلم.