بين الله عز وجل للمسلم أن حياته الدنيا هي دار ابتلاء، سواء كان ذلك الابتلاء بالخير أو بالشر، فقال تعالى: "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً"، وقد تصيب الإنسان الغفلة في ابتلاء الخير، في حين أنه يصاب بالحزن والجزع في ابتلاء الشر وعند وقوع المصيبة، وقد علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نقولها عند نزول المصيبة: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها»، وهو دعاء يجمع للمسلم معاني عظيمة في التعامل مع ما ينزل به من فقد وألم، فهو يسترجع عند المصيبة، فيرد الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، ثم يسأل الأجر على ما أصابه، ويسأله خلفا خيرا مما فقد،


وتأخذ المصائب أشكالا متعددة وبين القرآن الكريم بعضها حينما قال: "وَلَنَبْلُوَنكُم بِشَيْء منَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْص منَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثمَرَاتِ ۗ وَبَشرِ الصابِرِينَ (155) الذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مصِيبَةٌ قَالُوا إِنا لِلهِ وَإِنا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ من ربهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ"، وإذا أطلنا التأمل في هذه الآية نجد أنها تقول يا محمد بشر الصابرين، الذين استرجعوا وقت وقوع المصيبة، ولجؤوا إلى الله عز وجل، ولم تذهب المصيبة بعقولهم وأحلامهم بل رجعوا إلى سبب وجودهم في هذه الأرض واستذكروا أنهم ملك لله وحده، وهو المتصرف في ملكه كيف شاء لا يحق لأحد أن يعترض عليه وعلى حكمه، فلم يسخطوا ولم يتفوهوا بكلام لا يرضي الله عز وجل، وإنما استرجعوا، على الرغم من حزنهم الذي هو طبيعة فطرية فيهم، ولكن الله بشرهم بما أكرمهم به من الصلوات والرحمة والهداية.


وربما يرى الإنسان في بعض ما يصيبه شرا محضا، لأنه ينظر إلى الأمر من اللحظة التي وقع فيها، ولا يملك معرفة ما وراءها، بينما نجد الدعاء النبوي يبين للمسلم أن المصيبة التي نزلت به لا تقف عند حدود الألم الذي يشعر به، وإنما يفتح الله له من خلالها باب الأجر، ثم يسأله أن يخلف عليه خيرا مما فقد.


وقد أمرنا الله عز وجل في كتابه العزيز، ونبيه الكريم في سنته المطهرة بالاسترجاع عند المصيبة، وهذا الاسترجاع يذكرنا بحقيقة ملكنا للأشياء، فقولنا: «إنا لله» يقرر أن الإنسان وما يملك وما يحب وما يتعلق به كل ذلك لله سبحانه وتعالى، وقولنا: «وإنا إليه راجعون» يضع المصيبة في إطار أوسع من لحظتها، فالحياة نفسها ماضية إلى الله، وما فيها من لقاء وفراق وصحة ومرض وعطاء ومنع يجري في قدره سبحانه وتعالى.


ونجد في قسم الدعاء الأخير هو السؤال لله والطلب منه : "اللهم أجرني في مصيبتي"، فالمسلم يسأل الله رفع المصيبة، ويسأله أن يجعل له أجرا عليها، وهذه منزلة مهمة في فهم الابتلاء، فالمسلم لا يستطيع أن يمنع كل ما ينزل به في هذه الحياة، لكنه يستطيع أن يتعامل معه بالصبر والاحتساب، فيتحول ما يؤلمه إلى باب من أبواب الأجر.


وفي الحديث الذي رواه مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها»،
ولفظة "أخلف" تفتح لنا معنى آخر في التعامل مع الفقد، فالإنسان حين يخسر شيئا عزيزا ينشغل بما ذهب، وربما استولى عليه الحزن حتى يرى أن ما فقده لا يمكن أن يعوض، لكن الحديث يعلم المؤمن أن يسأل الله خلفا خيرا، والخلف لا يلزم أن يكون صورة أخرى مطابقة لما فقده الإنسان، فليس بالضرورة أن يكون التعويض من جنس المفقود فالدعاء يترك للمستقبل مساحة من الرجاء، ولا يحصر حياة الإنسان في الشيء الذي فقده، وفي هذا معنى تربوي قرآني عميق، ذكره الله في كتابه فالله يعلم ما هو الخير في علمه المطلق، بينما الإنسان قد يكون هلاكه في ما يظنه خيرا له، فذكر الله عز وجل في كتابه العزيز: "وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ".


وتبقى المصيبة في بدايتها ثقيلة على النفس، وهذا لا يناقض الصبر ولا يناقض الرضا بقضاء الله، فالرسول صلى الله عليه وسلم نفسه بكى عند موت ابنه إبراهيم، وقال: «إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا»، فالحزن شعور إنساني، والصبر موقف إيماني، وبينهما فرق ينبغي أن نفهمه حتى لا نحمل الناس فوق طاقتهم في أوقات المصائب، فالمؤمن يحزن على ما فقد، لكنه لا يقطع رجاءه في الله.


وفي قصة أم المؤمنين أم سلمة رضوان الله عليها خير مثال واقعي على فكرة "واخلفني خيرا منها فهي امرأة فقدت زوجها، وحملت حزنها ورددت الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جاءها من الخلف ما لم تكن تتصوره وهي في لحظة المصيبة، فقد روى مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرا منها»، قالت أم سلمة: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم.


ففي هذه الرواية أم سلمة رضي الله عنها تعرف الحديث، وتعرف ما وعد الله به من الأجر والخلف، لكنها حين مات أبو سلمة لم تستطع أن ترى من يمكن أن يكون خيرا منه، فقالت في نفسها: «أي المسلمين خير من أبي سلمة؟»، فالإنسان يقيس المستقبل بما عرفه في الماضي، ويرى ما فقده عظيما إلى درجة يصعب معها أن يتصور شيئا يملأ مكانه، وأبو سلمة لم يكن رجلا عابرا في حياتها، كان زوجها، وصاحب هجرتها، وشريكها في تلك المرحلة من الدعوة التي تحمل فيها المسلمون الأذى وتركوا الديار وهاجروا إلى الله ورسوله، لذلك كان فراقه مصيبة حقيقية، وليس من السهل أن يقال لمن أصابته مثل هذه المصيبة: ستجد خيرا منه، لكنها تذكرت الحديث، وقالت الدعاء ثم تركت الأمر لله، وانقضت الأيام، وانتهت عدتها، فتقدم إليها أبو بكر رضي الله عنه فردته، ثم تقدم إليها عمر رضي الله عنه فردته، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك هو الخلف الذي جاءها.