«كتابًا جليلًا وصُنعًا جميلًا»، هكذا وصف المؤرخ سالم بن حمود السيابي (ت: 1993م) كتاب (إرشاد السائل إلى معرفة الأوائل) للمؤرخ سيف بن حمود البطاشي (ت: 1999م).

أما المؤرخ سليمان بن خلف الخروصي (ت: 2018م) فيصف الكتاب بأنه «خير سمير، وأحسن جليس وأنيس»، وأشار إلى الجهد الكبير الذي بذله البطاشي في جمعه وترتيبه، وتصنيفه وتهذيبه، منبهًا إلى اشتماله على «الأحاديث النبوية والفوائد الأدبية والشوارد الباهرة والأمثال السائرة والحكم الجامعة والمواعظ النافعة». الجدير بالذكر أن الصفحات الأولى من الكتاب، غلافًا وتقديمًا، جمعت ثلاثة من مؤرخي عُمان في القرن العشرين؛ السيابي والبطاشي والخروصي.


وقبل الإبحار في أوائل الشيخ البطاشي، نقدم شذرات من سيرته بحسب ما وثقته الموسوعة العُمانية في مجلدها الخامس؛ فهو سيف بن حمود بن حامد بن حبيب البطاشي (1347-1420هـ/ 1929-1999م)، فقيه وقاضٍ ومؤرخ، وُلد في 23 رمضان عام 1347هـ/ 3 مارس 1929م بقرية (إحدى) بوادي الطائيين ونشأ فيها.

تعلم القرآن وعلوم اللغة على يد: عديّ بن أنيس بن شامس البطاشي، ومحمد بن أنيس بن شامس البطاشي، ثم رحل إلى نزوى والتحق بمدرسة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي.

جالس علماء عصره وباحثهم، ومنهم: الشيخ خلفان بن جميل السيابي، والشيخ عبدالله بن عامر العزري، والشيخ إبراهيم بن سعيد العبري، والشيخ سالم بن حمود السيابي، وكانت له مباحثات أدبية مع أحمد بن عبدالله الحارثي وناصر بن سالم بن ناصر المعولي. رحل سنة 1951م إلى زنجبار ومكث بها ثلاث سنوات، تزود خلالها بالمخطوطات ونوادر المطبوعات.

وعمل الشيخ البطاشي في القضاء منذ عام 1960م، فعُيّن قاضيًا في جعلان بني بو حسن، وضنك، وإبراء، وقريّات، والسيب، وبوشر، ودماء والطائيين، ثم عُيّن في عام 1981م عضوًا في لجنة تصحيح المخطوطات العُمانية ومراجعة المطبوع منها بوزارة التراث القومي والثقافة لمدة ست سنوات، ثم عمل سنة 1990م في ديوان البلاط السلطاني في مكتب السيد محمد بن أحمد البوسعيدي، المستشار الخاص لجلالة السلطان للشؤون الدينية والتاريخية، مصححًا وباحثًا.


يعد الشيخ سيف بن حمود البطاشي من العلماء غزيري الإنتاج العلمي، حيث ألَّف العديد من المؤلفات المهمة، من بينها: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عُمان، وهو مؤلف يتكون من ثلاثة أجزاء، بذل البطاشي فيه جهدًا كبيرًا لتتبع سير العديد من العلماء العُمانيين في مختلف المجالات، ابتداءً من الصحابة والتابعين، وانتهاءً بعلماء النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، وهذا الكتاب بأجزائه يعد موسوعة في تراجم أعلام عُمان.

ومن إنتاجه العلمي أيضًا، كتاب تاريخ المهلّب القائد وآل المهلّب، وكتاب دما ومآثرها التاريخية. وفي المجال الأدبي له كتاب إيقاظ الوسنان في شعر وترجمة الشيخ خلف بن سنان. وله كتاب لا يزال مخطوطًا بعنوان: «فتح الرحمن ومورد الظمآن في جوابات الشيخ سلطان»، جمع فيه جوابات سلطان بن محمد بن صلت البطاشي (ق: 13هـ/ 19م) ورسائله العلمية ومراسلاته.

ومن مؤلفات البطاشي القيمة كتاب «الطالع السعيد نبذ من تاريخ الإمام أحمد بن سعيد» الذي أرَّخ من خلاله سيرة الإمام المؤسس للدولة البوسعيدية.

وفي تقديم السيد محمد بن أحمد بن سعود البوسعيدي للكتاب، يقول: «قام الأخ الشيخ القاضي سيف بن حمود بن حامد البطاشي، ببحث متواصل، وجهد مستمر، مع ما يعاني من مرض حتى توصل إلى إخراج كتاب "الطالع السعيد نبذ من تاريخ الإمام أحمد بن سعيد" وذلك مع قلة المراجع، لأن كتب التاريخ التي دونها أجدادنا أصيبت بعدة عوامل، ففقدنا أكثرها، والباقي لا يمكننا من عمل ما نحن نريده، من توسع في كتابة تاريخ رجل عظيم كالإمام أحمد بن سعيد، لكن: "ما لا يُدرك كله لا يُترك كله"، فعسى من يأتي بعدنا يُتمم ما قُمنا به، ونأمل أن يكون الشيخ سيف بن حمود قدوة، يقتدي به شبابنا في مواصلة البحث والتعلم منه، في المثابرة والجهد الكبير، الذي يبذله في التنقيب عن التاريخ، والله ولي التوفيق».


وللبطاشي أيضًا مراسلات علمية، ومباحثات مع علماء عصره، وتصحيحات وتعليقات على بعض كتب التراث العُماني. تعد كتابات البطاشي في مقدمة مصادر تاريخ عُمان المعتمدة، ويعدها الباحثون أنموذجًا جيدًا لاستخلاص المعلومات التاريخية من المخطوطات والوثائق، ومثالًا معتبرًا في منهجية إعادة كتابة التاريخ العُماني.

كانت وفاة الشيخ سيف بن حمود البطاشي في قرية إحدى، مسقط رأسه وأرض ميلاده، بتاريخ 28 جمادى الأولى 1420هـ/ 9 سبتمبر 1999م، وقد ترك فيها مكتبة غنية بالمخطوطات.


وبالعودة إلى كتاب (إرشاد السائل إلى معرفة الأوائل)، فهو دليل دامغ وشاهد أصيل على سعة اطلاع المؤرخ البطاشي وموسوعيته، فقد وضع فيه من كل الفنون والعلوم.

يقول في الصفحة الأولى من كتابه موضحًا المنهجية التي اتبعها في التأليف: «أما بعد، فقد خطر بالبال أن أجمع ما اطلعت عليه من الأحاديث والأخبار وأمثال العرب وغيرها مما جاء على لفظة أول، مبتدئًا بما ورد منذ أول الخليقة وهلم جرًّا إلى وقتنا هذا، فجمعت من ذلك ما تيسر لي جمعه بعون الله وتوفيقه، وراعيت فيه الترتيب بما أمكن، أما بحسب الزمان، أي ذكر الأول فالأول ولو بالتحري، حيث لا تاريخ يضبطه. وأما بحسب المناسبة كذكر الشيء مع ما يقاربه ويناسبه.

وربما قدمت ذكر ما كان متأخرًا في الزمن على سابقه وبالعكس، وذلك لأمرين: إما لكون تلك الأوائل متقاربة المعنى، فأذكرها متتالية ولو كان بينهما فرق بعيد في الزمن كما جاء في أوليات الكعبة مثلًا. والأمر الثاني عدم اطلاعي حين الكتابة، ثم اطلعت عليها بعد ذلك، فوضعتها في غير موضوعها المناسب، فلا مؤاخذة».


يصنف هذا الكتاب من كتب الثقافة العربية الجامعة، تقرأ بين صفحاته من كل فن وعلم، وبين السطور يذكر البطاشي عناوين أمهات الكتب العربية المتقدمة والمتأخرة؛ البداية والنهاية، ولسان العرب، وتاج العروس، والأنساب، وكشف الغمة، ومعجم البلدان، والإصابة في معرفة الصحابة، والسيرة الحلبية، والتصحيف والتحريف، والبدء والتاريخ، وأنساب الخيل، والأقوال الكافية والفصول الشافية، ومروج الذهب، وحياة الحيوان، والكامل في التاريخ، وتاريخ الخلفاء، وضحى الإسلام، وتحفة الأعيان، والعقود الفضية، وفتوح البلدان، والعلوم عند العرب، ونهاية الأرب في فنون الأدب، وغيرها الكثير مما لا يتسع المقال لذكره.

فهذا الكتاب زاخر وافر بالمعلومات والفوائد. ويحسن بنا في هذا المقام ذكر شذرات من الأوائل التي ضمنها البطاشي في كتابه الجليل الجميل هذا:
- أول مكتبة في العالم في بابل، تحديدًا في مدينة الوركاء في جنوب العراق، كما يقول البطاشي: «فمكتبة وركاء هذه أول مكتبة بل دار كتب في العالم».


- أصل الكتابة بالحروف بعد الكتابة الهيروغليفية كان في اليمن، وهو ما توصل إليه المستشرق الألماني موريتز، ذاهبًا إلى أن اليمانيين هم الذين اخترعوا الكتابة وليس الفينيقيون، وهم أخذوا الكتابة العربية اليمنية، وأخذ اليونان الكتابة عن الفينيقيين، وعنهم أخذ الرومانيون، فيكون العرب هم الذين أوجدوا الكتابة في العالم.


- أول من استخرج النحاس السومريون، واستخرجوه من عُمان قبل أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، وتحديدًا من صحار.


- أول ما انتشر في العرب من الخيل المسمى «زاد الراكب» انتشر في أزد عُمان، ومنه أنجبت العرب خيولها.


- أول من أطلق اسم الطابور الخامس هو الجنرال الإسباني فرانكو، الذي تمكن من الاستيلاء على الحكم في إسبانيا، وكانت قواته مؤلفة من أربعة طوابير، وعندما سئل عن سبب نجاحه بهذه الطوابير الأربعة، قال: كان هناك طابور خامس، ويعني به أعوانه ومؤيديه من المدنيين في العاصمة مدريد. أصبح استعمال كلمة الطابور شائعًا، وأصبحت الكلمة تدل على الجاسوسية وعمليات التخريب التي تتم داخل البلد بواسطة الأعداء، واتسع معناها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية ليشمل مروجي الإشاعات ومنظمي الحروب النفسية! «بمصطلح اليوم: الحروب الإعلامية».


- أول حاكم بعُمان من آل بوسعيد هو الإمام أحمد بن سعيد، «أصله من أدم، وهو جد العائلة المالكة ومؤسس دولة آل بوسعيد على أثر انهيار دولة اليعاربة، وهو أشهر من أن يعرف به، فجلائل أعماله مشهورة معروفة، وبحق يقال: لولاه لصارت عُمان في ذلك الوقت تحت حكم العجم».


وهنالك الكثير من المعلومات الفريدة واللطائف البديعة في كتاب إرشاد السائل إلى معرفة الأوائل، يمكن للقارئ التوقف عندها في رحلة إبحار لا تمل بين صفحات الكتاب.

وإذا كان هنالك من أمنية في ختام هذا المقال، فهي إعادة طباعة كتاب (إرشاد السائل إلى معرفة الأوائل)، بضبط التقديم والمقدمة، مع تصحيح الأخطاء الطباعية، وضبط المعلومات المتكررة، وإضافة فهرس للمحتويات والأعلام حتى يسهل للباحث والمهتم الاطلاع والاستفادة، فقد مرت 38 سنة على طبعته الأولى في 458 صفحة، سنة 1988م من قبل وزارة التراث القومي والثقافة. ولا شك أن إعادة طباعته بحلة قشيبة هي فرصة ثمينة لتقديم مؤلفه للقارئ، وتذكيره بعالمٍ عُماني موسوعي.